بلد آمن

آيات قرآنية في أمن مكة

من خصائص البلد الحرام التي ذكرها الله في كتابه خصيصة الأمن التي تميزت عن غيرها بتكرار ذكرها في القرآن الكريم؛ فقد تكررت في ثماني آيات كريمات بسياقات مختلفة، منها آية تضمنت قسما من الله العظيم بالبلد الأمين، قال –تعالى-:(وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ* وَطُورِ سِينِينَ* وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِين).

وآيتان ورد فيهما دعاء نبي الله إبراهيم - عليه السلام- لمكة بالأمن، قال –تعالى-:(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا)، (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا).

وخمس آيات ورد فيها ذكر الأمن في البلد الحرام على صيغة الإخبار والامتنان من الله - عز وجل- على أهل مكة والناس بذلك، ولبيان شرف البلد الحرام وتميزه عن سائر بلاد الدنيا، فقال – تعالى- :(وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا)، وقال – تعالى- :(فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا)، وقال –تعالى-:(أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا)، وقال –تعالى-:(أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا}، وقال –تعالى-:(فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ* الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ).

فهذه ثمانية مواطن في كتاب الله – عز وجل- فيها الإشارة إلى أمن مكة؛ فمن تأمل في تلك الآيات، وأنعم النظر في أساليبها، ولاحظ تكرار تلك الكلمة – (الأمن)- أدرك أن الأمن من أهم الأمور التي يجب توافرها قبل غيرها في مكة، كيف لا؛ وقد عد الأمن من أكبر شروط حسن المكان في أي بقعة على وجه الأرض، ولا خير في أرض يكون فيها الأمن معدوما؛ فالإنسان أينما كان يقوّم المكان بقدر ما فيه من الأمن والسلامة من المكاره والمخاوف، ويرغب في سكنى المكان أو مفارقته بقدر ما يجد فيه من الأمن؛ فبالأمن يأمن الناس على دمائهم وأموالهم وأعراضهم، وبه تُؤمن السُّبل، وتُردّ المظالم لأهلها؛ فينتصر المظلوم، ويُردع الظالم، ويُزار المرضى، ويُحترم الموتى، ويُرحم الصغير ويدلّل، ويُحترم الكبير ويُبجَّل، وتوصل الأرحام، ويُكرَّم الكريم، ويُعاقب اللئيم.

تعمر البلاد إذا شعر أهلها بالأمن، وتنمو ثرواتها إذا شعر أهلها بالأمن، فالحياة المستقرة تكون بالأمن، والفوضى والهرج يكون عند اختلال الأمن.

ولذا لم يغفل الإسلام هذا الجانب؛ بل جاء ليجعل الأمن مقاما بين الناس، فدعا المسلمين إلى فعل كل ما يكون مساعدا في توفير الأمن والسلامة، وحذرهم من كل ما يكون سببا في ذهابهما وحلول ضدهما، وإن خير ما يشهد لهذا موقف عرفة، أعظم مجمع في تاريخ الأمة في حجة الوداع يخاطب النّبي - صلّى الله عليه وسلّم- الأمة إلى قيام الساعة، يأمرها بتحقيق الأمن والسلامة، وبالابتعاد عن كل ما يكون مخلا بذلك من القتل ونحوه، فقال -صلى الله عليه وسلم- كما في صحيح البخاري: (أتدرون أي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال : أليس يوم النحر؟ قلنا: بلى، قال: أي شهر هذا؟. قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: أليس ذو الحجة؟ قلنا: بلى، قال: أي بلد هذا؟. قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أليست بالبلدة الحرام؟. قلنا: بلى، قال: فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، إلى يوم تلقون ربكم، ألا هل بلغت. قالوا: نعم، قال: اللهم اشهد، فليبلغ الشاهد الغائب ...).

المعنى العام لأمن مكة

الأمن هو ضد الخوف، وأمن مكة: يشمل الأمن من كل ما يخاف منه؛ سواء كان المخوف منه من البشر كالحروب، أو المصائب العامة كالزلازل والأمراض وغيرها، فالمكي أو من وفد إلى هذه البلدة الشريفة يكون مطمئن النفس، ساكن البال، لا يخاف من أي مكروه لا في الزمن الحالي ولا في المستقبل تصديقا لقول البارئ -جل وعلا-؛ حيث قال –سبحانه- مقسما(وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ*وَطُورِ سِينِينَ*وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ)؛ فالبلد الأمين هنا يراد به مكة بالإجماع، والمقصود بالأمين: أي الآمن، والأمن المخبر عنه هنا هو ما جعله الله لمكة ومشاعرها وآياتها البينات، وجعله لأهلها قدرًا.

