بلد مبارك

مفهوم بركة مكة

إن البركة لها معنيان كما قال أهل العلم، وهما: النماء والزيادة،والبقاء والدوام، وكلاهما حاصل للبلد الأمين؛ فبركة مكة المقصود بها: كثرة خيراتها ومنافعها، ودوام تلك الخيرات وبقاؤها للمنتفعين بها، ويدل عليه قوله -سبحانه وتعالى-:( إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ)، يقول ابن القيم- رحمه الله تعالى – معلقا على هذه الآية: البركة: كثرة الخير ودوامه، وليس في بيوت العالم أبرك منه-أي بيت الله- ،ولا أكثر نفعا، ولا أكثر خيرا، ولا أدوم وأنفع للخلائق.اهـ

فبركة أم القرى عظيمة، وفضلها وفير، وخيرها كثير؛ لذا اهتم كثير من المفسرين بذكر وفرة الخير في هذه البقعة، سواء كان على وجه العموم أو الخصوص؛ مبينين أن هذه الخيرات المتعددة منها ما يظهر أثره في الدنيا، ومنها ما يكون ذخرا لصاحبه في الآخرة.

أثر بركة البيت الحرام خاصة ومكة عامة

المتأمل في بيت الله الحرام ومكة المكرمة يجد أن هناك أمورا كثيرة خصها الله بها، وتلك من آثار البركة التي جعلها الله فيها، من ذلك:-

1- مضاعفة الثواب وزيادة الحسنات في فعل الطاعات على ظهرها، ومما يدل عليه قوله -صلى الله عليه وسلم- كما في صحيح مسلم:(صَلاةٌ في مَسجِدِي هَذَا أَفْضلُ من ألفِ صَلاةٍ فِيما سِواهُ إِلا المسجِدَ الحرامَ) وفي رواية لأحمد:(وصَلاةٌ في المسجِدِ الحرامِ أفضلُ من مائةِ ألفِ صلاةٍ فيما سِواهُ).

2- جبي ثمرات الدنيا كلها إليها، وإلا لحُرم أهلها أكثر تلك الثمرات؛ لأن أرضها غير صالحة للزراعة، يقول الله – تعالى-:( أَوَلَمْ نُمَكّن لّهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَىَ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلّ شَيْءٍ رّزْقاً مّن لّدُنّا وَلَـَكِنّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ).

3- تعظيم البيت الحرام سبب في بقاء حياة الناس، يقول -صلى الله عليه وسلم- كما في المسند:(لا تَزَالُ هذهِ الأمةُ بخيرٍ مَا عَظَّمُوا هذهِ الحُرْمَةَ حقَّ تعظيمِهَا، فإذَا تَرَكُوهَا وضَيَّعُوهَا هَلَكُوا).

4- حج البيت واستقباله في الصلاة سبب في بقاء دين الناس، يقول الحسن البصري- رحمه الله- : لا يزال الناس على دين ما حجوا البيت واستقبلوا القبلة.

5- نزول أول آيات كتاب الله – عز وجل- كان بمكة، وهي الآيات التالية:

(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَق* خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَق* اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَم* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَم* عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَم)، قال ابن كثير: أول شيء نزل من القرآن هذه الآيات الكريمات المباركات، وهُنَّ أول رحمة رَحم الله بها العباد، وأول نعمة أنعم الله بها عليهم.

6- جل القرآن كان نزوله بمكة، يقول الإمام الزركشي-بعد تعداد السور المكية التي نزلت فيها – : وعليه استقرت الرواية من الثقات، وهي خمس وثمانون سورة..الخ.

ومجموع سور القرآن مائة وأربع عشرة سورة، يعني: أن الذي نزل في غير مكة يعتبر تسعا وعشرين سورة.

7- بقاؤها دارا إسلامية إلى قيام الساعة، يقول -صلى الله عليه وسلم- كما في سنن الترمذي وغيرها:(لا تُغْزَى مَكَّةُ بَعدَ اليومِ إِلى يومِ القيامةِ)، ويقول –أيضا- كما في الصحيحين:(لا هِجْرَةَ بعدَ الفَتْحِ، وَلَكِن جهادٌ ونِيَّةٌ، وَإِذَا استُنفِرتُم فَانفِرُوا)؛ فيفهم من الحديثين بقاء مكة بلدا إسلاميا إلى قيام الساعة.

8- طهارة أرضها من أن تطأها أقدام المشركين بعد تحريم الله ذلك، يقول –تعالى-:(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا).

9- تفرد البيت الحرام بخصائص دون ما سواه، منها:

أ‌- أن الله – سبحانه – جعله مثابة للناس، وقياما لهم، وقبلتهم في حياتهم وبعد مماتهم، كما جعله منسكا لحجهم وعمرتهم وهدى للعالمين.

