بلد حرام

التعريف بحرمة مكة وبيان ما يترتب عليها

الحرام هو: الممنوع كما قال ذلك أهل اللغة، ومن ذلك قوله –تعالى-:(وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ)أي: منعنا، وحرمة مكة المقصود بها: المنع المطلق من أن يفعل فيها ما يضاد صلاحها وصلاح ما بها من ساكن ودابة وشجر؛ فيحرم فيها القتل والصيد واللقطة إلا لمعرّف، وقطع الشجر وغير ذلك مما حرم الله –تعالى- وحرم رسوله -صلى الله عليه وسلم- فعله بمكة، يقول الله -عز وجل- في كتابه حاكيا عن نبيه-صلى الله عليه وسلم:( إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ)، ويقول -صلى الله عليه وسلم- كما في الصحيحين:(فَإِنَّ هَذَا بَلَدٌ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ يَحِلَّ لِي إِلاً سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ لاَ يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلاَ يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ، إِلاَّ مَنْ عَرَّفَهَا، وَلاَ يُخْتَلَى خَلاَهَا).

وهذا التحريم قد عظمه الله -تعالى- وأكده بأمور، منها:

1- أن التحريم صادر من عنده –سبحانه- كما في التنزيل:(إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِين)، وفي الصحيحين:( إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ).

2- - إضافة مكة إلى نفسه –سبحانه- مع أنه رب البلاد كلها(رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا).

3- - قِدم التحريم وبقاؤه إلى يوم القيامة، ففي الصحيحين:( فَإِنَّ هَذَا بَلَدٌ –أي مكة- حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ).

4- إعلان التحريم بلسان الخليل إبراهيم -عليه السلام-، ففي صحيح مسلم:( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَدَعَا لأَهْلِهَا).

5- رسولنا -عليه الصلاة والسلام- يؤكد الحرمة، ففي المسند وغيره:(لاَ تَزَالُ هَذِهِ الْأُمَّةُ بِخَيْرٍ مَا عَظَّمُوا هَذِهِ الْحُرْمَةَ حَقَّ تَعْظِيمِهَا- يعني حرمة مكة-، فَإِذَا تَرَكُوهَا وَضَيَّعُوهَا هَلَكُوا).

6- الاهتمام بحدود مكة؛ فقد وضع الخليل إبراهيم -عليه السلام- أنصاب الحرم بعدما علمه الله –سبحانه- إياها بواسطة جبريل -عليه السلام-، ثم جدد النبي -صلى الله عليه وسلم- ما رثّ منها في عهده، فيقول ابن عباس -رضي الله عنهما-: إنّ إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- نصب أنصاب الحرم, يُريه جبريل -عليه السلام- ثم جدّدها إسماعيل، ثم جدّدها قصي، ثم جدّدها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

ولا شك أن هذا التحريم لمكة وتأكيده ليس إلا من تعظيم هذا البلد، وإظهار تميزه، وإرادة الله –تعالى- أن يكون بلدًا خاليًا من كل ما يسخطه ويغضبه –سبحانه-، وأن يكون أهله والوافدون إليه على أحسن حال في الاستجابة لأمره –سبحانه-، وترك ما ينهاهم عنه؛ فمكة حرم الإسلام، وأم القرى، ومهد الهداية، تفيض منها أنوار النبوة الماحية لظلمات الجاهلية.

ما نتج من الآثار الإيجابية عن حرمة البلد الأمين

وهذا التحريم الصادر من الله -سبحانه وتعالى- للبلد الأمين، وتأكيده على ألسنة أفضل أنبيائه إبراهيم ومحمد -عليهما أفضل الصلاة وأتم التسليم- نتج عنه آثار إيجابية كثيرة، منها:

1- تأمين الناس بعدم حمل السلاح بمكة ما لم تدع هناك حاجة أو ضرورة، ففي صحيح مسلم:( لاَ يَحِلُّ لأَحَدِكُمْ أَنْ يَحْمِلَ بِمَكَّةَ السِّلاَحَ).

2- الحفظ لمشاعر المسلمين من عدم دخول المشركين إليها، قال –تعالى-:(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا).

3- حماية الأموال؛ حتى اللقطة لا يجوز التقاطها بمكة إلا لمعرّف، ففي صحيح البخاري:(إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ فَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلاَ تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي؛ وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ لاَ يُخْتَلَى خَلاَهَا ، وَلاَ يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلاَ تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلاَّ لِمُعَرِّفٍ)

4- حماية الحيوان والشجر، ففي الحديث السابق(لاَ يُخْتَلَى خَلاَهَا ، وَلاَ يُعْضَدُ شَجَرُهَا ، وَلاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهَا)

5- النهي عن الإلحاد في الحرم والهم به، قال –تعالى-:(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاء الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيم)، والإلحاد هنا -كما عليه أهل التحقيق من المفسرين- يشمل كلَّ معصية لله -عز وجل- بمكة.

