الحج تخليد لخصائص خليل الرحمن ومركزية البيت الحرام

 

الحج تخليد لخصائص خليل الرحمن ومركزية البيت الحرام*

الحج تخليد لخصائص إبراهيم ومآثره وتجديد لدعوته وتعاليمه:

والحج ومناسكه وما يحيط به من ذكريات وحوادث، وما يتلبس به الحاج من التجرد عن المظاهر، وما يأتي به من عمل ونسك – من إحرام ووقوف، وإفاضة، ورجم وسعي وطواف – تخليد لما اختص به إبراهيم عليه السلام من التوحيد ونفي الأسباب، والتوكل على الله والتفاني في سبيله، وإيثار لطاعته ومرضاته، وتمرد على العادات والأعراف والمعايير الزائفة، والمثل المصطنعة، وتجديد لذلك الإيمان القوي، والحب العميق، والتضحية الفائقة، والإيثار الرفيع، والحج ضامن لبقاء هذه المعاني السامية كلها، وبقاء الجامعة الإسلامية الإنسانية التي هي فوق القوميات والعنصريات والوطنيات المحدودة المصطنعة، ودعوة للناس إلى أن يسيروا على نهج إبراهيم ويتشبعوا بروحه، ويقوموا بدعوته في كل عصر وفي كل مكان، {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} [الحج:78].

عنوان جديد وخط فاصل في كتاب الإنسانية:

إن إبراهيم ودعوته وجهاده عنوان جديد نيِّر مشرق في كتاب الإنسانية وامتدادها، ينفصل به التاريخ عن التاريخ، وتتوزع به الإنسانية بين المعسكرين، يخلدان مع الزمن، ويبتدئ به عهد، وينتهي به عهد، وقد جعل الله لإبراهيم الإمامة الخالدة والكلمة الباقية، وجعل في ذريته النبوة والولاية، والوصاية الدينية على العالم للأبد، وكتب لأسرته ومن دخل داره الجهاد للحق، والوقوف في وجه الباطل إلى آخر الأبد، والدعوة إلى الله، وتجديف سفينة البشرية في عواصف هوجاء، وأمواج عاتية، والمحافظة على هذا السراج من أن ينطفئ، وهو العامل البنّاء الوحيد الذي استعمله الله في إسعاد البشرية وعصمها من تخريب العالم وتدمير الإنسانية، وسوقها إلى الجحيم.

عماد الإنسانية وقيام للناس:

والحج وشهود الموسم، والتقاء أبناء ملة إبراهيم في مكة كل عام هو كاف لبقاء هذه الصلة بين إبراهيم وأتباعه، وأبنائه الروحيين، وتجديد هذه المعاني والعقائد والأهداف التي فيها بقاء لهذه الملة والإنسانية كلها، لذلك قال الله تعالى: {جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [المائدة:97].

مركز دائم للهداية والإرشاد والإصلاح والجهاد:

وجاء عهد الإسلام ودور الرسالة المحمدية الخالدة، فأصبح هذا البيت مركزًا للهداية والإرشاد، والإشعاع الروحي، والغذاء العاطفي، تقام حوله المناسك، وتغذى به العاطفة، وتشعل به مجامر القلوب، وتشحن به " بطاريتها" الفارغة، ويتلقى نته الرسالة الدينية، ويجتمع حوله العالم الإسلامي كل عام، يؤدي خراجه من الطاعة، وضريبته من الحب والانقياد، ويثبت تمسكه بهذا الحبل المتين، ولجوئه إلى هذا الركن الركين، ويطوف حوله أعظم العلماء والعقلاء، والزعماء والعظماء، والملوك والأمراء، والأغنياء والفقراء، في وَلَهٍ وهيام، وفقه وحكمة، يثبتون أنهم مجتمعون على تفرق، متوحدون على تعدد، متركزون على انتشار، أغنياء على الفقر، أقوياء على الضعف، ينتشرون في العالم ويسعون في أرزاقهم ومصالحهم، وينتسبون إلى أمم وسلالات، ويختلفون في الحضارات والثقافات، ويلتقون على نقطة واحدة وحول نقطة واحدة، وحياتهم كلها طواف وسعي، ونسك وعبادة، وإيمان وعقيدة، ومقاماتهم كلها منى وعرفات، وأسفار ووقفات، وإنما هم في رحلة دائمة، وتقدم مستمر وتعارف متكرر، حتى يقضوا نحبهم، ويلقوا ربهم.


*من كتاب: الأركان الأربعة للشيخ أبي الحسن الندوي

| طباعة | البريد الإلكتروني