لماذا يتردد الناس إلى بيت الله الحرام

لماذا يتردد الناس إلى بيت الله الحرام

كان بلال رضي الله عنه ممن عاش في مكة، ولما هاجر النّبي صلّى الله عليه وسلّم إلى المدينة، هاجر بلالٌ معه واستوطن المدينة، ولكنه كان يتمنى العودة والرجوع إلى مكة، فأنشأ يقول في أبيات له:

ألا ليت شعري هل أبيتنَّ ليلةً
*** بوادٍ وحولي إذْخـرٌ وجَليـلُ
وهل أَرِدَنْ يـومًا ميـاه مَجَنـَّةٍ
*** وهل يَبْدُوَنْ لي شامةٌ وطَفيلُ

لماذا كان هذا الشوق إلى البلد الحرام؟

وما السبب الذي جعل القلوب تحن وتشتاق إلى بيت الله الحرام؟

إن الله عز وجل قد جعل بيته الحرام مكانًا تشتاق إليه القلوب، ويتردد إليه العباد، ويفدون إليه كلما سنحت لهم الفرص، وتهيأت لهم السبل، قال الله تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا} [البقرة: 125] أي: صيَّرنا البيتَ الحرامَ الذي لا يُجهل ولا يُنسى مثابةً للناس.

والمثابة معناها: الرجوع والعودة للبيت الحرام، كما جاء عن أكثر المفسرين في هذه الآية.

فقد قال ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير قوله تعالى {مَثَابَةً لِلنَّاسِ}: (لا يقضون منه وطرًا؛ يأتونه ثم يرجعون إلى أهليهم ثم يعودون إليه).

وقال مجاهد: (قوله: {مَثَابَةً لِلنَّاسِ} يثوبون إليه، لا يقضون منه وطرًا).

وقال سعيد بن جبير في قوله: {مَثَابَةً لِلنَّاسِ} قال: (يحجون، ثم يحجون، ولا يقضون منه وطرًا).

فمعنى المثابة بإيجاز أن النّاس: يترددون إليه بشوقٍ، وبلا ملل، ويبذلون في سبيله أنفسَ ما يملكون، طلبًا للأجر والمثوبة ومحو السيئات، ولا ينصرفون عنه إلا وهم راغبون في العود إليه.

وهناك أمران يؤكدان أن البيت الحرام هو مثابة للناس:

أولهما: الاستجابة الفطرية للنداء الرباني: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج:27].

وقد روى الفاكهي بإسناد صحيح: من طريق مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لما فرغ إبراهيم عليه الصلاة والسلام من بناء البيت أمره الله عز وجل أن ينادي في الحجِّ، فقام على المقام فقال: يا أيها الناس، إن ربَّكم قد بنى بيتًا فحجُّوه، وأجيبوا الله عز وجل؛ فأجابوه في أصلاب الرجال وأرحام النساء: أجبناك، أجبناك، أجبناك، اللهم لبيك، قال: فكل من حجَّ اليوم فهو ممن أجاب إبراهيم على قدر ما لبّى).

ثانيهما: كذلك يؤكد كون البيت (مثابةً) استجابةُ الله تعالى لدعوة الخليل إبراهيم عليه السلام حين دعا ربه في قوله تعالى: {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ} واستجاب الله دعاءه.

قال ابن عباس رضي الله عنه، ومجاهد وسعيد بن جبير، وغيرهم، لو قال: [أفئدة الناس] لازدحم عليه فارسُ والرومُ، واليهودُ والنصارى، والناسُ كلُّهم، ولكن قال: {مِّنَ النَّاسِ} فاختُصَّ به المسلمون.

فمكة تهوي إليها أفئدة الناس فطرةً؛ لذلك لا يتصور انقطاعهم عنها ما وجدوا لذلك سبيلا، مهما بذلوا من الأثمان وشقوا وتعبوا؛ فإن ذلك سينجلي وينقشع عند رؤية "الكعبة المشرفة".

قال ابن القيم: (وقد ظهر سرُّ هذا التفضيل والاختصاص في انجذاب الأفئدة، وهوى القلوب وانعطافها ومحبتها لهذا البلد الأمين؛ فجذبه للقلوب أعظم من جذب المغناطيس للحديد.

ولهذا أخبر سبحانه أنه مثابة للناس، أي: يثوبون إليه على تعاقب الأعوام من جميع الأقطار، ولا يقضون منه وطرًا، بل كلما ازدادوا له زيارةً، ازدادوا له اشتياقًا.

فلله كم لها من قتيل وسليبٍ وجريحٍ، وكم أُنفق في حبها من الأموال والأرواح، ورضي المحب بمفارقة فلذات الأكباد والأهل، والأحباب والأوطان، مقدِّمًا بين يديه أنواع المخاوف والمتالف، والمعاطف والمشاق، وهو يستلذ ذلك كلَّه، ويستطيبه، ويراه - لو ظهر سلطان المحبة في قلبه - أطيب من نِعَمِ المتحلية، وترفهم ولذاتهم، وليس مُحبًا من يَعُدُّ شقاءه عذابًا إذا ما كان يرضي حبيبَه، وهذا كله سرُّ إضافته إليه سبحانه وتعالى بقوله: {وطهر بيتي} (الحج: 26)، فاقتضت هذه الإضافة الخاصة من هذا الإجلال والتعظيم والمحبة ما اقتضته) انتهى كلامه.

