الحجر الأسود

ثانياً: الحجر الأسود

أ) تعريفه:

هو حجر من أحجار الجنة، مثبت في الركن الجنوبي الشرقي للكعبة.

ب) النصوص الواردة فيه:

- قال تعالى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِين[آل عمران: 97].

قال ابن جرير: (فإن قال قائل: فهذا المقامُ من الآيات البينات، فما سائر الآيات التي من أجلها قيل: "آيات بينات).

قيل: منهنّ المقام، ومنهن الحَجرُ، ومنهن الحطيمُ".

- عن ابن عبّاسرضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لَيَأْتِيَنَّ هَذَا الْحَجَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَهُ عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا، وَلِسَانٌ يَنْطِقُ بِهِ، يَشْهَدُ عَلَى مَنْ يَسْتَلِمُهُ بِحَقٍّ).

قال العيني: "فيه جواز كلام الجمادات، ومنه تسبيح الحصى وكلام الحجر ووجود اللسان والعينين للحجر الأسود ".

- عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نَزَلَ الْحَجَرُ الأَسْوَدُ مِنْ الْجَنَّةِ، وَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنْ اللَّبَنِ، فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ).

قال المباركفوري: "قال بعض الشراح من علمائنا يعني الحنفية: هذا الحديث.. يراد به المبالغة في تعظيم شأن الحجر وتفظيع أمر الخطايا والذنوب، ...وأن خطايا بني آدم تكاد تؤثر في الجماد فتجعل المبيض منه أسود فكيف بقلوبهم".

ج) فضائل ومحفزات:

1- يشهد يوم القيامة لكل من استلمه بحق:

عن ابن عبّاسرضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لَيَأْتِيَنَّ هَذَا الْحَجَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَهُ عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا، وَلِسَانٌ يَنْطِقُ بِهِ، يَشْهَدُ عَلَى مَنْ يَسْتَلِمُهُ بِحَقٍّ).

2- مسحه مكفرٌ للخطايا:

عن عبيد بن عمير بن قتادة الليثي عن أبيه: أن ابن عمر كان يزاحم على الركنين زحامًا ما رأيتُ أحدًا من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم يفعله، فقلتُ: يا أبا عبد الرحمن، إنّك تزاحم على الركنين زحامًا ما رأيتُ أحدًا من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم يزاحم عليه، فقال: إنْ أفعل، فإني سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنّ مسْحَهما كفارةٌ للخطايا.

وسمعتُه يقول: من طاف بهذا البيت أسبوعًا فأحصاه كان كعتق رقبة.

وسمعته يقول: لا يضع قدمًا، ولا يرفع أخرى إلا حط الله عنه خطيئة، وكتب له بها حسنة.

قال مجاهد: " إن استلام الحجر والركن يمحق الخطايا".

د) من أحكامه:

- صحت أربع حالات في استلام الحجر الأسود عن النبي صلى الله عليه وسلم:

1- مسحه باليد، وتقبيله:

عن الزبير بن عربي قال: " سأل رجل ابن عمر رضي الله عنهما عن استلام الحَجَرِ فقال: رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمه ويقبِّله، قال: قلتُ: أرأيتَ إن زُحِمتُ، أرأيتَ إن غُلِبتُ؟ قال: اجعلْ" أرأيتَ" باليمن، رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمه ويقبِّله".

قال ابن حجر: "يستفاد منه استحباب الجمع بين التسليم والتقبيل بخلاف الركن اليماني فيستلمه فقط والاستلام المسح باليد والتقبيل بالفم".

2- مسحه باليد، وتقبيل اليد:

عن نافع قال: رأيتُ ابنَ عمرَ يستلم الحَجَر بيده، ثم قبل يده، وقال: " ما تركتُه منذُ رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله".

قال النووي: " فيه استحباب تقبيل اليد بعد استلام الحجر الأسود إذا عجز عن تقبيل الحجر، وهذا الحديث محمول على من عجز عن تقبيل الحجر، وإلا فالقادر يقبل الحجر، ولا يقتصر في اليد على الاستلام بها".

3- استلامه بشيء، وتقبيل ذلك الشيء:  

عن أبي الطفيل رضي الله عنه قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالبيت ويستلم الركن بمحجن معه ويقبل المحجن".

قال النووي : " فيه دليل على استحباب استلام الحجر الأسود وأنه إذا عجز عن استلامه بيده بأن كان راكبا أو غيره استلمه بعصا ونحوها ثم قبل ما استلم به".

وقال ابن القيم: " فهذه ثلاثة أنواع صحت عن النبي صلى الله عليه وسلم (أي في استلام الحجر الأسود):

أ- تقبيله وهو أعلاها.

ب- استلامه وتقبيل يده.

ج- استلامه بالمحجن وتقبيله".

4- تقبيله والسجود عليه:

تقبيله والسجود عليه بوضع الجبهة، كما ثبت ذلك من فعل عمر بن الخطاب وابن عباس رضي الله عنهما ينقلانه عن النبي صلى الله عيه وسلم.

فعن جعفر بن عبد الله قال: " رأيت محمد بن عباد بن جعفر قبَّل الحجر وسجد عليه، ثم قال: رأيت خالك ابن عباس يقبله ويسجد عليه، وقال ابن عباس: رأيت عمر بن الخطاب قبل وسجد عليه، ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل هكذا ففعلت"(.

قال الصنعاني: " فيه شرعية تقبيل الحجر والسجود عليه".

تنبيه:

- إذا كان بعيدًا عن الحجر أشار إليه بيده أو بشيء في يده، ولا يقبل شيئًا من ذلك:

فعن ابن عباس رضي الله عنهما" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف بالبيت، وهو على بعير. كلما أتى على الركن أشار إليه بشيء في يده وكبر".

قال الجمهور:" السنة أن يستلم الركن، ويقبل يده، فإن لم يستطع أن يستلمه بيده استلمه بشيء في يده، وقبل ذلك الشيء، فإن لم يستطع أشار إليه واكتفى بذلك".

هـ) نماذج عملية من حرص السلف على استلام الحجر الأسود:

- عن نافع قال: رأيتُ ابنَ عمرَ يستلم الحَجَر بيده، ثم قبل يده، وقال: " ما تركتُه منذُ رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله".

- وقال ابن عمر رضي الله عنهما: "لا أدع استلام هذين الركنين منذ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمهما "قال نافع: "فكان ابن عمر يزاحم على الركنين حتى يرعف ثم يجيء فيغسله".

- قال طلحة بن إسحاق: سألت القاسم بن محمد عن الزحام على الركن، فقال: زاحم يا ابن أخي، فقد رأيت عبد الله بن عمر يزاحم حتى يدمى أنفه.

- قيل لطاووس كان ابن عمر لا يدع أن يستلم الركنين اليمانيين في كل طواف، فقال طاووس: لكن خيرًا منه قد كان يدعهما. قيل: من؟ قال: أبوه.

أما ترك عمر رضي الله عنه استلام الحجر أحيانًا، فهو امتثال لأمر النبي صلى الله عليه وسلم.

فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له:( يا عمر إنك رجل قوي لا تزاحم على الحجر، فتؤذى الضعيف. إن وجدت خلوة، فاستلمه، وإلا فاستقبله فهلل وكبر).

وأما حرص ابن عمر رضي الله عنهما على استلام الركنين فلا يتصور منه أنه كان يزاحم زحامًا شديدًا، حتى يؤذي المسلمين بفعله هذا.

ولهذا فمن وجد خلوة فل يحرص على تطبيق السنة دون مزاحمة الناس وأذيتهم.

| طباعة | البريد الإلكتروني