هدى للعالمين

مفهوم هداية مكة للعالمين

إن مما دل على علو مكانة مكة المكرمة، وعظم شأنها وصف الرب -جل وعلا- لها بأنها هدى للعالمين؛ حيث قال –سبحانه-:( إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ)(آل عمران:99)، فما معنى هذه الآية؟ وما المقصود بالهداية هنا؟

ذكر أهل العلم أن الهداية في اللسان العربي: هي الدلالة على ما يوصل إلى المطلوب، وفي المعنى الشرعي فهي تنقسم إلى قسمين:

الأول:هداية التأييد والتوفيق، وهذه خاصة بالله -عز وجل-، ولا يملكها أحد من خلقه، ويوضح ذلك خطاب البارئ –سبحانه- لنبيه -صلى الله عليه وسلم- كما في التنزيل:(إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)(القصص:56)، فهذا القسم من الهداية لا يملكه إلا الله -عز وجل-؛ حتى الأنبياء -عليهم السلام- ليس بإمكانهم أن يوفقوا أحدا من الخلق.

الثاني: هداية الدلالة والإرشاد، هذا القسم جعله الله في عباده من الأنبياء والرسل وغيرهم؛ فبإمكانهم أن يهدوا الناس ويرشدوهم إلى ربهم وخالقهم، وإلى الطريق السوي الذي إذا سلكوه يوصلهم إلى الجنة دار النعيم، وفي هذا يقول الله –تعالى- مخاطبا نبيه -صلى الله عليه وسلم-:( وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)(الشورى:52)، أي: ترشد الناس إليه وتدلهم عليه.

وبناء على هذا نعلم أن الهداية في الآية هي الدلالة والإرشاد؛ فيكون معنى الآية العام: أن البيت بيان وإرشاد للناس – مسلمهم وكافرهم- إلى ربهم وخالقهم لما تضمنه من الآيات البينات، كما هو قبلة ومنسك وصلاح للمسلمين، وطريق لهم إلى رحمته وجنته.

أثر الهدى في البيت الحرام

إن المتأمل في الهدى الذي جعله الله -سبحانه وتعالى- للبيت الحرام فإنه يجد أن الأمور التي ترتبت عليه تنقسم إلى قسمين:

1- منح ربانية إذا عمل الناس على الهدى بالبيت.

2- عقوبات إلهية إذا تركوا الهدى بالبيت.

فالمنح الإلهية في الهدى بالبيت هي:

1- هداية في العقائد والتصورات: هذا البيت العظيم يبني في النفس المنصفة المتأملة فيه طلبًا للهداية تصوراتٍ صحيحةً عن الله -تبارك وتعالى- بما جعل فيه من الآيات الدَّالةِ على قدرته؛ فليس هناك بيتٌ في الدُّنيا امتنع عن سطوة الملوك والجبابرة على مرِّ هذه الأزمان المتطاولة غير هذا البيت، ولا يزال التاريخُ يحفظ كلمة عبد المطلب لأبرهة: أنا ربُّ الإبلِ، وللبيتِ ربٌّ يحميه، ولا زالت حادثة أصحاب الفيل شاهدة إلى قيام السَّاعة  بأنَّ الكعبةَ بيت الله -سبحانه وتعالى-.

2- هداية في الأحكام والتشريعات: لقد ربط الله بهذا البيتِ عباداتٍ عدَّة، جعلها الله أعظم العبادات في الإسلام، وعُدَّت من أركان الإسلامِ ومقاصده العظام:

• ارتباط الصلاة بالبيت الحرام: وذلك باعتباره قبلة كل مصلٍ، فلا تصح الصلاة إلا بالتوجه للكعبة المشرفة، قال –تعالى-:(وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ)(البقرة:144).

• جعل الله فيه لعباده مناسك الحج والعمرة: فلا يتم إسلام المسلم المقتدر حتى يفد إلى البيت العتيق ويؤدِّي نسك الحجِّ، قال الله –تعالى-:(وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِين)(آل عمران:97).

• عبادة الطواف: ربط الله به عبادة الطواف التي يحقق فيها المسلمُ تعبده لربِّه، ويحصل على الخير العظيم من تقبيل الحجر الأسود، والمسح على الركن اليماني، ومن الطواف نفسه، قال –تعالى-:(وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُود)(الحج:26).

• أثر القبلة في تحقيق أمره الشرعي بالاجتماع، فالأمة الإسلامية بأكملها ومن كل نواحي الدنيا يتجهون إليها وقت أدء صلواتهم المفروضة وغير المفروضة، وفي دعواتهم لخالقهم، وقراءتهم للقرآن وغير ذلك من العبادات التي يشرع فيها استقبال القبلة وجوبا أو استحبابا، ولا شك أن هذه الصور من أهم مظاهر الاجتماع والوحدة.

3- هداية في المآل والنعيم في الجنات: ومن أمثلة ذلك: الحجُّ إلى بيت الله الذي هو من خواصِّ البلد الحرام، قد جعل الله-سبحانه- جزاءه الجنة؛ يقول رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- كما في الصحيحين:(وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلاَّ الْجَنَّةُ).

وأما العقوبات الإلهية في ترك الهدى بالبيت فهي ما يلي:

• قيام الساعة وخراب العالم، يقول -صلى الله عليه وسلم- كما في صحيح مسلم:( لاََ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لاَ يُحَجَّ الْبَيْتُ).

• خراب البيت، يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم- كما في المستدرك:(لن يستحلَّ هذا البيتَ إلا أهلُه؛ فإذا استحلوه فلا تَسلْ عن هلكَةِ العرب، ثم تظهر الحبشةُ؛ فيخربونه خرابا لا يُعمرُ بعده أبدًا، وهم الذين يستخرجون كنزَه).

