صور من هداية البيت

صور من هداية البيت

جعل الله البيت الحرام من أصول الهداية للناس، مسلمِهم وكافرِهم، عربيِّهم وعجميِّهم، ولازال البيت كذلك منذ أن بناه الخليل إبراهيم عليه السلام إلى أن يرفع في آخر الزمان.

ولقد تجلّتْ هدايةُ البيت وظهر أثرُها في نفوس كثير من الناس، ما بين اجتهاد في العبادة حين الوفود إليه وبذل الأوقات في ذلك، أو تبدل القلوب من حال البعد عن الله إلى حال القرب منه عز وجل بتوبة أو إيمان.

والأخبار والقصص التي تروى في ذلك كثيرة جدًا، سنكتفي بذكر بعض ذلك؛ عسى أن يكون في القليل منه ما يغني عن ذكر الكثير.

فأول تلك الصور التي نريد ذكرها هنا ما جاء عن سيد المتقين وإمام المرسلين، صلى الله عليه وسلم تسليمًا كثيرًا، فقد كان عليه الصلاة السلام أعظم من نال هداية البيت الحرام.

لقد كان رسولنا عليه الصلاة والسلام يغتنم أوقاته لزيارة البيت الحرام إذا كان قريبًا منه، كما صنع صلّى الله عليه وسلّم ليلة منصرفه من غزوة حنين؛ فإنه على الرغم من شهوده يوم حنين أحداثًا عصيبة في أرض المعركة، وبعد ذلك في قَسْم غنائمها بين أصحابه، وما صاحبَه من عتب الأنصار عليه؛ حيث فرّقها في قريش دونهم في حادثة جليلة مشهورة معروفة؛ إلا أنه صلّى الله عليه وسلّم فضّل اغتنام بقية ليلته في زيارة البيت والطواف حوله على النوم والراحة. فخرج مُتَدَثِّرًا ظلمةَ الليل فدخل الحرم، فاستلم الحجر الأسود، وطاف بالبيت، وقضى عمرته، ثم أدرك صلاة الصبح بأصحابه في الجِعرانة كأنه قد قضى الليل بينهم، أخرج الترمذي والنسائي عن مُحَرِّشٍ الكَعْبيِّ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من الجِعرانة ليلاً معتمرًا فدخل مكة ليلا فقضى عمرته، ثم خرج عن ليلته فأصبح بالجعرانة كبائت.

فهذا قدوتنا وأسوتنا صلى الله عليه وسلم بذل نفسه في نيل هداية البيت الحرام بالتقرب إلى رب البيت عز وجل ونيل مرضاته.

وإليكم صورة أخرى من صور المهتدين عند بيت ربهم عز وجل ممن عرف قدر هذه الهداية واجتهد في نيلها:

لقد كان بعض العلماء إذا قصد مكة جعل لنفسه برنامجًا يوميًا للعبادة والطواف، يبادر بذلك أيامَه ولياليَه مدة إقامته بها، كما صنع إمامُ أهلِ الكوفةِ وزاهدُها سفيانُ بنُ سعيدٍ الثَّوريُّ الكوفيُّ رحمه الله تعالى حين قدم مكة؛ فكان برنامجه اليومي يبدأ بصلاة الفجر، ثم يجلس بعد ذلك يذكر الله؛ حتى ترتفع الشمس، ثم يطوف سبعةَ أسابيع، يصلي بعد كل أسبوع ركعتين يُطَوِّلُهما، ثم يصلّي إلى نصف النهار، ثم ينصرف إلى منزله، فيأخذ المصحف فيقرأ، فربما نام كذلك، ثم يخرج لنداء الظهر، ثم يتطّوع إلى العصر، فإذا صلى العصر أتاه أصحابُ الحديث فاشتغل معهم إلى المغرب، فيصلّي ثم يَتَنَفَّلُ إلى العشاء، فإذا صلى ربما يقرأ أو ينام، قال مُؤَمَّلُ بنُ إسماعيل رحمه الله تعالى: (أقام بمكة – أي سفيان الثوري- نحوًا من سنة على هذا).

هكذا كان هذا الإمام الجليل عند قدومه مكة، جد واجتهاد، تنوع في العبادات والقربات؛ لأنه يعلم أنه بجوار بيت الهدى والإيمان، في بلد تضاعف فيه الحسنات.

وصور اجتهاد الصالحين في العبادة بجوار البيت وبذل أوقاتهم فيها كثيرة جدًا.

