ملامح من الأمن القدري بمكة المكرمة

ملامح من الأمن القدري بمكة المكرمة

 

هذا المقال نتحدث فيه عن خصيصة عظيمة القدر، جدير بكل مؤمن الوقوف عندها والتأمل فيها؛ إِنَّها خصيصة الأمن القدري للبلد الحرام.

فقد دلت الأدلة على أن البلد الحرام قد أمَّنَهُ خالقه سبحانه وتعالى من أمور لم تُؤْمن منها باقي البلاد والبقاع، لكن قبل الدخول في صلب الحديث يجدر بنا أن نوضح المقصود بالأمن القدري.

من المستقر عند أهل السنة والجماعة أن القدر ينقسم إلى قسمين؛ قدر شرعي، والمراد به ما قدره الله وشاء أن يكلف به عباده من التكاليف الشرعية.

والقسم الثاني القدر الكوني، وهو ما قدره المولى سبحانه وتعالى وقضى وقوعه أو عدم وقوعه، والفرق بين الأمرين ما يلي:

أن الأول قد يتخلَّف في بعض الأحيان لحكمة اقتضت ذلك، بمعنى أن الأمر الشرعي قد يعمل به وقد لا يعمل به كسائر الأوامر الشرعية، وأما الأمر الكوني فلا يتخلف بحال من الأحوال؛ فما قضى الله بوقوعه أو عدم وقوعه كونًا لا بد أن يكون وفق ما قدر سبحانه وتعالى، وهذا النوع هو الذي نحن بصدد الحديث عنه وسنكتفي بثلاثة نماذج من دلائل هذه العناية الربانية للبلد الحرام.

أولًا: الدين، وهو هنا آمن أمنًا كونيًا من أن يُطْمَس أو تُمْحَى معالمه لبقاء الكعبة التي جعلها الله قبلة للمسلمين في صلاتهم ومنسكًا لحجهم، قال تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة:144]. وقال تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [97].

وهما أي الصلاة والحج من أركان الإسلام العظيمة، فارتباطهما بالكعبة دليل على بقاء الدين بهذه البقعة إلى أن يرث الله الأرض من عليها، وتحقيقًا لهذا القدر حمى الله البيت العتيق من كل كيد يكاد به، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يغزو جيشٌ الكعبةَ، فإذا كانوا ببَيْداءَ من الأرض يُخْسفُ بأولهم وآخرهم)، وقال:(لا تغزى هذه بعدها أبدًا إلى يوم القيامة).

فهذا الحديث فُسِّرَ بأحد معنيين؛ فإما أن يراد به أن أهل مكة لا يكفرون بعد إسلامهم، أو أن الحديث خبر بمعنى النهي، أي فلا يجوز لمسلم أن يتعرض لها. والله تعالى أعلم.

وهكذا، يحمي الله تعالى بيته وحرمه من كل كيد يكاد أو مكر يمكر به.

فحتى الدجال الذي ما من نبي إلا حذر أمته منه حمى الله الحرم منه فَحَرَّمَ عليه دخولها، فيقول النّبيصلى الله عليه وسلم:(ليس من بلدٍ إلا سيطؤُه الدَّجال، إلا مكةَ والمدينةَ، ليس له من نِقَابِها نقب إلا عليه الملائكة صافين يحرسونها، ثم ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات؛ فيخرج اللهُ كلَّ كافر ومنافق).

فهذه مِيزَة وخصيصة لهذه البلدة الطيبة المباركة.

أما النَّموذج الثاني من نماذج عناية الخالق سبحانه وتعالى بالبلد الحرام: فهو أن الله سبحانه وتعالى قد تكفَّل بجبي الأرزاق والثمار للبلد الحرام تحقيقًا لدعوة نَبِيِّه وخليله إبراهيم عليه السلام، قال تعالى حاكيًا عنه عليه السلام وهو يطلب من ربه الرِّزْق لذريته وأهل مكة: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنْ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} [إبراهيم:35].

قال الشيخ رشيد رضا: والمعنى أن الله تعالى جعل الكعبة التي هي البيت الحرام قياما للنَّاس الذين يقيمون بجوارها والذين يحجونها، أي سببا لقيام مصالحهم ومنافعهم بإيداع تعظيمها في القلوب، وجذب الأفئدة إليها، وصرف الناس عن الاعتداء فيها وعلى مجاوريها وحجابها، وتسخيرهم لجلب الأرزاق إليها، فهذا هو الجعل الخلقي التكويني.

وقال الزمخشري الإمام اللغوي المفسر في تفسير قول الله تعالى: {أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُون} [القصص:57]: (جعل الله حرمه آمنًا تجبى إليه ثمرات كل شيء رزقًا من لدنه، ثم فضَّله في وجود أصناف الثمار فيه على كل ريفٍ وعلى أخصبِ البلاد وأكثرِها ثمارًا، وفي أي بلدٍ من بلاد الشرق والغرب ترى الأعجوبة التي يريكها الله بوادِ غير ذي زرع وهي اجتماع البواكير والفواكه المختلفة الأزمان من الربيعية والصيفية والخريفية في يوم واحد، وليس ذلك من آياته بعجيب، متعنا الله بسكنى حرمه، ووفقنا لشكر نعمه، وأدام لنا التشرف بالدخول تحت دعوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام).

هذا ثاني الفضائل التي شاءت مشيئة الباري سبحانه وتعالى أن يختص بها البلد الحرام، وأما ثالثها فهو ما جاء في قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (المدينة ومكة محفوفتان بالملائكة؛ على كل نقب منها ملك لا يدخلها الدجال والطاعون).

فهذا خبر من الصَّادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه من أن أهل مكة المكرمة قد حماهم الله تعالى من الطاعون؛ ذلكم المرض الوبائي الخطير الذي يحصد العباد حصدًا.

فكان هذا من المعجزات النبوية؛ فلم يقع الطاعون من خلال هذه الأعصار الطويلة في مكة والمدينة، وقد ذكر النووي عددًا من الطواعين التي وقعت في الأمة ثم بعد ذكرها نقل عن ابن قتيبة عليه رحمة الله قوله: (ولم يقع بالمدينة ولا مكة طاعون قط).

هذا، وإلى مقال آخر إن شاء الله نستقي فيه من معين هذه الخصائص والأحكام دررًا تزيدنا تقوى وإخلاصًا وإخباتًا لرب البيت سبحانه وتعالى.

| طباعة | البريد الإلكتروني