قبلة العالمين

 

قبلة العالمين

يقول الله تبارك وتعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ﴾[البقرة: 144].

إن مما لا شكّ أنّ لهذه القبلة شأنا عظيما في قلوب المسلمين، ومكانة رفيعة عند الله تبارك وتعالى، ولا أدل على ذلك من ارتباط أهم القرب بها فالصلاة لا تصح إلا بالتوجه إليها، ولا يجوز ترك استقبالها في الصلاة إلا في حالات خاصة محدودة فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتَنا، وأكل ذبيحتَنا؛ فذلك المسلمُ الذي له ذِمَّةُ الله وذِمَّةُ رسولِه، فلا تُخْفِروا اللهَ في ذِمَّتِه) أخرجه البخاري.

ولا شك أن لتوحيد موضع توجه المسلمين في أهم العبادات التي يتقربون بها إلى ربهم سبحانه وتعالى أهمية كبيرة، ومقصدا عظيما، وهذا المقصد هو ما أشار إليه جلَّ في علاه بقوله: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا}.

فاتفاق المسلمين ووقوفهم جميعًا صفًا واحدًا خصلة يحبها الله ورسوله؛ ولذا لن تجد معاملة نهى عنها الشارع الحكيم إلا وهناك حظ وافر من مراعاة هذا المقصد العظيم اقرأ إن شئت قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تلقوا الركبان، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، ولا تناجشوا، ولا يبع حاضر لباد، ولا تصروا الغنم)، وقوله: (ولا يخطب على خطبة أخيه، ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في إنائها)، وقوله: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه).

وهكذا، فكثير من أحكام المعاملات وغيرها التي جاء الشرع بالنهي عنها يلاحظ فيها مراعاة هذا المقصد العظيم، بل حتى بعض المشروبات المنهي عنها بيَّن الله لنا أن الحكمة من تحريمها هي كونها مما يُلقي به الشيطان العداوة والبغضاء بيننا يقول الله جلًّ في علاه ، {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ }؛ فالاتحاد والاتفاق أصل أصيل من ديننا ومقصد من مقاصده العظام التي جاء الشرع بصيانتها وحمايتها.

سكان بيت الله الحرام:

قد علمنا فيما سبق بعض الحكم من توحيد القبلة؛ فهل استشعرنا أنه لا تمر ساعة من ليل أو نهار إلا ولله فيها عابد متجه إلى البيت العتيق؟ أما لنا في ذلك دافع يدفعنا إلى إزاحة كل ما يكون سببا للتقاطع والتدابر؟ أليس في ذلك ما يدعو إلى التلاحم والتناصر فيما بيننا؟ لماذا يهجر بعضنا بعضًا ونحن أمة القبلة الواحدة؟

إن الناظر في هذه الحياة وتقلباتها بأهلها ليهون عليه كل ما يلقاه، عروش تتهاوى، وذلة بعد عزة، وفقر بعد غنى، وموت بعد حياة، فعلام؛ نتدابر ونتقاطع وقد أراد الله لنا أن نكون أمة واحدة يتألم بعضنا لألم أخيه ويحزن لحزنه؟!

يا من جعل الله بلدتكم قبلة للعالمين في الحياة وفي الممات؛ ألا يجدر بكم أن تكونوا خير من يتمثل بمعاني الأخوة الإيمانية؟ أين نحن من قول رسولنا وحبيبنا - رزقني الله وإياكم شفاعته -: (وأنتم يا عباد الله إخوانا)، وقوله: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدُّ بعضه بعضًا؛ إذا اشتكى منه عضو تتداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى).

ما أحوج الأمة اليوم إلى مجتمع يسود فيه التآخي والتآزر في الله ولِله في زمن طغت فيه المادة على كل القيم والأعراف، وليس على وجه الأرض مجتمع أحق بقيادة العالم وتصدير القيم إلى آفاق الدنيا؛ من مجتمع يعيش بين جنبات البلد الحرم الذي تهفو إليه النفوس وتنظر إلى أهله كما ينظر الطير إلى الحم، قال ابن عبد البر: وحسْبُك بمكة أن فيها بيتَ اللهِ الذي رضي لعباده لحَطِّ لأوزارِهم وغفرانِ ذنوبِهم أن يقصدوه مرة واحدة في أعمارهم، ولم يَقبلْ من أحد صلاةً إلا باستقبال جهتِه بصلاتِه إذا كان عالمًا بالجهة قادرًا على التوجه إليها، فهي قبلةُ أهلِ دينِه أحياءً وأمواتًا).

