مكة هدى للعالمين

إن من خصائص البيت الحرام التي ميزه الخالق العظيم بها هو أنه جعله بيت الهدى ومنبع الهداية والرشاد، كما قال تعالى في وصف بيته المحرم: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِين﴾ [آل عمران: 96].

والهداية إلى الله من أجلِّ الأعمال، وأفضلِ القربات؛ لهذا أمرنا ربنا سبحانه وتعالى بسؤالها في كل يوم، بل وفي كل صلاة يؤديها المسلم من فريضة أو نافلة، قال الله تعالى: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيم} [الفاتحة:6].

وعن علي رضي الله عنه أنه قال: قال لي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قل: (اللهم اهدني وسددني، واذكر بالهدى هدايتك الطريق، والسداد سداد السهم) أخرجه مسلم.

فالهداية لا غنى للإنسان عنها في أموره الدينية والدنيوية، ومن أهم ما يجلب الهداية الإيمان بالله سبحانه وتعالى، قال جل وعلا: {وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ}[التغابن:11]، ومنها: التوبة والإنابة إليه سبحانه، قال عز وجل: {وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَاب}[الرعد:27]، ومنها: الدعاء كما سبق، إلى غير ذلك من الأسباب الجالبة للهداية بإذنه سبحانه، والأمر كل ما كان ضروريًّا والحاجة إليه ماسّة لكل أحد؛ كانت أسبابه في الشريعة متعددة وظاهرة وميسّرة، فنسأل الله سبحانه وتعالى الهداية فهو وحده الهادي إلى سواء السبيل.

والهداية الإلهية في القرآن الكريم لها نوعان:

النوع الأول: هداية التأييد والتوفيق، وهذه الهداية تفرَّد بها الله سبحانه وتعالى، قال جل وعلا: {فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُون}[فاطر: 8]، وقال جل وتقدّس: {أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً}[النساء: 88]، وقال عزّ سلطانه: {فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِين}[الروم: 29]، وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء}[القصص: 56]. فالمنفي عن الرّسول عليه الصلاة والسلام من أنواع الهداية هو هداية التوفيق، والمثبت له هو هداية الإرشاد، كما يأتي قريبًا.

النوع الثاني: هداية الدلالة والإرشاد، وهذا النوع من الهداية جعله الله تبارك وتعالى في كتبه وأنبيائه ورسله، قال الله العزيز الحميد: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم}[الشورى: 52]، وقال الله الحكيم الخبير: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاَةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِين}[الأنبياء: 73].

والله جل وعلا بيّن لنا أصول الهداية وما تتحصل به، بل وجعل من أصول الهداية ما يبقى أمام الناس شاهدًا عليهم، يرونه بأبصارهم، كالقرآن والكعبة؛ ليزيدهم هدى إلى هداهم.

الأصل الأول: هداية المنهج (وهو القرآن الكريم)، وقد وصف الله تبارك وتعالى القرآن الكريم بأنه هُدًى، فقال الله تعالى: {الم* ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 1-2]، وقال سبحانه وتعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِين} [النحل: 89].

فهذا الكتاب الذي أنزله الله تبارك وتعالى لهدايةِ الناس هدايةَ إرشاد ودلالة، هو المنهجُ القويم والصراطُ المستقيم، الذي يهدي من اتبعه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور، قال تعالى: {يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم} [المائدة:16]، وقال تعالى: {إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9].

قال ابن عاشور: (فالقرآن لم يزل ولن يزال هدى للمتقين؛ فإن جميع أنواع هدايته نفعت المتقين في سائر مراتب التقوى، وفي سائر أزمانه وأزمانهم على حسب حرصهم ومبالغ علمهم واختلاف مطالبهم).

فالقرآن الكريم أصلٌ محوريٌّ لهداية الدلالة والإرشاد، لهداية المنهج الذي لا هداية في منهجٍ سواه، ولن يهتدي أحدٌ في اتِّباع منهجٍ غيرِه، فهو من جملةِ الهُدى الذي جعل الله تبارك وتعالى النجاح والفلاح في اتباعه، وجعل الشقاء والضلال في اتباع سواه.

