(4) إنه البيت المعمور - من منبر الحرمين

 

 

الخطب المكية من منبر الحرمين: (4)

 

إنه البيت المعمور

 

الخطبة الأولى:

أمّا بعد: فأوصيكم ـ أيها الناس ـ ونفسي بتقوى الله سبحانه، والالتزامِ بشرعِ الله سِرًّا وعلانية، والاستقامةِ على دينه، والعضِّ على سننِ المصطفى بالنواجِذ، وإيّاكم والشذوذَ والاختلافَ والفُرقة؛ فإنَّ يدَ الله على الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار، {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا}[النساء: 115].

حجّاجَ بيتِ الله الحرام، رمزٌ خالِد وبناءٌ شامِخ وقِبلةٌ للمسلِمين في مشارقِ الأرض ومغارِبها، تُطاوَل الزمانَ، وتتعاقب عليها الأجيالُ، زمنًا بعد زمَن، وفَوجًا إِثرَ فَوج، إنها الكعبةُ، البيتُ الحرام، يا رعاكم الله، هذا البنيان التاريخيّ الذي كان دَوحةً عند الزَّمزم، لا يراها إلا أمٌّ رَؤوم، هاجَرت بطفلِها الرّضيع في وادٍ غيرِ ذي زرع، لا أنيس به ولا ماء ولا شَيء، يحفظُهما الله بعنايته وبرعايته؛ ليجعلَ من هذه الهجرةِ موطنًا وبِناءً تهوي إليه أفئدةُ الناس مُشرئبَّةً إلى عَرصاتِه ومناسِكه، لتبدأ مرحلةُ البناء من الصّفر حتى تصلَ إلى هذه الملايين. نعم، لتبدأ من عناءِ السفر ومشقّته ولأوائه وشدّته: مفاوز وقِفار، فَيافي وبحار، طَريق غير آمن وعودة غَير مَضمونة، أسفار غامضة يغلِب على الظنِّ عدمُ السلامة فيها، سهول وهضاب سلكها أنبياءُ ورسل الباري جلّ شأنه، نعم أنبياءٌ ورسل قد رفعوا أصواتهم بالتلبية لباريهم وخالقهم جلّ وعلا، استجابةً لدعوةِ أبيهم إبراهيمَ التي أمرَه الله بها بقوله: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [الحج: 27، 28].

إنَّ هذا الموسمَ العظيمَ ليذكِّرنا بكليمِ الله موسَى عليه السّلام وهو ينحدِر من الوادِي حاجًّا يلبي لخالقه ومولاه: لبَّيك اللهمّ لبّيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إنّ الحمد والنعمةَ لك والملك، لا شريك لك. هذه التلبيةُ العظيمة التي يقول عنها النبي ‘: >ما من ملبٍّ يلبِّي إلاّ لبَّى ما عن يمينِه وشمالِه من حَجرٍ أو شَجرٍ أو مدَر، حتى تنقطعَ الأرضُ من ها هنا وها هنا< رواه ابن ماجه، وقال الرسول ‘: >أمَّا موسى كأنِّي أنظر إليه إذا انْحدَر في الوادي يلبِّي< [البخاري ومسلم].

نعم حجاجَ بيت الله الحرام، إنّ هذا الموسمَ العظيم ليُذْكي لنا أطيافَ الأنبياءِ وهم يتجرَّدون لله حاجِّين مهلِّلين وملبِّين، فقد روى البيهقيّ في سننه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: حجَّ موسى بنُ عمران في خمسين ألفًا من بني إسرائيل وعليه عباءتان قطوانيتان وهو يلبي. وروى البيهقيّ عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: صلى في مسجدِ الخيف سبعون نبيًّا. وجاء عن عروة عند البيهقي أيضًا: ما من نبيٍّ إلا وقدْ حجَّ البيت.

إنّ هذه الأطيافَ لَتربِط حاضرَنا بماضينا، وتُذْكِي مشاعِر الفخر والاعتزاز بهذا الدين وبقبلةِ المسلمين العامِرة. ولن يكونَ هذا نهايةَ المطاف، فإنّ الأجيالَ ستتعاقَب على بلوغهِ، والتلبيةِ والتهليلِ على عرَصاته، وكأن طيفًا يداهمنا حينما نذكُر قولَ النبي ‘: >والذي نفسي بيدِه، لَيُهِلَّنَّ ابنُ مريم بفجِّ الرّوحاء حاجًّا أو معتمرًا< [مسلم]، وحجُّ عيسى عليه السلام سيكون بعد نزوله آخر الزمان.