إن هذه القبلة التي جعلها الله سبحانه وتعالى شعارًا لوحدتنا وتآلفنا قد ارتبط بها أحكام تكليفية، وهي معلومة للجميع، لكن نشير إليها في هذه العجالة تذكيرًا بها وإشادة بمكانة الكعبة:

أولًا: الصلاة، فلا تصح صلاة من ترك استقبال القبلة مع قدرته على ذلك، وأجمع على ذلك أهل العلم قاطبة، قال ابن عبد البر: (أجمع العلماء أن القبلةَ التي أمر الله نبيَّه وعبادَه بالتَوَجِّهِ نحوَها في صلاتهم هي الكعبةُ البيتُ الحرامُ بمكةَ، وأنّه فَرْضٌ على كلِّ من شاهدها وعايَنها استقبالُها، وأنّه إنْ ترك استقبالَها وهو مُعايِنٌ لها أو عالمٌ بجهتِها فلا صلاةَ له، وعليه إعادةُ كلِّ ما صلى كذلك). وقال ابن عطية: ولا خلاف أن الكعبةَ قبلةٌ من كل أُفُقٍ، وقولُه تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ} أمرٌ بالتحوّلِ ونسخٌ لقبلةِ الشام.

ثانيًا الطواف بها، وله ثلاث حالات:

الحالة الأولى: الركنية، الطواف بالبيت ركن في الحجِّ والعمرة لا يصحَّان بدونه، لقوله تعالى: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ}، وقول النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم: لمَّا أُخْبِرَ بشأن حيض صفية رضي الله عنها؛ حيث قال: (أحابستنا هي؟)، ولما علم صلى الله عليه وسلم بأنها طافت طواف الإفاضة قال: (فَلْتَنْفِرْ). وأما دليل ركنيته في العمرة وأنه لا تصح بدونه فلأن الأصل مشاركة العمرة الحج في أفعاله إلا ما قام النَّص أو إجماع على أنه مُسْتَثْنَى، كالوقوف بعرفة، والمبيت بمنى ومزدلفة، ورمي الجمار، فهذه مستثناة بالإجماع ويدل على هذا قوله صلى الله عليه وسلم: (اصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجِّك).

الحالة الثانية: الوجوب، يجب على من حجَّ وأراد الرُّجوع إلى أهله أن يكون أخر عهده الطواف قال صلى الله عليه وسلم: (لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ)، فقوله: (لا ينفرنَّ) دليل على منع الحاج من السفر بعد حجه قبل أن يطوف بالبيت، وهو واضح في دلالته على وجوبه، وقد أَوْجَبَ كثير من أهل العلم الدَّم على تاركه بلا عذر، أما المعذور كالحائض ومن في حكمها فلا شيء عليه في تركه.

الحالة الثالثة: الاستحباب، يستحب الإكثار منه فيما عدى ما ذكر لقوله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ أُسْبُوعًا فَأَحْصَاهُ كَانَ كَعِتْقِ رَقَبَةٍ)، وقال:(لَا يَضَعُ قَدَمًا وَلَا يَرْفَعُ أُخْرَى إِلا حطَّ اللَّهُ عنهُ بهَا خَطِيئَة وكتبَ لهُ بهَا حَسَنَة).

وختاما نذكر مسألتين مما قد يتساهل فيه بعض الناس هدانا الله وإياهم:

المسألة الأولى: قضاء الحاجة تجاه القبلة، وقد كثر خلاف أهل العلم فيها؛ هل النَّهي للتَّحريم أم للكراهة؟ وهل يختص بمن في الفضاء، أم يشمل من يقضي حاجته في البنيان؟ والواجب على المسلم أن يكون وَقَّافًا عند أمر الله ونهيه، كما كان حال من مضى من سلف هذه الأمة، فعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول، ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا).

المسألة الثاني: التَّفل تجاهَ الكعبة، جاء النَّهي عن التَّفل تجاهِ القبلة في غير ما حديث، من ذلك حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رأى نخامةً في القبلة، فشقَّ ذلك عليه حتى رُئِيَ في وجهه، فقام فَحَكَّهَا بيده، فقال: (إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلاَتِهِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ، أَوْ إِنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ؛ فَلاَ يَبْزُقَنَّ أَحَدُكُمْ قِبَلَ قِبْلَتِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمَيْهِ). ثم أخذ طرف ردائه فبصق فيه، ثم رد بعضه على بعض، فقال:(أَوْ يَفْعَلُ هَكَذَا). وعن حذيفة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(مَنَ تَفَلَ تجاهَ الْقِبْلَةِ جَاءَ يَوَمَ الْقِيَامَةِ وَتُفْلَتُهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ).

| طباعة | البريد الإلكتروني