خاصية الطهر للبيت الحرام

 

خاصية الطهر للبيت الحرام

إن للطهارة في الإسلام شأنًا عظيمًا، وكان الأمر الإلهي بها في أوائل ما نزل من القرآن، كما في قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ* قُمْ فَأَنْذِرْ* وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ* وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ* وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} [المدثر: 1- 5].

فقد أمر الله عز وجل نبيه محمدًا صلّى الله عليه وسلّم في هذه الآيات بتطهير ثيابه، وهي من أول ما نزل من القرآن عليه صلى الله عليه وسلم، فكان صلّى الله عليه وسلّم من أنظف الناس في جسده وملبسه، وخالف المشركين الذين لا يعتنون بملابسهم ولا يحتاطون من النجاسات، وكان يتطهر طهارة معنوية أيضًا؛ وذلك بتطهير أعماله وأخلاقه من سيئات الأعمال والأخلاق، فهو صلى الله عليه وسلم لم يسجد لصنم قط، ولم يكن فاحشًا ولا غليظًا صلى الله عليه وسلم؛ وهذا ما أمره الله به في هذين الأمرين الكريمين: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ* وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} .

فتبين لنا من خلال هذه الآيات أن الطهارة في الإسلام أمر ضروري مؤكد، جاءت العناية به مع بزوغ فجر الرسالة المحمدية، وتوالت أوامر الشريعة بالتأكيد عليه والاهتمام به؛ وذلك حتى يكون أهل هذا الدين متميزين عن غيرهم بطهارة الباطن وطهارة الظاهر.

وإن من أولى ما أمر الله تعالى بتطهيره وتنزيهه عن الأقذار الحسية والمعنوية: بيت الله الحرام بمكة المكرمة.

فبيت الله تعالى أقدسُ البيوت وأعظمها، وأولى بالعناية وأجدرُ بالتقديس؛ إذ جعله الله تعالى أول بيت يعبد فيه الخالق العظيم في هذه الأرض، وهو مهوى القلوب، ومقصد الوجوه، لا تنقطع عنه الوفود، ولا تقضي النفوس منه وطرًا، بل كلما صدرت عنه جاءت تَرِدُه وهي ظمأى؛ لذا جاء الأمر الإلهي بتطهير هذا البيت الكريم وتهيئته للقاصدين، حتى صارت طهارتُه وقداستُه إحدى الخصائص المميزة للبيت المعظم.  

وقد جاء الأمر بتطهير البيت الحرام في موضعين من كتاب الله تعالى؛ الموضع الأول: في قوله تعالى في سورة البقرة: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ}[البقرة:125]، والموضع الآخر في سورة الحج؛ حيث قال تعالى: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [الحج:26].

وجاءت أقوال أهل التحقيق من المفسرين في أن الطهر الذي أمر الله به إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام من أن يقوما به لبيت الله الحرام؛ فهو طهر عام يشمل الطهر الحسي والطهر المعنوي، ويشمل المكان المقدّس، ويشمل أعمال الناس حوله.

ويمكن أن تلخص معاني الطهر للبيت الحرام التي ذكرها أهل التفسير في الأمور التالية:

أولاً: تطهيره بإزالة كل ما ينافي التوحيد ويضاده من الأوثان والأصنام.

ثانيًا: تطهيره من كل ما يؤثر في مكان العبادة الطاهر من الأنجاس والقاذورات.

ثالثًا: تطهيره من كل عمل من الناس يضاد التوحيد والعبادة؛ فيمنع الناس عنده من الشرك والبدع والفواحش والظلم وبث الخصال الذميمة.

رابعًا: أن يطهره بالتطييب له وتخليقه.

فهذه المعاني كلها صحيحة ولا تعارض بينها، وجميعها مطلوب تحقيقها للبيت الحرام؛ فيجب تطهير البيت من الشرك والوثنية ومظاهرها، ويجب تطهيره من البدع والفواحش، وكل الخصال السيئة، ويجب تطهيره من النجاسات والأقذار الحسية، ويجب العناية بنظافته وتطييبه، حتى يكون مهيأ لكل من وفد إليه أو قصده لعمارته بالعبادة والطاعة.