• هلاك العرب خاصة، والناس عامة، يقول -صلى الله عليه سلم- كما في الحديث السابق:(لن يستحلَّ هذا البيتَ إلا أهلُه؛ فإذا استحلوه فلا تَسلْ عن هلكَةِ العرب)، ويقول سعيد بن جبير: لا يزال الناس بخير ما حجوا واعتمروا.

نماذج ومواقف عن السلف في حرصهم على اغتنام الفرص في الهدى بالبيت

• اغتنام الرسول -صلى الله عليه وسلم- فرصة وجوده وقربه من البيت في زيادة الهدى به، وفي الإكثار من الطواف حول الكعبة المشرفة: ويدل على ذلك ما فعله -صلّى الله عليه وسلّم- ليلة منصرفه من غزوة حنين كما في سنن الترمذي؛ فإنه على الرغم من أنه شهد يوم حنين أحداثًا عصيبة في أرض المعركة، وبعد ذلك في قَسْم غنائمها بين أصحابه، وما صاحبَه من عتب الأنصار عليه؛ حيث فرّقها في قريش دونهم في حادثة جليلة مشهورة معروفة؛ إلا أنه -صلّى الله عليه وسلّم- فضّل اغتنام بقية ليلته في زيارة البيت والطواف حوله على النوم والراحة؛ فخرج متدثرًا في ظلمة الليل ودخل الحرم، فاستلم الحجر الأسود، وطاف بالبيت، وقضى عمرته، ثم أدرك صلاة الصبح بأصحابه في الجعرانة كأنه قد قضى الليل بينهم.

• برنامج الإمام الثوري مدة مكوثه بمكة: قدم الإمام سفيان الثوري -رحمه الله تعالى- مكة، في أحد الأعوام من حياته، وكان له فيها برنامج عجيب؛ حيث كان برنامجه اليومي مدة مكوثه في مكة على النحو التالي: يبدأ بصلاة الفجر، ثم يجلس بعد ذلك يذكر الله حتى ترتفع الشمس، ثم يطوف سبعة أسابيع- يعني يطوف سبع مرات-، يصلي بعد كل أسبوع -يعني بعد كل طواف-ركعتين يطولهما- والسنة تخفيفهما-، ثم يصلّي إلى نصف النهار، ثم ينصرف إلى منزله، فيأخذ المصحف فيقرأ، فربما نام كذلك، ثم يخرج لنداء الظهر، ثم يتطّوع إلى العصر، فإذا صلى العصر أتاه أصحاب الحديث فاشتغل معهم إلى المغرب، فيصلّي ثم يتنفل إلى العشاء، فإذا صلى ربما يقرأ أو ينام، قال مؤمل بن إسماعيل -رحمه الله تعالى-:(أقام بمكة –أي الثوري- نحوًا من سنة على هذا).

• قصة عبد المسيح الذي كان نصرانيا ثم أسلم: يقول حامد الأسود وكان صاحب إبراهيم الخواص: كان إبراهيم إذا أراد سفرًا لم يحدِّث به أحدًا ولم يذكره، وإنما يأخذ ركوته ويمشي، فبينا نحن معه في مسجده إذ تناول ركوته ومشى فاتبعته، فلم يكلمني حتى وافينا الكوفة، فأقام بها يومه وليلته، ثم خرج نحو القادسية، فلما وافاها، قال لي: يا حامد إلى أين؟

- فقلت: يا سيدي خرجت بخروجك.

- فقال: أنا أريد مكة -إن شاء الله-.

قلت: وأنا -إن شاء الله- أريد مكة، فمشينا يومنا وليلتنا، فلما كان بعد أيام، إذا شاب قد انضم إلينا في بعض الطريق، فمشى معي يومًا وليلة لا يسجد لله -عز وجل- سجدة فعرَّفت إبراهيم وقلت: إن هذا الغلام لا يصلي.

- فجلس وقال له: يا غلام ما لك لا تصلي والصلاة أوجب عليك من الحج؟.

- فقال: يا شيخ ما عليّ من صلاة.

- قال: ألست مسلمًا؟.

- قال: لا.

- قال: فأي شيء أنت؟.

- قال: نصراني.

- قال إبراهيم: دعه يكون معك، فلم يزل يسايرنا إلى أن وافينا بطن مرّ، ثم سأله إبراهيم عن اسمه؟ فقال: عبد المسيح.

- فقال: يا عبد المسيح: هذا دهليز مكة؛ وقد حرم الله على أمثالك الدخول إليه وقرأ (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا)، والذي أردت أن تستكشف من نفسك فقد بان لك، فاحذر أن تدخل مكة؛ فإن رأيناك بمكة أنكرنا عليك.

- قال حامد: فتركناه ودخلنا مكة، وخرجنا إلى الموقف، فبينا نحن جلوس بعرفات إذ هو قد أقبل وعليه ثوبان، وهو محرم يتصفح الوجوه حتى وقف علينا، فأكب على إبراهيم يقبّل رأسه، فقال له: ما وراءك يا عبد المسيح؟.

- فقال: هيهات؛ أنا اليوم عبده، والمسيح عبده.

- فقال له إبراهيم: حدثني حديثك.

- قال: جلست مكاني حتى أقبلت قافلة الحاج؛ فقمت وتنكّرت في زيّ المسلمين كأني محرم، فساعة وقعت عيني على الكعبة اضمحلّ عندي كل دين سوى الإسلام، فأسلمت واغتسلت وأحرمت، وها أنا أطلبك يومي، فالتفت إلينا إبراهيم وقال: يا حامد انظر إلى بركة الصدق في النصرانية كيف هداه إلى الإسلام؟ وصحبنا حتى مات.