مثابة للناس

إن مكة المكرمة بلدة قد عظمها الله – سبحانه وتعالى- وجعل لها كثيرا من المزايا والخصائص، فمن ذلك: أنه –سبحانه- جعلها مثابة للناس ؛ كما قال –سبحانه- في كتابه الكريم:(وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا...) (البقرة:125).

والمثابة في معناها اللغوي كما قال ابن فارس هي: العود والرجوع، يقال ثاب يثوب إذا رجع، والمثابة: المكان يثوب إليه الناس.

وكون مكة مثابة للناس يقول أهل العلم في بيان ذلك: إن الناس يترددون إليها بحب وشوق، ومن دون ملل ولا كلل، بل يبذلون في سبيله أنفس ما يملكون؛ طلبا للأجر والمثوبة، ورغبة في المغفرة ومحو السيئات، ثم لا ينصرفون عنها إلا وهم راغبون في العود إليها.

وهناك أمران رئيسان يؤكدان هذه المثابة التي جعلها الله -سبحانه- للبلد الأمين؛ وهما:-

أولا: الاستجابة الفطرية للنداء الرباني(وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ)(الحج:27).

ثانيا: استجابة الله –تعالى- لدعوة الخليل إبراهيم -عليه السلام- حين دعا كما في قوله –تعالى-:(فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ)(إبراهيم:37)، واستجاب الله –سبحانه- دعاءه.

فيا ترى كيف يستعد الناس لتلبية نداء خالقهم ومولاهم؟ وكيف يشتاقون إلى رؤية مكة وقصدها للحج؟

إن أمرهم في هذا عجيب؛ أماني الحج تشغلهم، ونار الشوق إلى حج بيت الله تشتعل في نفوسهم وتزداد حرارتها يوما بعد يوم؛ فيعزمون على تحقيق الحلم، ويجمعون القرش إلى القرش صابرين عن الطعام والشراب؛ حتى يتوفر المبلغ الذي يمكنهم أن يحجوا به، ثم يبدؤون الرحلة المرتقبة من تلك البلاد البعيدة، فيتعرضون في الغالب لكثير من المشاق والصعاب؛ سواء في أثناء سيرهم إلى مكة، أو عند أداء مناسكهم، أو حين رجوعهم إلى ديارهم؛ لكن ما فطر الله في قلوبهم من الاستجابة لندائه وما يحسون به في نفوسهم من لذة الإيمان والعبادة ينسيهم كل ذلك؛ بل يكونون مبتهجين مسرورين، يودون أن لو وفقوا للعود إلى مكة وأداء شعائر الحج فيها مرات وكرات !

إنه مصداق قول الرب -جل شأنه-:(مَثَابَةً لِلنَّاسِ)، إنه الحب الذي جعله الله في قلوبهم لهذا البلد الأمين، وشعورهم بالاطمئنان عند السكنى في ثراه؛ إنه استجابة منهم لنداء خليل الله إبراهيم -عليه السلام- بالحج والقصد إلى البيت الحرام لأداء الشعائر الواجبة عليهم.

بواعثُ ودواعٍ لأجلها صارت مكةُ مثابة للناس

ولعل سائلا يتساءل: ما الذي جعل مكة تحظى بهذه المكانة لدى الناس؟ وهل هناك سبب في ذلك؟

الجواب: يمكن أن يقال: إنه لا يمكن أن تُعرف الأسرار جميعها في ذلك؛ لكنّ هناك أموراً كثيرة لا شك أنها تكون من أهم الأسباب التي لأجلها حازت مكة هذه المكانة، وهي ما يلي:

أولا: الاستجابة الفطرية للنداء الرباني(وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ)(الحج:27).

ثانيا: الاستجابة من الله –سبحانه- لدعوة الخليل إبراهيم -عليه السلام-(فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم )(إبراهيم:37).

ثالثا: الرب –جل وعلا- اختصها ببعض العبادات التي تؤدى على ثراها دون غيرها من البلاد، مثل: الحج، والعمرة، والطواف، وتقبيل الحجر الأسود أو استلامه.

رابعا: العبادات فيها أجورها عظيمة ومضاعفة، مثل:-

أ‌- الجنة مقابل الحج المبرور، يقول -صلى الله عليه وسلم- كما في الصحيحين:(وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلاَّ الْجَنَّةُ) .

ب‌- مغفرة الذنوب مقابل بعض العبادات الخاصة بها، مثل الحج والعمرة، يقول -صلى الله عليه وسلم- في الحاج كما في الصحيحين:( مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ)، واللفظ للبخاري.