انتهاك حرمة مكة هلاك للناس عامة وللعرب خاصة

إن انتهاك الحرمة في مكة بلد الله الحرام يختلف عن ارتكاب المعصية في أي مكان آخر غيرها، فأثر المعصية والجريمة بمكة لا يكون قاصرًا على مرتكبها ولا على محيطه الذي سكت عنه؛ بل يكون متعديا حتى يعم الأرض كلها، والمنتهك لحرمة الحرم أدخل نفسه في دائرة ( أبغض الناس إلى الله –تعالى-)، وأنه موعود -والعياذ بالله- بلعنة الله ولعنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، فيقول الرسول -عليه الصلاة والسلام- كما في صحيح البخاري:( أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَى اللهِ ثَلاَثَةٌ: مُلْحِدٌ فِي الْحَرَمِ، وَمُبْتَغٍ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَمُطَّلِبُ دَمِ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ لِيُهَرِيقَ دَمَهُ)، وفي رواية الفاكهي في أخبار مكة:( سِتَّةٌ لَعَنْتُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-، وَكُلُّ نَبِيٍّ مُجَابٌ): منها(وَالْمُسْتَحِلُّ لِحَرَمِ اللهِ)، هذا أثر الجريمة بمكة والمعصية على صاحبها.

أما أثر ذلك بالناس فيما لو عم الفساد بمكة -عياذا بالله- فهو هلاكهم عامة، وهلاك العرب خاصة؛ فيقول الرسول -صلى الله عليه وسلم- كما في مستدرك الحاكم:(لن يستحلَّ هذا البيتَ إلا أهلُه، فإذا استحلوه فلا تسألْ عن هلكةِ العرب، ثم تجيء الحبشةُ فيخربونه خرابًا لا يُعمرُ بعده أبدًا، وهم الذين يستخرجون كنزَه)، ويقول -أيضا- كما في المسند وغيره:(لا تزالُ هذه الأمةُ بخيرٍ ما عظموا هذه الحُرْمَةَ حقَّ تعظيمها؛ فإذا تركوهَا وضيعوها هَلكُوا)

ويفهم مما سبق أنه إذا تحقق الأمن بمكة ولم تنتهك حرمتها، وأديت الشعائر التي ارتبطت بالبيت العتيق وبالبلد الحرام؛ إذا تحقق ذلك كله لم يأذن الله-تبارك وتعالى- بعدُ بخراب هذه الأرض؛ بل حينئذ يكون أهل مكة والأمة الإسلامية في أمنٍ وأمان، بل العالم بأسره في أمان من أن يحيق به دمارٌ عام، أو خرابٌ شامل.

كيف يتحقق الأمن بمكة

قد سبق تقرير أن أمن الدنيا كلها متعلق بأمن مكة وتعظيم حرمتها؛ فما السبيل إذاً إلى تحقيق ذلك؟

الجواب: السبيل إلى تحقيق ذلك هو الالتزام بالأمور التالية:

1- الالتزام بما أمر الله به وترك ما نهى عنه، وأن يكون الأمر في ذلك على السداد.

2- تعليم الأبناء خصائص البلد الحرام، وتربيتهم على العمل بمقتضاها لبناء وازع نفسي يغني غناء الزواجر والعقوبات.

3- تعليم الناس خصائص البلد الحرام ليبنى عرف التعظيم والإجلال للبلد المقدس.

4- إدراك الناس عظم الذنب في مكة فيشيع بينهم ترك المعاصي والزهد في مواطنها.

5- إدراك الناس الأثر العظيم للإجرام في مكة على الدنيا وعلى أهل الإسلام وعلى بلادنا؛ فيبنى الانتماء الصحيح لبلاد الحرمين، والغيرة على مصالحها ومصالح المسلمين.

6- تنطيق المكان بحقوقه وأحكامه؛ فتنمو المسؤولية المجتمعية.

7- زجر المنتهك من قِبَلِ من له سلطة؛ بل والأخذ على يديه.

7- تواصل بنّاء مع جهة الاختصاص ضد من يخالف حرمة البلد الحرام.

من نماذج تعظيم السلف لحرمة مكة

السلف الصالح سباقون إلى امتثال أوامر الله -عز وجل-، حريصون على الفوز بمرضاته –سبحانه-، وقد نقل التاريخ عنهم أقوالا ومواقف تبين أن تعظيم حرمة مكة بلغ في نفوسهم مبلغا كبيرا؛ فمما ورد عنهم:

1- قول عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: يا أهل مكة: اتقوا الله في حرم الله، أتدرون من كان ساكن هذا البيت ؟ كان به بنو فلان فأحلّوا حَرمَه فأهلكوا، وكان به بنو فلان فأحلوا حَرَمَه فأهلكوا، حتى ذكر ما شاء الله من قبائل العرب أن يذكر، ثم قال: لأن أعمل عشر خطايا في غيره أحب إلي من أن أعمل هاهنا خطيئة واحدة.

2- ما رواه عطاء ويوسف بن مالك: أنّ رجلاً أغلق بابه على حمامة وفرخيها، وانطلق إلى عرفات ومنى، فرجع وقد مِتْنَ، فأتى ابن عمر-رضي الله عنهما-، فذكر ذلك له، قال: فجعل ثلاثًا من الغنم، حكَّم معه رجلاً.

3- ما رواه جعفر بن ربيعة: أن الوليد بن سعد بن الأخرم حدَّثه أنه كان مع عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- فرأى دينارًا ملقًى، قال: فذهبت لآخذه، فضرب عبد الله يدي، وأمرني بتركه.

4- تربية صغارهم على تعظيم حرمة مكة، قال إبراهيم بن سعيد السهمي: أتي بي إلى عطاء وأنا غلام فقالوا: إن هذا يأخذ الجراد من الحرم.