ب- بقاء دين إبراهيم -عليه السلام- الذي انطلق منه إلى يوم القيامة.

ج- أنه أول البيوت بناء لعبادة الله ، وهو كذلك آخرها زوالاً قبل قيام الساعة.

10-اختصاصها بعبادات متعددة:

تفضَّل الله -تبارك وتعالى- على البلد الحرام فخصَّه بعباداتٍ لم يشرعْ أداءها في مكانٍ آخر سواه، فالطَّوافُ عبادة لا تكون إلا حول بيت الله الحرام، والحجُّ بشعائره العظيمة من الوقوف بعرفات والمبيت بمزدلفة ورمي الجمار ونحر الهدي لا يكون إلا إلى الكعبة المشرفة، وتقبيلُ الحجرِ الأسودِ واستلامُ الركنين، والتزام ما بين باب الكعبة والركن، والصلاة عند المقام، كلها عبادات فاضلة لا تكون إلاّ بمكة، وهو من ثبوت الخير وكثرته في هذا البلد المبارك.

11- فيها خير ماء على وجه الأرض، وهو ماء زمزم المبارك الذي يغني عن الطعام والعلاج، يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم- كما في التاريخ الكبير للبخاري:(خيرُ ماءٍ على وجْهِ الأرضِ ماءُ زمزمَ، فيه طعامٌ من الطُّعْمِ، وشِفاءٌ من السُّقْمِ)، ويقول أبو ذرّ -رضي الله عنه- في خبر إسلامه كما رواه مسلم: قال لي رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-:(مَتَى كُنْتَ هَاهُنَا؟). قال: قلت: قد كنت هاهنا مُنْذُ ثلاثين بين ليلة ويوم. قال: (فَمَنْ كَانَ يُطْعِمُكَ ؟). قال: قلت: ما كان لي طعامٌ إلا ماءُ زمزم . فسمنْتُ حتى تكسّرتْ عُكَنُ بطني، وما أجد على كبدي سَخْفَةَ جوع. قال: (إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ، إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ).

12- طعامها مبارك، يقول -صلى الله عليه وسلم- كما في الصحيحين:(اللّهُمّ اجْعَلْ بِالمدينَةِ ضِعْفَي مَا جَعَلتَ بِمَكةَ منَ البركةِ).

13- دوام أكل اللحم وشرب الماء في مكة لا يضر بالصحة: وذلك ببركة دعاء الخليل إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- عندما قال لزوجة ابنه إسماعيل -عليه السلام-:(ما طَعامُكم؟)قالت: اللحم. قال:(فَمَا شَرَابُكُم؟) قالت: الماء. قال: (اللّهُمَّ بَارِكْ لَهُم في اللحَمِ وَالمَاءِ)، والقصة في البخاري.

قال سعيد بن جبير: ولا يخلو أحدٌ على اللحم والماء بغير مكة، إلا وجع بطنُه، وإن أخلى عليهما بمكة لم يجد أذًى.

ومعنى (إن أخلى عليهما) أي: إن اقتصر عليهما.

نماذج من حرص السلف الصالح على الانتفاع ببركة مكة

• قالت عائشة – رضي الله عنها – : لولا الهجرة لسكنت مكة.

• قال ابن عباس – رضي الله عنهما – : أقم بمكة، وإن أكلت بها العضاه. يعني: السمر.

• كان المنصور يرسل كل سنة بصدقة عظيمة من اليمن إلى مكة مع علي بن خيلخان؛ يصل بها كل من كان بمكة والمجاورين لها، وكان المظفر يوسف في أيام والده يتاجر بالطعام إلى مكة على يد محمد بن أبي القاسم، وكان هذا من فعله يقع موقعًا عظيمًا عند أهل مكة، بل اعتبروه أفضل من الصدقة أجرا، وأعظم منها نفعا، وبلغ الطعام عندهم بسبب هذا المتجر كل ستة أمداد بدينار.

• قال مجاهد بن جبر: رأيت عبد الله بن عمرو بن العاص –رضي الله عنهما- بعرفة، ومنزله في الحل، ومصلاه في الحرم، فقيل له: لِمَ تفعل هذا ؟ فقال: لأن العمل فيه أفضل، والخطيئة فيه أعظم.

• روي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنّه كان إذا قدم مكة يطوف سبعة أسابيع بالليل -أي يطوف سبع مرات بالليل -، وخمسة بالنهار.

• كانت عائشة -رضي الله عنها- تطوف بالبيت ثلاثة أسابيع (أي تطوف ثلاث مرات، وكل مرة بسبعة أشواط)، تقرن بينهن، ثم تصلي لكل أسبوع ركعتين.

• جاء أن محمد بن يحي بن أبي عمر العدني نزيل مكة حج سبعًا وسبعين حجة ولم يقعد عن الطواف ستين سنة.