وقد جاء التوجيه الشرعي حاثًّا على تكرار الوفود للبيت الحرام مؤيدًا لما غرس في الفطر من الحب لهذا البيت والتعلق به والرغبة في المجيء إليه، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: تابعوا بين الحجِ والعمرةِ؛ فإنهما يَنْفِيانِ الفقرَ والذنوبَ، كما يَنْفي الكِيرُ خَبَثَ الحديدِ والذهبِ والفضةِ، وليس للحجةِ المبرورةِ ثوابٌ إلا الجنّة) أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

وجاء عن السلف الصالح والتابعين لهم بإحسان أبرز المثل في كثرة الوفود إلى بيت الله الحرام، والتردد إليه المرة بعد الأخرى.

- فهذا الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه يحكي ابنُ عباس عن كثرة حجه فيقول: (حججتُ مع عمر رضي الله عنه إحدى عشرة حجَّة).

- وعثمان بن عفان رضي الله عنه بويع بالخلافة سنة 24، فأمَّر عبد الرحمن بن عوف على الحجِّ في عامها، ثم حجَّ بالناس سنة 25، ولم يزل يحجُّ بهم حتى حُصِر في داره سنة 35، فأمر عبد الله بن عباس أن يحجَّ بالناس فيها.

- وروى نافع مولى ابن عمر أنه حجَّ مع ابن عمر أكثر من ثلاثين حجَّة وعمرة.

- وجاء عن المقرئ الفقيه سعيد بن جُبَير الكوفي أنه كان يداومُ على الحجِّ والعمرة؛ حيث كان يخرج من الكوفة إلى مكة مرتين في السنة، مرة للحجّ ومرة للعمرة.

- وحجَّ طاوسُ بن كيسان اليماني أربعين حجَّة.

- وذُكر عن محمدِ بنِ يحي بنِ أبي عمرَ العدني، نزيلِ مكةَ أنَّه حجَّ سبعًا وسبعين حجةً، ولم يقعد عن الطواف ستين سنة.

فهذه نماذج مضيئة ممن كان يكثر التردد إلى بيت الله الحرام كلما حداه الشوق إلى ذلك.

أما من لم يتسن له الوفود إلى بيت الله الحرام فإن مشاعر الشوق لا تفارق قلبه، ومشاهد الوفود إلى بيت الله ورؤيته والفرح بذلك؛ لا تفارق مخيلته، وبعضهم أعانته القريحة على أن يسجل شوقه ولوعه بالبيت الحرام والأماكن الطاهرة في بلد الله مكة، كما قال أحدهم معبرًا عن شوقه ولهفته للوفود إلى البلد الأمين:

يحـن إلى أرض الحجاز فـؤادي *** ويحدو اشتياقي نحو مكة حادي
ولــي أمـل ما زال ينـمو بهمتي
  
*** إلـى البــلدة الغـراء خـير بـلاد
  
بها كعبة الله التـي طـاف حـولها
*** عبـــاد هـم لله خـــير عبــــاد
أقضي فـرض الله في حـج بيتـه
*** بـأصـدق إيـمـان وأطيـب زاد
أطـوف كما طـاف النّبيون حوله
*** طـواف قـيـاد لا طـواف عـنـاد
وأستلـم الركـن اليـمانـي تابـعًا
*** لسنـة مـهـدي وطـاعــة هـــاد

وهذا آخر حين رأى حجاج بلده يعدون أنفسهم للسفر إلى البلدة المقدسة مجيبين نداء ربهم بعد أن تيسرت لهم السبل؛ لم تتمالكه نفسه عند رؤيته ذلك المنظر، فأطلق أشواقه في أبيات رائعة، يقول فيها:

يـا  راحلـين إلـى مـنى بقيــادي
  
*** هيجـتمُ  يـوم الرحيـل فـــؤادي
سـرتم   وسـار دليلكم يا وحشتي
  
*** الشـوق  أقلقني وصوت الحادي
  
حرمتموا  جـفني المنـام ببعدكم
  
*** يـا   ساكنـين المنحـنى والـوادي
ويلوح لي ما بين زمزم والصـفا
  
*** عند المقام سمعت صوت منادي
  
ويـقول  لـي يا نائما جـدّ السـرا
  
*** عرفـات تجـلو كل قلب صـادي
من نال من عرفـات نظرة ساعة
*** نـال السرور ونـال كـل مـرادي
تالله ما أحلـى المبيت على منـى *** فـي  ليـل عـيـد أبـرك الأعيـــادِ
ضحوا ضحاياهم وسال دمـاؤها
*** وأنا المتيـم قـد نحـرت فـؤادي
لبسوا ثياب البيض شارات الرضا
*** وأنا الملـوّع قـد لبست سـوادي
يا رب أنت وصلتهم صلنـي بهم *** فـلحـقكم  يا رب فـك قيـــادي
فـإذا وصلتـم سـالمـين فبلّغــوا
*** مني  السلام أهيـل ذاك الــوادي

وختامًا نقول: إن ما جعله الله في قلوب عباده من الشوق والحنين إلى البلدة المباركة مكة حماها الله؛ لهو من آيات الله العظيمة، التي يعجز الكثير عن تفسيرها، ومعرفة السبب الداعي إلى بذل ما يملكه الإنسان في سبيل الوصول إلى ذلك المكان الطاهر المقدس.

نسأل الله عز وجل أن يجعل في قلوبنا محبة بيته الحرام، وبلده الأمين، ويرزقنا دوام الوفود إليه، خاشعين متذللين معظمين، اللهم آمين.