والأصل الثاني من أصول الهداية: هداية الرسول صلّى الله عليه وسلّم وهي (هداية المُعَلِّم)، وهذا المنهج بلَّغه النّبي صلّى الله عليه وسلّم للناس، وأرشدهم إلى ما فيه من الهُدى في عقائدهم وتصوراتهم، وعباداتهم وجميع احتياجاتهم الاجتماعية في حياتهم الدنيوية، قال الله تبارك وتعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون}[النحل: 44]، وقد جاء في وصف خُلُق النّبي صلّى الله عليه وسلّم أنَّه القرآن، وذلك حينما سُئلت عائشةُ زوجُ النّبي صلّى الله عليه وسلّم عن خُلقه، فقالت للسائل: (ألستَ تقرأُ القرآن؟!! كان خلُقُه القرآن) أخرجه أحمد في مسنده.

وهذا البيان منه عليه الصلاة والسلام من هدايته الربانية التي منحها ربنا سبحانه وتعالى له، فهو عليه الصلاة والسلام مبلّغ ومشرّع، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم} [الشورى:52].

وقد كان رسول الله عليه الصلاة والسلام قائمًا بهذا النوع من هداية الدلالة بأقواله وأفعاله وتقريراته مدةَ بعثته، وبعد وفاته صلّى الله عليه وسلّم صارت تلك الهداية بالرجوع إلى سيرته وسنته الثابتة.

والأصل الثالث هو: هداية المكان، وقد أخبر الله سبحانه وتعالى بأنه جعل من خصائص بيته الحرام أنه هُدًى للعالمين، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِين﴾ [آل عمران: 96].

وتفسير الهُدى في الآية لا يخرجُ عمَّا يُحقق هِداية النَّاسِ إلى الله سبحانه وتعالى، وإلى الجنّة؛ فالبيت من جملة الهُدى الذي جعله الله تبارك وتعالى سببًا للفلاح والنجاح.

قال ابن القيم في قوله تعالى {وَهُدًى لِّلْعَالَمِين}: (وصفَه بالمصدر نفسِه مبالغةً حتى كأنه هو نفسُ الهدى).

وقال ابن سعدي: (قوله: {وَهُدًى لِّلْعَالَمِين} والهدى نوعان: هدى في المعرفة، وهدى في العمل؛ فالهدى في العمل ظاهر، وهو ما جعل الله فيه من أنواع التعبُّدات المختصة به، وأما هدى العلم فبما يحصل لهم بسببه من العلم بالحق بسبب الآيات البينات التي ذكر الله تعالى في قوله {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ} أي: أدلة واضحات، وبراهين قاطعات على أنواع من العلوم الإلهية والمطالب العالية، كالأدلة على توحيده ورحمته وحكمته وعظمته وجلاله وكمال علمه وسعة جوده، وما مَنَّ به على أوليائه وأنبيائه).

وقال الطاهر ابن عاشور: (كان – أي: البيت الحرام - أوّل معهدٍ للهُدى، فكان كل هدًى مقتبسًا منه، فلا محيص لكل قومٍ كانوا على هُدًى من الاعتراف به، وبفضله).

فهذا أصلٌ ثالثٌ لهداية الدَّلالة والإرشاد (هداية المكان).

فاجتماع هذه الأصول الثلاثة يحقق الهداية التي وُعد متبعوها بالفلاح والنجاح في الدُّنيا والآخر، فقد سمَّاها الله هُدًى، وضمن للنّاس إن اهتدوا بها أنهم لن يكونوا ضالين في الدُّنيا، ولا أشقياء في الآخرة، فلا حزنَ عليهم في الدُّنيا، ولا خوف عليهم في الآخرة. قال تعالى: {فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون} [البقرة:38]، وقال سبحانه: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى} [طه:123].

وتحقيق هذه الهداية - بتفعيل هذه الأصول الثلاثة - تحقيقٌ لكمال العبودية المتضمنة كمالَ الحبِّ وكمالَ الذلِّ والانقيادِ لربِّ العالمين سبحانه وتعالى.

إن الهدى المكاني لم يرتبط قط بمكان قبل البيت الحرام الذي بمكة، فهو أول بيت وضع للهدى وإعلانِ توحيد الله، فله شرفُ الأوّلية في ذلك، وشرفُ الديمومة إلى يوم القيامة؛ فالدين قائم ما دامت الكعبة باقية، وهذا دون غيره من الأماكن الدينية التي أنشئت بعده، وهو دليل على رضا الله عن الدين والشعائر التي ارتبطت به منذ أن أنشأه إبراهيم عليه السلام إلى أن يأذن الله بنهاية الدنيا.

نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، وأن يثبتنا على الهدى والإيمان؛ إنه سميع مجيب الدعوات.

| طباعة | البريد الإلكتروني