إنّه البيتُ المعمور عباد الله، البيتُ المعمور الذي لا ينقطِع عنه المصلّون ولا الطائِفون ولا السّاعون ولا الملبّون، له في كلِّ لحظةٍ عُمّار، وتهفو إليه في كلِّ ثانيةٍ أشواقٌ وأفئِدة، محفوظٌ محميٌّ بحفظ الله وحمايته، ردَّ الله عنه كيدَ أبرهَة فجعله في تضليل، وأرسَل عليه طيرًا أبابيل؛ ليكونَ آيةً وعبرةً لكلّ مَن همَّ بالكيدِ في بيته أو الإلحادِ في حرمِه، {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج: 25].

روى الحاكِم وصحّحه عن ابنِ عباس رضي الله تعالى عنهما قال: (أقبل تُبَّعٌ يريد الكعبة، حتى كان بكُراع الغميم فبعَث الله عليه ريحًا لا يكاد القاعدُ منها يقوم، فإذا قامَ سقَط وصُرِع، فدعا تُبَّع أحبارَه وقال لهم: ما هذا الذي بُعث عليّ؟! قالوا: تؤمِّننا؟ قال: أؤمِّنكم، قالوا: فإنّك تريدُ بيتًا منعَه الله ممّن أرادَه، قال: فمَا يُذهِب هذَا البلاءَ عني؟ قالوا: تتجرَّد في ثوبَيك ثم تقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، ثم تدخُل فتطوف، فلا تهيِّج أحدًا من أهله، قال: فإن أنا أجمَعت على هذا ذهَب عني الريح وذهَب عني العذاب؟ قالوا: نعم، فتجرَّد لله، ثم لبَّى، فأدبرت الريح كقِطَع الليل المظلم).

حجاجَ بيت الله الحرام، إنكم قد تلبَّسْتم بنسُكٍ تُذْكَى فيه الأجواءُ الروحانية، وتُستنشَق من خلاله نسماتٌ إيمانية تجعلُكم من الله أقربَ وعن معصيتِه أبعد، تلامِسكم أنفاسُ الأُخوّة والعدل والمساوَاة، سَتُناجون في هذا النسُك ربَّكم بلغاتٍ مختلِفة، لا تشغله لغةٌ عن لغةٍ، ولا لسانٌ عن لسان، ولا دعاءٌ عن دُعاء، بل يجيب دعوة هذا، ويغفر زلّة ذاك، ويرى دمعة هذا، ويسمع همسَ ذاك، {إِنَّ اللّهَ لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء} [آل عمران: 5].

حجاجَ بيت الله، لِنجعل من الحجِّ نقطةَ انطلاقةٍ لترجمان حِكَمه وأسراره بين المسلمين في شتى الأقطار، لِيحْملْ كلُّ حاجٍ منّا في نفسه معنى الوحدَة والتلاحُم والتآخي والعَدل، مهما اختلَفتِ الألسن والألوان. قد يكون من الصعب بمرَّةٍ أن يصبح حاكمُ المسلمين واحدًا وسلطانًا متفرِّدًا عليهم جميعًا في أرجاءِ المعمورة، بل إنَّ هذا من العُسر بمكانٍ إلا ما شاءَ الله، ولكنَّ المسلمين جميعًا غيرُ عاجزين أن يكونَ الوحيُ هو سلطانهم جميعًا، متمثِّلاً في كتاب الله وسنة نبيّه؛ لنحقِّقَ بهذا قول الباري: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ} [الحج: 28]؛ إذ أيُّ منفعةٍ أشدُّ من التعارف والتآلف برابط الكتاب والسنة؟! {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا} [النساء: 136].

بارَك الله لي ولَكم في القرآنِ العظيمِ، ونفعني وإيّاكم بما فيه من الآيات والذّكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المؤمنين والمؤمناتِ من كلّ ذنبٍ وخطيئة؛ فاستغفروه إنّه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية

الحمد للهِ وحدَه، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده.