من ذلك: ما جاء عن إبراهيم النخعي رحمه الله أنه قال: كان يعجبهم إذا قدموا مكة أن لا يخرجوا حتى يختموا القرآن.

وجاء عن محمد بن طارق المكي أنه كان مجاورًا بمكة، فكان يطوف في اليومِ والليلةِ سبعين أسبوعًا. والأُسبوعُ هو أشواطُ الطوافِ السبعة.

إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة والصور الرائعة عن عباد الله الصالحين.

ومن صور اشتياق النفوس إلى بيت الله عز وجل وتَوَقانها إلى نيل هدايته ما جاء في قصة ذكرها أحد الأطباء من أهل مكة المكرمة في زماننا؛ حيث قال: سافرت إلى الاتحاد السوفيتي في بدايات سقوطه رغبة في أن أزورَ أهلَ الإسلام هناك، وأتفقد أحوالَهم، فذهبت وبدأت أسأل عن قرى المسلمين وديارهم، ومن جملة زياراتي ما حدث من لقاء بعض المسلمين في إحدى القرى؛ إذ ما سمع بي أهل القرية حتى اجتمعوا من حولي، وكان أولَ سؤال سألوني إياه: من أين أنت؟ قلت: أنا من مكة. فما إن ذكرت هذا الاسم حتى ظهر التأثر على وجهوهم، فقال أحدهم: هل أنت تسكن في مكة؟ قلت: نعم، قال: هل رأيت الكعبة بعينيك هاتين؟ قلت: نعم، فقال: هل تسمح لي أن أقبّل عينيك اللتين رأتا الكعبة!!).

سبحان الله العظيم! إذا كان هذا حالهم وهم سمعوا بالكعبة وعرفوا عنها، ولكن لم يروها بأعينهم ولم يتسن لهم الوفود إليها؛ فكيف تكون حالهم إذا جاءوا إليها، وتيسر لهم قصدها في الحج أو العمرة؟!

إن ما حدث من هؤلاء المشتاقين لبيت الله الحرام هو أثر من آثار البيت المعظم في نفوس البشر بمجرد معرفتهم به وإيمانهم بأنه بيت ربهم العظيم.

ومن شواهد ما للبيت الحرام من أثر في النفوس في توبتها ورجوعها إلى ربها، وترك ما علق بنفسها من شبه وأفكار مخافة لدين الله عز وجل؛ ما جاء في الواقعة التي ذكرها الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله في كتابه من نفحات الحرم؛ حيث قال: (كنت في مصر من بضع سنين، وكانت في الجامعة بعثةٌ من الطلاب تستعد لتمضي إلى الحج، فعلق بها طالب يعرفه إخوانه شيوعيًا خبيثًا حربًا على الإسلام وأهله، فأبوا عليه الصحبة، وألحّ هو راغبًا فيها، فخبرني بذلك أستاذ في الجامعة فقلت له: أنا أرى أن تأخذوه معكم؛ فلعل الله قد أذن بصلاحه فبعث هذه الرغبة في نفسه! فاستبعد ذلك، وأخذ برأيي، وصحبوه، ولما رجعوا ولقيت هذا الأستاذ قال لي: لقد كان ما قدَّرتَ، ولكنه كان شيئًا عجيبًا، دَهِشَ له كل من كان معنا، حتى الطالبُ نفسُه؛ فإننا ما إن بلغنا حدود الحرم ونزعنا ثيابنا؛ حتى تبدل نفسًا بنفس، كأنما نزع مع الثياب دنياه كلها من قلبه، وأفكار السوء من رأسه، وترك الباطل الذي كان يحيا فيه، وعاد الفتى المؤمن يجهر بالتلبية أكثرَ من جهرِنا، ويخشعُ لها أشدَّ من خشوعِنا، فحَسِبْنا ذلك تظاهرًا منه لنا، وتَزَلُّفًا إلينا، حتى إذا بلغْنا بابَ الحرم، وبَدَتْ لنا الكعبة، غَلَبَتْ عليه حالٌ يستحيل أن تكون تَصَنُّعًا وتمثيلاً، وراح يبكي ويَنْشِجُ؛ حتى لقد أبكانا، ثم كان أكثرَنا طوافًا وصلاةً واستغراقًا في العبادة.

