قياما للناس


 

قياما للناس

من خصائص البلد الحرام أن الله –سبحانه وتعالى- جعله قياما للناس كما قال –تعالى- في كتابه الكريم:(جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ)(المائدة:97)، واختلفت أقوال المفسرين في تحديد معناه؛ فمنهم من قال: إن المراد به: أن البيت الحرام صلاح لهم، ومنهم من قال: إن معناه: تقوم به أبدانهم لأمنهم به في التصرف لمعايشهم، ومنهم من قال: إنه قيام لهم في مناسكهم ومتعبداتهم.

والراجح: أن كل المعاني المذكورة داخلة في الآية ولا تضارب بينها؛ فيكون المعنى العام الشامل للآية: أن البيت الحرام جعله الله قياما للناس في أمر دينهم ودنياهم، وقيامِهم إلى مقاصدهم في معاشهم ومعادهم؛ لما يتم لهم من أمر حجهم وعمرتهم وتجارتهم، وأنواع منافعهم، فهذا المعنى شبه جامع للمراد بالآية، ولو زيد أي معنى آخر في الآية لأمكن نظمه في هذا، يقول العلامة السعدي: يخبر –تعالى- أنه جعل (الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ) يقوم بالقيام بتعظيمه دينُهم ودنياهم، فبذلك يتم إسلامهم، وبه تحط أوزارهم، وتحصل لهم - بقصده - العطايا الجزيلة، والإحسان الكثير، وبسببه تنفق الأموال، وتتقحم - من أجله - الأهوال.

ويجتمع فيه من كل فج عميق جميع أجناس المسلمين، فيتعارفون، ويستعين بعضهم ببعض، ويتشاورون على المصالح العامة، وتنعقد بينهم الروابط في مصالحهم الدينية والدنيوية.اهـ

ما يترتب على قيام البلد الحرام للناس

إن جملة من أهل العلم تتبعوا أثر قيام مكة واستقرؤوه بتمعن ودقة فوجدوا أنه حاصل فيما يأتي:

1- الأديان:

أ‌- قيام التوحيد: يقول ابن عاشور: إنَّ الكعبة كانت قيامًا للناس وهم العربُ؛ إذ كانت سبب اهتدائهم إلى التوحيد واتّباع الحنيفية، واستبقت لهم بقية من تلك الحنيفية في مدة جاهليتها كلها لم يعدموا نفعها.

ب‌- قيام العبادات: الناس يستطيعون في هذا البيت أداء بعض الشعائر الدينية كالحج والعمرة والطواف، وهي خاصة بهذا البيت، ولا يمكن أدؤها في غيره،يقول –سبحانه-:(وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِين)(آل عمران:97)، ويقول –سبحانه-:(إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللّهَ شَاكِرٌ عَلِيم)(البقرة:158).

2- الأموال:

وهذا ظاهرٌ في الأمن الذي جعله الله في مكة ولأهلها؛ وكان البيت سببًا في ازدهار حياتهم الاقتصادية، وتنمية ممتلكاتهم الشخصية، قال الطاهر ابن عاشور: وكان وجود هذا البيت عائدًا على سكان بلدها بفوائد التأنس بالوافدين، والانتفاع بما يجلبونه من الأرزاق، وبما يجلب التجار في أوقات وفود الناس إليه، فأصبح ساكنوه لا يلحقهم جوعٌ ولا عراءٌ.

وكان من عوائد هذا الأمنِ على قريشٍ في جاهليتها: رحلة الشتاء والصيف؛ فلا يتعرض لهم أحدٌ في طريقهم بقوافلهم التجارية إلى الشَّام أو اليمن؛ لأنهم أهل مكة البلد الحرام، قال الله –تعالى-:(لإِيلافِ قُرَيْشٍ* إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ)(قريش:1-2).

3- الأبدان:

إنّ الأمن الذي جعله الله في البلد الحرام كان سببًا في صونِ دمائهم وأرواحهم، ولذلك فُسِّر القيام في الآية بالأمن على الأنفس والدماء، قال عطاء الخراساني: كانوا إذا دخل الشهر الحرام وضعوا السلاح، ومشى بعضهم إلى بعض. وقال ابن شهاب: جعل الله البيت الحرام والشهر الحرام قيامًا للناس يأمنون به في الجاهلية الأولى؛ لا يخاف بعضهم بعضًا حين يلقونهم عند البيت أو في الحرم أو في الشهر الحرام.