فالله -سبحانه أودع في مكة معالم الدين: الكعبة قبلة المسلمين، ومقام إبراهيم، والصفا والمروة، وزمزم، وغير ذلك من شعائر الله، فكلها آمنة بتأمين الله لمكة إلى يوم القيامة.

وسكان البلد الأمين في أمن من أعدائهم أن يحاربوهم أو يغزوهم، فغدت مكة حمى لأهلها تحميهم، وكل البلدان يحميها أهلها، يقول الماوردي – رحمه الله- : وفي معنى الأمين- أي في الآية- وجهان:

1- الآمن أهله من سبي أو قتل؛ لأن العرب كانت تكف عنه في الجاهلية أن تسبي فيه أحدا، أو تسفك فيه دما.

2- يعني المأمون على ما أودعه الله –تعالى- فيه من معالم الدين.

مكة بيئة آمنة منذ أن خلق الله السموات والأرض

البيئة المكية بيئة مقدّسة طاهرة، محرمة آمنة، لم تكن حرمتها وأمنها أمرا حادثا عليها بعد أن لم يكن؛ بل كان ذلك مقترنا بوجود الأرض وخلق السموات والشمس والقمر، فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لمكة حين افتتحها كما رواه ابن جرير:(هَذهِ حَرمٌ حَرَّمهُ اللهُ يومَ خَلق السَّمَوَاتِ والأَرْض، وخَلق الشَّجَر والقَمَر، ووضَعَ هذينِ الأخْشَبَينِ، لمْ تحلَّ لأحدٍ قبْلِي، ولاَ تحلُّ لأحدٍ بعْدِي، أُحلَّتْ لي ساعةً من نهارٍ)

فكانت مكة وما زالت بلدًا آمنًا من الجبابرة وغيرهم من أن يسلطوا عليه، ومن عقوبة الله أن تناله كما تنال سائر البلدان من خسف وغرق وغير ذلك من سخط الله وعقوبته التي تصيب البلاد غيرها، وقد كان هذا الأمن لمكة قبل دعاء إبراهيم -عليه السلام- متحققا لها قدرًا بكف الله -سبحانه وتعالى- عنها كل من أرادها بسوء.

قال ابن جرير: والصواب من القول في ذلك عندنا أن الله -تعالى ذكره- جعل مكة حرمًا حين خلقها وأنشأها كما أخبر النّبي -صلّى الله عليه وسلّم- :( أنَّهُ حَرَّمهَا اللهُ يومَ خَلق السَّمَوَاتِ والأَرْض).

ومعنى هذا أن مكة قد حرمت مرتين: مرة من قبل الله -سبحانه وتعالى- من دون أن يتم إعلان التحريم من أي أحد من الأنبياء والرسل -عليهم الصلاة والسلام-، ومرة ثانية كان فيها التحريم على لسان خليل الله إبراهيم -عليه السلام-.

صورة واقعية لتوضيح حقيقة أمن مكة وأمانها

لا يخفى علينا ما فعله الخليل بزوجته هاجر وابنه إسماعيل- عليهم السلام-؛ فقد أتى بهما إلى هذه البلدة الآمنة وتركهما على ثراها، ولم يكن ذلك الحين هناك أنيس ولا جليس، ولا طعام ولا شراب؛ بل كانت مكة أرضا جرداء موحشة، لكن الخليل - عليه السلام- تركهما على تلك الحال لإيمانه الكامل ويقينه الصادق بأن هذا المكان آمن مؤمن، يحفظ الله من سكنه من كل مكروه، ويؤمنه من كل ما يُخاف منه؛ فكان الأمر كذلك؛ حيث إن الله -سبحانه وتعالى- سلمهما من كل شر، وفجر لهما ماء زمزم من باطن الأرض حينما احتاجوا إلى الطعام والشراب؛ فطعما منه وارتويا، وعاشا به أحسن عيشة، حتى علمت القبائل بأمرهما وبأمر ذلك الماء المبارك، فسكنوا معهما هناك، وصار بينهم تواصل ومصاهرة؛ فمنذ ذلك الحين تحولت مكة من أرض موحشة خالية من البشر والشجر إلى مدينة حضارية يتمنى كل أحد السكنى فيها، والاستفادة من أرزاقها وخيراتها، ومثل هذه القصة لا شك أنها نموذج حي، وصورة واقعية تعكس لنا مدى الأمن والأمان الذي تحظى به مكة المكرمة - حرسها الله وأدام أمنها واستقرارها- وأهلها الساكنون فيها والوافدون إليها.