ثم قال الشيخ الطنطاوي: هذا أثرُ الحرم في نفس المسلم، وهل في أماني المسلم أكبرُ من أن يرى تلك المشاهدَ ويقفَ بتلك الأعتاب؟ فما مسلمٌ يطوف حول الكعبة إلا أحسَّ أن وطنَه الحقَّ ها هنا. انتهى كلامه.

فسبحان من جعل النفوس تتغير بمجرد رؤيتها لبيت ربها ودخولها في بساط ملكه.

فإن قيل: إن هؤلاء الذين تأثروا بالبيت هم من المسلمين المهتدين؛ فهل حصل تأثير للبيت الحرام في غير المسلمين في الهداية؟

فالجواب: نعم، لقد حصلت شواهدُ تدل على أثر بيت الله عز وجل في هداية غير المسلمين، وإليكم نموذجًا ممن حصل له ذلك:

ذكر ابن الجوزي رحمه الله في كتابه مثير العزم الساكن إلى أشرف الأماكن عن حامدٍ الأسودِ -وكان صاحبَ إبراهيم الخوّاص أحد الزهاد المعروفين - قال: كان إبراهيم إذا أراد سفرًا لم يحدِّث به أحدًا ولم يذكرْه، وإنما يأخذ رَكْوتَه ويمشي، قال: فبينا نحن معه في مسجده إذ تناول رَكوته ومشى فاتبعتُه، فلم يكلمني حتى وافينا الكوفة، فأقام بها يومَه وليلتَه، ثم خرج نحو القادسية، فلما وافاها، قال لي: يا حامد إلى أين؟ فقلت: يا سيدي خرجت بخروجك. فقال: أنا أريد مكة إن شاء الله. قلت: وأنا إن شاء الله أريد مكة، فمشينا يومَنا وليلتَنا، فلما كان بعد أيام إذا شاب قد انضم إلينا في بعض الطريق، فمشى معي يومًا وليلة لا يسجد لله عز وجل سجدة فعرَّفتُ إبراهيمَ، وقلت: إن هذا الغلام لا يصلي. فجلس وقال له: يا غلام ما لك لا تصلي والصلاةُ أوجبُ عليك من الحج؟ فقال: يا شيخ ما عليّ من صلاة. قال: ألست مسلمًا؟ قال: لا. قال: فأي شيء أنت؟ قال: نصراني. قال إبراهيم: دَعْهُ يكون معك. فلم يَزَلْ يسايرنا إلى أن وافَينا بطنَ مَرَّ – أي: مَرَّ الظهران وهو وادي فاطمة المعروف - ثم سأله إبراهيم عن اسمه؟ فقال: عبدُ المسيح. فقال: يا عبدَ المسيح، هذا دِهْلِيزُ مكةَ، وقد حرَّم الله على أمثالك الدخولَ إليه، وقرأ: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} [التوبة:28]، والذي أردت أن تستكشف من نفسك فقد بان لك، فاحذر أن تدخل مكة، فإن رأيناك بمكة أنكرنا عليك.

قال حامد: فتركناه ودخلنا مكة، وخرجنا إلى الموقف، فبينا نحن جلوسٌ بعرفات؛ إذ هو قد أقبل وعليه ثوبان، وهو محرم يتصفح الوجوه حتى وقف علينا، فأكبّ على إبراهيمَ يقبّل رأسَه، فقال له: ما وراءك يا عبدَ المسيح؟ فقال: هيهات؛ أنا اليوم عبدُه، والمسيحُ عبدُه! فقال له إبراهيم: حدثني حديثَك. قال: جلستُ مكاني حتى أقبلت قافلة الحاج، فقمت وتنكّرت في زيّ المسلمين كأني محرم، فساعةَ وقعتْ عيني على الكعبة اضمحلّ عندي كلُّ دين سوى الإسلام، فأسلمت واغتسلت وأحرمت، وها أنا أطلبك يومي. فالتفت إلينا إبراهيم وقال: يا حامد انظر إلى بركة الصدق في النصرانية كيف هداه إلى الإسلام؟ قال: وصحبنا حتى مات.

فهذه صور ونماذج واقعية في بيان أثر البيت الحرام في هداية البشرية، وستظل الصور تتكرر ما دام بيت الله شامخًا في الأرض.

نسأل الله تعالى أن يزيدنا إيمانًا، ويوفقنا لنيل هداية بيته الحرام، بمنه وكرمه تعالى.

| طباعة | البريد الإلكتروني