ج- أجر عتق رقبة مقابل الطواف، يقول -صلى الله عليه وسلم- كما في سنن الترمذي:(مَنْ طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ أُسْبُوعًا فَأَحْصَاهُ كَانَ كَعِتْقِ رَقَبَةٍ).

د- أجر مائة ألف صلاة مقابل صلاة واحدة فيها، يقول -صلى الله عليه وسلم- كما في المسند:( صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ ألفٍ صَلَاةٍ فِي فِيمَا سوَاهُ)، يقول أبو بكر النقاش -رحمه الله-: فحسبت ذلك على هذه الرواية، فبلغت صلاة واحدة في المسجد الحرام عُمْر خمس وخمسين سنة وستة أشهر وعشرين ليلة، وصلاة يوم وليلة في المسجد الحرام -وهي خمس صلوات- عُمْر مئتي سنة وسبعين سنة وسبعة أشهر وعشر ليالٍ.

هـ- شهادة الحجر الأسود لمن استلمه، يقول -صلى الله عليه وسلم- كما في سنن ابن ماجه:(لَيَأْتِيَنَّ هَذَا الْحَجَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَهُ عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا، وَلِسَانٌ يَنْطِقُ بِهِ، يَشْهَدُ عَلَى مَنْ يَسْتَلِمُهُ بِحَقٍّ)

خامسا: سعة الرزق ورغد العيش فيها(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ..)(البقرة:126).

سادسا: نفي الفقر لمن تابع بين الحج والعمرة، يقول -صلى الله عليه وسلم- كما في المسند:( تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ؛ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ..) .

وغيرها من الأمور التي كانت سببا في أن تكون مثابة للناس، ومكانا يشتاقون إليه بين الفينة والأخرى.

نماذج عملية لتحقيق المثابة

وهذه بعض الوقائع التي وردت عن السلف الصالح -رضوان الله عنهم-، في حرصهم على الرجوع إلى مكة متى ما سنحت لهم الفرصة، وفي شوقهم إليها، وفي تكرارهم للحج والعمرة حبا للبيت وتعلقا به:

1- مما ورد عنهم في تكرار الحج والعمرة:

• ثبت عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: حججت مع عمر -رضي الله عنهما- إحدى عشرة حجة.

• روى نافع مولى ابن عمر -رضي الله عنهما- أنه حج مع ابن عمر أكثر من ثلاثين حجة.

• نُقل عن طاوس بن كيسان أنه حج أربعين حجة.

• ذُكر عن محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني -نزيل مكة- أنه حج سبعا وسبعين حجة، وأنه لم يقعد عن الطواف ستين سنة.

• يُنقل عن علي بن الموفق أنه حج ثمانين حجة.

2- مما ورد عنهم في تشوقهم لمكة:

الصحابي الجليل بلال -رضي الله عنه- ممن عاش بمكة، ولما هاجر النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة هاجر معه، واستوطن المدينة؛ ولكنه تمنى العودة والرجوع إلى مكة، فأنشأ يقول في أبيات له:

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة***بواد وحولي إذخر وجليل

وهل أردن يوما مياه مجنة***وهل يبدون لي شامة وطفيل

3- مما ورد عنهم في لقاء الإخوة والاجتماع بهم في موسم الحج:

• يقول عبيد الله بن عمر بن حفص العدوي: والله ما أفرح في سنتي إلا أيام الموسم، ألقى أقواما قد نور الله قلوبهم بالإيمان؛ فإذا رأيتهم ارتاح قلبي، منهم أيوب -يعني السختياني-.

• قال محمد بن الفضل البزاز: سمعتُ أبي يقول: حججت مع أحمد بن حنبل ونزلنا في مكان واحد، فلما صليت الصبح درت المسجد فجئت إلى مجلس سفيان بن عيينة وكنت أدور مجلسًا مجلسًا طلبًا لأحمد بن حنبل؛ حتى وجدت أحمد عند شاب أعرابي، وعلى رأسه جُمّة، فزاحمته حتى قعدت عند أحمد بن حنبل، فقلت: يا أبا عبد الله، تركتَ ابنَ عيينة وعنده الزهري، وعمرو بن دينار، وزياد بن علاقة، والتابعون ما الله به عليم؟ فقال لي: اسكت؛ فإن فاتك حديث بِعُلُوّ تجده بنزول، ولا يضرك في دينك ولا في عقلك، وإن فاتك عقل هذا الفتى أخاف أن لا تجده إلى يوم القيامة؛ ما رأيت أحدًا أفقه في كتاب الله -عز وجل- من هذا الفتى القرشي، قلت: من هذا؟ قال: محمد بن إدريس الشافعي.