البلد الأمين يمثل الحياة الإسلامية والمجتمع الإسلامي المثالي في كل زمان

 

 

البلد الأمين يمثل الحياة الإسلامية والمجتمع الإسلامي المثالي في كل زمان*

ولما كان الحج عرضة سنوية للملة، يلتقي فيها المسلمون على صعيد واحد من العقيدة والعاطفة والغاية، في جوٍّ دينيٍّ ربّانيٍّ، وفي محيط روحيٍّ إيمانيٍّ، يستمدون منه قوة جديدة وروحًا جديدة، ويصححون ما وقع في عقيدتهم من انحراف، وفي عاداتهم وشعاراتهم من فساد، وما اعتراهم من زيغ أو وهن بتأثير الحضارات والفلسفات العجمية الأجنبية، وتقليد الشعوب والأمم التي تجاورهم أو يعيشون فيها، ويستطيعون أن يردّوا كل شيء إلى أصله، وأن يستقوا الدين من منابعه الصافية الأصلية، وجب بحكم العقل والمنطق، وبحكم روح الإسلام وحكمة الحج، أن يظل البلد الأمين، الذي يقع فيه الحج ويدور حوله؛ أمينًا للحياة الإسلامية الصافية الأصلية (يصور الحياة الإسلامية) بجميع جوانبها ومزاياها ومظاهرها، حتى يلمسها ويتذوقها كلُّ وارد إليه مهما قصرت إقامته وقلّت معرفته، لأن الله قد قضى أن يكون هذا البلد مركز الحج إلى آخر الزمان، ومثابة للمسلمين من جميع أنحاء العالم في كل سنة، يفدون إليه، وهم مؤمنون بحق أنهم يقصدون بلدًا هو معدن الطهر، ومولد الدين، وعاصمة الإسلام الروحية، وكل ما يُشاهد ويُسمَع في جوانبه هو حجة للمسلم الغريب الذي يعيش بعيدًا عن مهد الإسلام، وليس بعد عمل أهل مكة والمدينة حجة عند عامة المسلمين.

وهذه الطبيعة البشرية التي لا نستطيع أن نتغلب عليها بمنطق أو دليل، أو خطابة أو بلاغة، وهو الاحتجاج بعمل أهل المركز الزعيم لدين أو حضارة، وهو العرف الذي جرى في مجال اللغة والآداب، والحضارة والفقه، فكانت لغة قريش، ثم لغة البادية العربية هي الحجة في اللغة العربية، ومناهج كلامها ولهجاتها، وكان عمل أهل المدينة حجة في مذهب كبير من المذاهب الفقهية الإسلامية، واحتج الناس قديمًا وحديثًا بعادات عاصمة البلاد ومركزها الحضاري، وتنافس الناس في تقليدها، ودعاة الإسلام وزعماء الإصلاح يلقون صعوبة ومحنة إذا احتج الحجاج بما قد يشاهدونه ويسمعونه في مركز الإسلام ومهبط الوحي مما لا يتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية أو آدابها، ويصعب إزالتهم عن ذلك.

يجب أن يبقى البلد الأمين محتفظا بطراز خاص والحج بروح الجهاد والتقشف:

وجانب أدق من هذا، وهو أن يبقى هذا البلد الأمين – على مر العصور والأجيال، ورغم تطورات المدنية ومرافق الحياة في العالم – محافظًا على شيء من البساطة والطبيعة، وعلى شيء من التقشف، ويتذكر فيه الوافدون من أنحاء العالم الجوَّ الذي كان المسلمون الأولون يقضون فيه مناسكهم، ويشعرون بشعورهم، أو قريب من شعورهم، ويشعرون بانتقال من عالم إلى عالم، ومن جوٍّ إلى جوٍّ، ومن حياة إلى حياة، فإن هذا الشعور يحدث في النفس تخليًّا عن الماضي، واستعدادًا لتلقي شيء جديد، وفرحة روحية لا يشعرون بها في مكانهم، أما إذا بقي البيت وحده، والحرم وحده على قِدَمهما، وتغير كل شيء حولهما، وأصبح البلد الأمين وما جاوره من البقاع قطعة من أوروبا أو أمريكا، وحلّت المدنية الغربية بخيراتها وشرورها، وأصبح الحاج الذي وصفه الشارع " بالشعث التفل " يتقلب في أعطاف المدنية والنعومة، وينتقل من راحة إلى راحة، ومن تنعُّم إلى تنعُّم، ومن حديث إلى أحدث، فإنه لا يشعر بشيء جديد قوي يُحدث في مشاعره انقلابًا، ويشحنه شحنًا روحيًّا.

ولذلك اعتُبر الحجُّ صِنْوَ الجهاد، وقد روى البخاري عن عائشة قالت: يا رسول الله، نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ قال: «لا، لكن أفضل الجهاد حج مبرور» وكان عمر رضي الله تعالى عنه يقول: شدوا الرحال في الحج؛ فإنه أحد الجهادين.

وإذا تطورت مكة تطورًا جذريًّا، واقتبست من الحضارة الغربية جميع مرافقها ووسائلها، وتوفرت للحج جميع أسباب الراحة والتنعم التي لا توجد إلا في العواصم الغربية الكبرى، شعر الحجاج بشيء من الفراغ الروحي، وبشيء من الجفاف، وبانحطاط ملموس في فوائد الحج وآثاره في النفس والحياة.


*من كتاب الأركان الأربعة للشيخ أبي الحسن الندوي باختصار وتصرف يسير.

| طباعة | البريد الإلكتروني