• الرئيسية
  • الآيات البينات
  • مقام إبراهيم عليه السلام

مقام إبراهيم عليه السلام

mqamebrahim

ثالثًا: مقام إبراهيم عليه السلام

 

مقام إبراهيم عليه السلام في المسجد الحرام من الآيات البينات التي أشار إليها ربنا سبحانه وتعالى في كتابه؛ حيث قال: {فيه آيات بينات مقام إبراهيم}، قال قتادة ومجاهد: "مقام إبراهيم من الآيات البينات".

وهو كذلك من ياقوت الجنة، فقد ثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة، طمس الله نورهما، ولو لم يطمس نورهما؛ لأضاءتا ما بين المشرق والمغرب" كما في مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي وغيرهما.

قال المناوي: "قوله "من ياقوت الجنة" أي: أصلهما ذلك "طمس الله تعالى نورهما" أي: ذهب به؛ لكون الخلق لا يتحملونه ... "ولو لم يطمس نورهما لأضاءتا ما بين المشرق والمغرب" أي: والخلق لا تطيق مشاهدة ذلك".

واختلف المفسرون في تحديد مقام إبراهيم على أقوال، وأرجحها عند المحققين منهم هو: الحجر الذي قام عليه إبراهيم عليه السلام حين ضعف عن رفع الحجارة التي كان إسماعيل عليه السلام يناولها إياه في بناء البيت، وغرقت قدماه فيه، قال الرازي بعد ذكر الأقوال في المسألة: "واتفق المحققون على أن القول الأول أولى، أي: القول بأنه موضع الحجر الذي قام عليه إبراهيم عليه السلام، ويدل عليه وجوه:

الأول:ما روى جابر أنه عليه السلام لما فرغ من الطواف أتى المقام وتلا قوله تعالى: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى}؛ فقراءة هذه اللفظة عند ذلك الموضع تدل على أن المراد من هذه اللفظة هو ذلك الموضع ظاهر.

وثانيها: أن هذا الاسم في العرف مختص بذلك الموضع، والدليل عليه أن سائلا لو سأل المكي بمكة عن مقام إبراهيم لم يجبه ولم يفهم منه إلا هذا الموضع.

وثالثها: ما روي أنه عليه السلام مر بالمقام ومعه عمر، فقال: يا رسول الله أليس هذا مقام أبينا إبراهيم؟ قال: بلى. قال: أفلا نتخذه مصلى؟ قال: لم أومر بذلك، فلم تغب الشمس من يومهم حتى نزلت الآية.

ورابعها: أن الحجر صار تحت قدميه في رطوبة الطين حتى غاصت فيه رجلا إبراهيم عليه السلام؛ وذلك من أظهر الدلائل على وحدانية الله تعالى ومعجزة إبراهيم عليه السلام، فكان اختصاصه بإبراهيم أولى من اختصاص غيره به، فكان إطلاق هذا الاسم عليه أولى.

وخامسها: أنه تعالى قال: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى}، وليس للصلاة تعلق بالحرم ولا بسائر المواضع إلا بهذا الموضع؛ فوجب أن يكون مقام إبراهيم هو هذا الموضع.

وسادسها: أن مقام إبراهيم هو موضع قيامه، وثبت بالأخبار أنه قام على هذا الحجر عند المغتسل ولم يثبت قيامه على غيره؛ فحمل هذا اللفظ، أعني: مقام إبراهيم عليه السلام على الحجر يكون أولى ... ".

ومن الأحكام المتعلقة بهذا المقام أنه تستحب صلاة ركعتين خلفه بعد الطواف بالبيت، يقول جابر رضي الله عنه: "لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة دخل المسجد الحرام، فاستلم الحجر ثم مضى على يمينه فرمل ثلاثا ومشى أربعا، ثم أتى المقام فقال: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى}، فصلى ركعتين والمقام بينه وبين البيت، ثم أتى الحجر بعد الركعتين فاستلمه، ثم خرج إلى الصفا، أظنه قال: {إن الصفا والمروة من شعائر الله}.

قال النووي: "هذا دليل لما أجمع عليه العلماء أنه ينبغي لكل طائف إذا فرغ من طوافه أن يصلي خلف المقام ركعتين".

إذن السنة عند المقام هي صلاة ركعتين بعد الطواف بالبيت، وأما ما يفعله بعض العوام من المسح عليه وتقبيله فليس ذلك بسنة ولا بمشروع، قال قتادة رحمه الله في قوله تعالى: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} قال: "إنما أمروا أن يصلوا عنده، ولم يؤمروا بمسحه، ولقد تكلفت هذه الأمة شيئا ما تكلفته الأمم قبلها، ولقد ذكر لنا بعض من رأى أثره وأصابعه، فما زالت هذه الأمة تمسحه حتى اخلولق وانماح".

وقال ابن تيمية رحمه الله: "ولما حج النبي صلى الله عليه وسلم استلم الركنين اليمانيين ولم يستلم الشاميين؛ لأنهما لم يبنيا على قواعد إبراهيم، فإن أكثر الحجر من البيت، والحجر الأسود استلمه وقبله، واليماني استلمه ولم يقبله، وصلى بمقام إبراهيم ولم يستلمه ولم يقبله؛ فدل ذلك على أن التمسح بحيطان الكعبة غير الركنين اليمانيين، وتقبيل شيء منها غير الحجر الأسود؛ ليس بسنة، ودل على أن استلام مقام إبراهيم وتقبيله ليس بسنة".

ومن الأمور التي يحذر منها عند المقام قراءة بعض الأدعية الخاصة التي ألفها الناس وروجوها على أنها تقرأ عند المقام، والصحيح أنه لم يرد شيء من الأدعية تشرع قراءته في هذا المكان، ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ شيئا عنده غير قوله تعالى: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى}؛ حيث قرأه عندما أقبل عليه، يقول ابن عثيمين رحمه الله: "... كذلك أيضاً ما يوجد في هذه المناسك ما يرد من الدعاء في مقام إبراهيم؛ فإن هذا لم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه دعا عند مقام إبراهيم، وإنما قرأ حين أقبل عليه {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} وصلى خلفه ركعتين، وأما هذا الدعاء الذي يدعون به ويشوشون به على المصلين عند المقام فإنه منكر من جهتين:

الجهة الأولى:أنه لم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام فإنه بدعة.

الجهة الثانية:إنه يؤذون به هؤلاء المصلين الذين يصلون خلف المقام ... ".

وقد كان المقام قريبا من جدار الكعبة فأخره عنه ووضعه في الموضع الذي هو فيه الآن الخليفة الراشد الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يقول ابن كثير: " وقد كان المقام مُلصَقا بجدار الكعبة قديما ... وإنما أخره عن جدار الكعبة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو أحد الأئمة المهديين والخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباعهم، وهو أحد الرجلين اللذين قال فيهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر"، وهو الذي نزل القرآن بوفاقه في الصلاة عنده؛ ولهذا لم ينكر ذلك أحد من الصحابة، رضي الله عنهم أجمعين".