وبعد: فاتَّقوا الله حجّاجَ بيتِ الله، واعلَموا أنّه يُشْرعُ للحَاجّ في اليومِ الثامن من ذي الحجّة أن يُحْرِم بالحجّ إن كان متمتِّعا، وإن كان مفرِدًا أو قارنًا فهو لا يزالُ في إحرامه. ويُستحبُّ للحاج في اليوم الثامن أيضًا أن يتوجَّه إلى مِنى قبل الزوال، فيُصلِّي بها الظهر والعصر والمغربَ والعشاء قصرًا من دون جمع، فإذا صلَّى فجر اليوم التاسِع وطلعتِ الشمس توجَّه إلى عرفة وهو يلبِّي أو يُكبِّر، فإذا زالتِ الشمسُ صلَّى بها الظّهر والعَصر جمعًا وقصرًا بأذانٍ وإقامَتين، ثم يقفُ بها، وعرفة كلُّها موقف إلا بطن عُرَنَة، فيكثر فيها من التهليل والتّسبيح والدعاءِ والاستغفارِ، ويتأكَّد الإكثارُ من التَّهليل لأنّه كلمة التوحيدِ الخالصة، فقد قال ‘: >خيرُ الدُّعاءِ دعاءُ يوم عرفة، وخيرُ ما قُلْتُ أنا والنَّبيُّون من قبلي: لا إلهَ إلا الله وحْدَه لا شَرِيكَ له، لَه الملْكُ وله الحمْدُ وهُو علَى كُلِّ شيءٍ قدير< [الترمذي، وصححه الألباني].

فإذا غربتِ الشمس أفاض الحاجّ من عرفة إلى المزدلفة بسكينةٍ ووقار، فلا يزاحِم ولا يؤذِي، ثم يصلِّي بها المغربَ والعشاءَ جمعًا وقصرًا بأذانٍ وإقامَتين، ثمّ يبقى بها حتّى طلوع الفجر إلا الظّعنة والضعفة، فلهم أن ينصرفوا فيها بعد منتصفِ الليل. فإذا صلى الحاجّ الفجرَ بالمزدلفة وقف عند المشعر الحرام استحبابًا، والمزدلفة كلها موقف، فيدعو الله طويلاً حتى يسفر جدًّا، إن تَيَّسر له ذلك وليس واجبًا عليه.

ثمّ يسير إلى منى فيرمِي جمرة العقبة، وهي أقرب الجمراتِ إلى مكّة، يرميها بسبع حصيات صغيرات يكبِّر مع كلّ حصاة، ثمّ ينحر هديَه إن كان متمتّعًا أو قارنا. ثم يحْلِق ويحلّ من إحرامه، فيُباح له كلّ شيء حرم عليه بسبب الإحرام إلا النّساء.

ويبقى في حقِّ القارن والمفرِد طوافُ الإفاضة وسعيُ الحج إن لم يكن سعى مع طواف القدوم، وأمّا المتمتع فيبقى عليه طوافٌ وسعي غير طواف العمرة وسعيها.

ثم بعد الطواف يحلّ للحاجّ كلّ شيء حرم عليه بسبب الإحرام حتى النساء.

ولا يضُرّ الحاجّ ما قدَّم أو أخَّر من أفعاِل يوم النحر؛ لأن النبيَّ ‘ ما سُئِل عن شيءٍ قُدِّم ولا أُخِّر في ذلك اليوم إلا قال: >افعل ولا حرج< متفق عليه.

ثم يبيت الحاجّ بمنى أيام التشريق وجوبًا؛ لفعل النبي ‘ ولقوله: >خذوا عني مناسككم< متفق عليه، فيرمي الجمراتِ في اليومِ الحادي عشر والثاني عشَر والثالثَ عشر إن لم يكن متعجِّلا، كلّ جمرة بسبع حصيات، يبدأ بالجمرة الصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى، والسُّنَّة في الرميِ في هذه الأيّام بعد الزوال لفعله وأمرِه.

ومن أراد أن يتعجّل فليرمِ بعد الزوال في اليوم الثاني عشر، ثم يخرج من مِنى إلى مكة، ولا يضرّه لو غربت عليه الشمس وهو لم يخرُج من منى.

ثم يطوف بعد ذلك طواف الوداع، {فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ}[البقرة: 200-202].

هذا، وصلُّوا ـ رحمكم الله ـ على خير البرية وأزكى البشرية.

 

لفضيلة الشيخ الدكتور: سعود بن إبراهيم الشريم

والتي ألقيت بتاريخ 3/12/1430هـ

(موقع المنبر على الشبكة العنكبوتية)