أنواع الأمن في مكة

إن الأمن الذي جعله الله للبلد الحرام ينقسم إلى قسمين:

الأول: أمن قدري، وهو متحقق بمشيئة الله –تعالى- وإرادته، ولا يتخلف أبدًا؛ فتكون مكة آمنة، ويكون من فيها آمنا من أن يغزوها غازٍ، أو يغير عليها مُغير إلى يوم القيامة.

الثاني: أمن شرعي، أمر الله -تبارك وتعالى- أهلها ومن دخل إليها بأن يحققوه؛ وهو: أن يؤَمِّن بعضهم بعضًا، ويؤمِّنوا ما فيها من حيوان وشجرٍ ومال في أحكام شرعية أخرى، وبتطبيقها تغدو مكة آية في الأمن والأمان.

والفرق بين الأمنيين: أن الأول متحقق لا محالة؛ لأن الله – تعالى- أراده أن يكون، قال الله –تعالى-:(أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُون)

وأما الثاني- الأمن الشرعي- فقد يتخلف في بعض الأحيان؛ لأنّ الله –تعالى- أراد من عباده أن يحققوه، ويكون لهم محل ابتلاء وامتحان، وثواب وجزاء، وقائدا إلى الجنّة أو النار، قال الله –تعالى-: (وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمنًا) قال أهل العلم: أي أمنوه من القتل.

فيدرك بهذا أن الأمن القدري الذي جعله الله لمكة بلده الحرام متحقق ولا شك في ذلك، وبه تتميز مكة عن سائر بلاد الدنيا، وتمام هذا الأمن القدري وكماله يتم بتحقيق الأمن الشرعي من قِبل الناس؛ سكان مكة خصوصا، والوافدين إليها عموما.

دلائل على الأمن القدري لمكة

سبق أن ذكرنا أن مكة أمنها الله، وأمن أهلها من كل محذور وشر، وهذه بعض الدلائل التي توضح ذلك، وتؤكد عليه:

1- بقاء الكعبة وعدم قدرة أهل الكفر على نقضها مع الرغبة الشديدة في ذلك، وقصة أصحاب الفيل خير شاهد على ذلك؛ فقد أرادوا هدم الكعبة، لكن الله حماها، وأنزل عليهم غضبه، وأذاقهم أشد العذاب والنكال، قال –تعالى-: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ* أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ* وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيل* تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ* فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ)

2- عدم تمكن الدجال الأعور من دخول مكة في آخر الزمان، يقول -صلى الله عليه وسلم- كما في الصحيحين:(ليس من بلدٍ إلا سيطؤُه الدجال، إلا مكةَ والمدينةَ، ليس له من نِقَابِها نقب إلا عليه الملائكة صافين يحرسونها...).

3- مكة أرض ليست صالحة للزراعة؛ لكن الله –سبحانه- رزق أهلها من كل الثمرات كما في قوله –سبحانه-:(أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُون)؛ وذلك استجابة لدعوة الخليل - عليه السلام- حينما دعا بقوله:(رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنْ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ).

4- جعل الله في ماء زمزم خاصية الإشباع؛ فهو يغني عن الطعام عند فقده، يقول – صلى الله عليه وسلم- كما في مسند البزار:(زَمْزَم طَعَامُ طُعْمٍ، وَشِفاءُ سَقَمٍ).

5- إن مكة مثابة للناس، ومكان يقدم عليه الناس بكثرة، وكان هذا سببا لجلب كثير من الأرزاق والثمار من كل أقطار الدنيا إلى البلد الحرام.

6- مكة مؤمنة من الغزو إلى يوم القيامة، يقول - صلى الله عليه وسلم- كما في المسند:( لا تُغْزَى هذهِ- أي مكة- بَعدَها أبدًا إِلى يومِ القِيَامَةِ).

7- مكة مؤمنة من الطاعون، يقول - صلى الله عليه وسلم- كما في المسند:( المَدينةُ ومكةُ محفوفَتَانِ باِلمَلائكةِ عَلى كلِّ نَقبٍ مِنها مَلك لا يَدخلُهَا الدَّجالُ ولا الطَّاعُون).

8- جعل الله زمزم شفاءً من الأسقام والأمراض، يقول -صلى الله عليه وسلم- كما في التاريخ الكبير للبخاري:( خيرُ ماءٍ عَلى وجهِ الأَرضِ ماءُ زَمْزَم، فيهِ طَعَامٌ من الطُّعْمِ، وشِفَاءٌ من السُّقمِ...) .