4- المدنية:

إنّ في اجتماع المسلمين من كل أنحاء العالم في هذه البقعة المباركة اجتماعاً لعقولهم، وتلاقحًا لأفكارهم، وفي هذا قيامٌ لإيجاد الحلِّ لجميع ما يحتاجون إليه في معاشهم ومعادهم.

وهذا من القيام الذي جعله الله -تبارك وتعالى- في البيت الحرام للناسِ، قال المهايمي: جعله الله مقام التوجّه إليه في عبادته للناس المتفرقين في العالم؛ ليحصل لهم الاجتماع الموجب للتآلف الذي يحتاجون إليه في تمدنهم، الذي به كمال معاشهم ومعادهم؛ لاحتياجهم إلى المعاونة فيهما.

نماذج من صور قيام البلد الحرام للناس

1- كان أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنهما- قد اشترى دارًا بمكة وسماها دار المراجل، وجعل فيها قدورًا، وكانت الجزر والغنم تذبح، ويطبخ فيها للحاج أيام الموسم، ثم يُفعل ذلك في شهر رمضان.

2- وفي سنة ست عشرة وثمانمائة عمّر السيد حسن البيمارستان بالجانب الشامي من المسجد الحرام عمارة حسنة، وأحدث فيه ما يحصل به النفع، وذلك إيوانان وصهريج وغير ذلك، وأوقف ما عمره وما يستحقه من منافعه في الموضع المذكور مدة تسع وتسعين سنة وسبعة وعشرين يومًا متوالية على الفقراء والمساكين المنقطعين المرضى والمجاورين؛ يأوون فيه ويؤوون إليه علوًا وسفلا، وينتفعون بالإقامة فيه والارتفاق به انتفاع مثلهم بمثله؛ لا يزعج أحد منهم ولا يخرج منه بغير اختياره إلاّ بعد حصول العافية له والشفاء، فإذا خلا البيمارستان المذكور منهم، وصار خاليًا كان الانتفاع به للفقراء والمساكين من المسلمين، فإن عاد الضعفاء والطرحاء عاد الانتفاع لهم كما كان يجري الحال في ذلك كذلك وجودًا وعدمًا المدة المذكورة، وجعل النظر فيه لولديه بركات وأحمد.

3- مما حدث في زمن الشريف حسن أن محمد باشا وزير السلطان الأعظم حضرة سليمان خان أمر أن يبنى له موضع بقرب الحرم، يكون محلاً للفقراء صونًا للحرم الشريف، وأن يبنى لهم مساطب تصلح للمرضى؛ فتكون دار الشفاء لهم، وأن يبنى خارج ذلك دكاكين وبيوت تكرى وتصرف غلالها في مصلحة هذا المحل، وأمر ببناء حمام في وسط البلد يكون عظيم الشأن؛ فبنى جميع ذلك، وعمرت له أوقاف كثيرة بمكة، ووردت صدقاته سنة تسعمائة وأربع وسبعين.

4- وجود حلقات القرآن، وحلقات العلم، ومعهد الحرم في مبنى المسجد الحرام؛ فقد انتفع بها آلاف الناس في شتى العلوم الشرعية، وفي حفظ القرآن الكريم، وتعلم تجويده، والقراءات العشر.

5- قال ابن بطوطة: ولأهل مكة الأفعال الجميلة، والمكارم التامة، والأخلاق الحسنة، والإيثار إلى الضعفاء والمنقطعين، وحسن الجوار للغرباء، ومن مكارمهم أنهم متى صنع أحدهم وليمة يبدأ فيها بإطعام الفقراء المنقطعين المجاورين، ويستدعيهم بتلطف ورفق وحسن خلق، ثم يطعمهم، وأكثر المساكين المنقطعين يكونون بالأفران؛ حيث يطبخ الناس أخبازهم، فإذا طبخ أحدهم خبزه واحتمله إلى منزله فيتبعه المساكين؛ فيعطي لكل واحد منهم ما قسم له، ولا يردهم خائبين، ولو كانت له خبزة واحدة فإنه يعطي ثلثها أو نصفها طيب النفس بذلك من غير ضجر.