وخاصية الطهر للبيت الحرام قد ارتبطت بأبي الأنبياء الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام، هذا النبي العظيم الذي له من الآثار العظيمة على هذا البلد المبارك ما يستحق أن ينوَّه به ويتردد ذكره، فالله سبحانه أمر الخليل إبراهيم أن يبني بمكة أول بيت لعبادة الربِّ الحقِّ الواحدِ سبحانه، أمره أن يبنيه ليكون معلمًا للتوحيد، وأن يطهره من الشرك والأنجاس، وألا يسمح أن يكون عنده إلا ما وافق التوحيد والطهر، قال الله تعالى: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [الحج:26].

فغدا بناء الكعبة المشرفة رمزًا للتوحيد والطهر من الشرك والأنجاس، ثم بعد بناء البيت الحرام على ذلك الوصف أمره سبحانه أن يؤذّن في الناس بالحج لله تعالى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ}، وأصبح الحج مجمعًا لأهل التوحيد والعمل الصالح، يجتمعون في مكة عند البيت الحرام، يجددون ذكراهم ولا يزيدون المكان الطاهر إلا طهرًا وجمالاً، ويدعون إليه من عداهم من الناس، وأقام الخليل إبراهيم ولده إسماعيل في البلد الحرام داعيًا بعده، وجعل من ذريته سدنة لذلك، وأوصاهم بكلمة التوحيد وبثِّها في الناس، قال تعالى عن إبراهيم عليه السلام: {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}[الزخرف:28].

وبهذا أصبحت الكعبة المشرفة معلم هداية، كما وصفها الله سبحانه في كتابه: {وَهُدىً لِلْعَالَمِين}، فالخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام أستاذ التوحيد، وإمام الحنيفية، ونابذ الشرك ومطهر البلد الحرام منه، وباني الكعبة على الطهر، ومُعدُّ البيت الحرام بيده الشريفة، بمعاونة ابنه إسماعيل النّبي الكريم البار بوالده عليهما الصلاة والسلام، فلامست أيديهما الشريفة الحجارة والطين، ورفع القذى عن البيت الحرام؛ ليكون مهيأ للطائفين والقائمين والعاكفين والركع السجود تعبدًا لله رب البيت الحرام.

قال ابن عاشور عند قوله تعالى: ({وَطَهِّرْ بَيْتِيَ} فيه إشارة إلى أن من إكرام الزائر تنظيف المنزل، وأنّ ذلك يكون قبل نزول الزائر بالمكان).

فهذه بداية الطهر في البلد الحرام التي أخبرنا الله عز وجل عنها، إنها عهد وميثاق بين الله وخليله إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام، أمرهما الله بذلك، وكان منهما الوفاء، قال تعالى عن خليله إبراهيم: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} قال ابن القيم رحمه الله: وقد شهد الله سبحانه بأنّه وفّى ما أمر به.

وقال سبحانه عن إسماعيل عليه الصلاة والسلام: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا}[مريم:54] هو يأمر أهله الذين سكنوا البلد الحرام بأن يقيموا الصلاة التي من أجلها جاء به والده إبراهيم إلى مكة شرفها الله وأسكنه فيها، والتي من أجلها بنيت الكعبة، والتي من أجل أهلها أُمر هو ووالده عليهما السلام أن يطهرا البيت وساحته من الأقذار والأنجاس، ويفد الناس من كل صوب ليشرفوا بالصلاة في ساحة الكعبة الغراء ولو مرة في العمر.

فأيّ تاريخ للطهر أنقى وأشرف من هذا التاريخ في البلد الحرام، ابتدأ مع الأنبياء وأيديهم المباركة الشريفة، أيّ بعد لشرف هذا العمل بعدئذ!

فاللهم ارزقنا أدب الجوار، واجعلنا ممن يسهم في تطهير خير بيت ودار، واحمنا ربنا فلا ندنس بيتًا وأرضًا طهرها الأنبياء.

| طباعة | البريد الإلكتروني