(8) تاريخ المسجد الحرام - من منبر الحرمين

 

الخطب المكية من منبر الحرمين: الخطبة الثامنة:

 

تاريخ المسجد الحرام

 

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله، وخيرته من خلقه ومصطفاه من رسله، أرسله بالحق بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أصحابه أجمعين، والتابعين ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين أما بعد:

فأوصيكم أيها الناس ونفسي بتقوى الله عز وجل، فالزموا كلمة التقوى، الزموها رحمكم الله، وكونوا أحق بها وأهلها.

أيها المسلمون: ثقافة الأمة هي مجموع ما تملك من جوانب فكرية وروحية وأخلاقية وسلوكية، ومدنيتها هي مجموع جوانبها المادية، أما الحضارة فهي جماع الثقافة والمدنية معًا، وإن الحضارة بهذا المفهوم لهي أنفس وأخلد ما تفخر به الأمة من تراثها، وجماع علومها وآدابها.

ولمـّا مدَّ الإسلام فتوحاته منطلقًا من مكة المشرفة وطيبة الطيبة، ومتوجهًا إلى أصقاع المعمورة شرقًا وغربًا وشمالاً وجنوبًا، دخل فيه أبناء البلاد المفتوحة، وشملت سماحته من بقي على دينه من هؤلاء.

لقد كان الإسلام بحضارته ومدنيته متينًا قويًا بقدر قوة عقيدته ورسوخ مبادئه، وبهذه القوة والرسوخ أخذ وأعطى ووافق وتأبى، ولم يندفع في حركة تقليد أعمى للأفكار الوافدة من الحضارات التي قابلها.

ومن أجل التحقق من ذلك -أيها المسلمون، حجاج بيت الله- فهذه متابعة لتأريخ دين الإسلام ورسوخ عقيدته وشموخ بنيانه، من خلال النظر في تأريخ مكة المكرمة وعمرانها وشرفها ومآثرها -زادها الله تشريفا وتكريما ومهابة وبرا-. حديث عن عقيدة وتأريخ، ودين وتراث، وشريعة وعمل، وفضائل ومآثر، تتوق إليها النفوس، وتهفو إليه الأفئدة، هذه الأمة تجد أصلها وأصالتها من خلال هذا التوحيد وذلك التأريخ.

في بيت الله المعظم، يتعانق الدين مع الدنيا وترتبط الأرض بالسماء، تأريخ المسجد الحرام بيت الله وكعبته وبلده تأريخ عميق عريق، إنه من أقدم بلاد الدنيا إن لم يكن أقدمها، بل البيت المعظم أول بيت وضع للناس {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِين} [آل عمران: 96]. وأبو ذر رضي الله عنه يسأل النبي ‘ أيُّ مسجد وُضع في الأرض أول؟ فيجيب عليه الصلاة والسلام: >المسجد الحرام< [البخاري ومسلم].

إنه تأريخ من أنصع التواريخ، وتدوين من أوثق التدوين، محفوظ في كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وفي الصّحيح من سنة رسول الله ‘، ومشاهد من خلال سيرة نبي الله الطاهرة المطهرة وصحبه الكرام البررة.

القرآن الكرم ذكر مكة والكعبة والبيت المعظم والمسجد الحرام عشرات المرات بيّن فيها ما ينبغي لهذا المكان الطاهر من التكريم والإجلال والتعظيم والتقديس، وعرض لصور من تأريخه الراسخ الضارب في جذور الزمن، كما تحدثت كثير من آياته عن أحكامه ومناسكه والتقلب في عرصاته. إنها حركة التأريخ وميلاد الأمة تبدو في نبي الله وخليله إبراهيم عليه السلام وهو يودع طفله الرضيع إسماعيل وزوجه المنفردة هاجر، ويتوجه بقلبه الدافق ودمعه الخافق: {رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُون} [إبراهيم:37].

وها هو الملَك ينادي الأم الملتاعة على وليدها، لا تخافوا الضيعة، فإن هاهنا بيت الله يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله, وتتسارع الأيام والأطياف، فإذا إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام يرفعان القواعد من البيت بأمر ربهما: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيم} [البقرة:127].

إنه إبراهيم نموذج النبوة الأولى في حرب الأوثان ومطاردة الشيطان، وإنه بيت الله رمز التوحيد ومنار الحنيفية: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُود} [الحج:26]. ثم تسارع آخر، فإذا هو عبدالمطلب بن هاشم يتصدى للغزاة معلنا مستيقنًا, إن للبيت ربًا يحميه، ثم هو مرة أخرى ينذر ابنه عبدالله الذي يفدى بما يزيد على مائة من الإبل ليأذن الله بخروج أكرم الخلق على الله, المصطفى المختار سيدنا ونبينا محمد رسول الله ‘، ثم تجمع قريش والقبائل من حولها من طيب مالها؛ لتعيد بناء البيت بعد أن عدت عليه عاديات الزمن, ويشب الفتى محمد ‘، فإذا هو يضع الحجر الأسود بيمينه الشريفة؛ ليطفىء نار فتنة كادت أن تثور, ثم يبعثه رب هذا البيت من جوار هذا البيت هاديًا ومبشرًا ونذيرا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرا. ينطلق التأريخ وتنبعث الأمة؛ لتتربع على عرش قيادة الدنيا ردحًا من الزمن غير قصير.

أيها الإخوة: لقد دعا أبونا إبراهيم عليه السلام أن يظل بيت الله آمنًا، وأن تحفظ ذريته من الشرك؛ لما رأى من سنن الله في مصير الأمم، ومصير الأسر بعد الأنبياء، وبعد التضحيات الجسام والدعوات العالية, وكيف أصبحت إن لم يحفظها الله فريسة لشياطين الإنس والجن والدجالين والمضلين من عباد الأوثان ودعاة الجاهلية في كل زمان ومكان {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [إبراهيم:35-36]. نعم لقد كان من دعاء إبراهيم وإسماعيل الملح المشفق أن يعيش على الإسلام وللإسلام، وأن يموت عليه وذريتهما من بعدهما تدين به وتدعو إليه وتغار عليه {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ} [البقرة:128] {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [البقرة:132].

وإن من بركات هذه الدعوات المباركات أن جعل الله -بمنه وكرمه على أهل الإسلام وأهل الحرم- جعل كعبته وبيته قيامًا للناس, لقد جعله صلاحًا ومعاشًا تقوم به حياتهم ويأمنون فيه على أنفسهم. يقول أهل العلم: والحكمة في جعل الله تعالى ذلك قيامًا للناس؛ لأنه سبحانه خلق الخلق على الطبيعة الآدمية والجبلية البشرية، من التحاسد والتنافس، والتقاطع والتدابر، والسلب والإغارة، والقتل والثأر، فلم يكن بد في الحكمة الإلهية والمشيئة الأزلية من رادع يدوم معه الحال، ووازع يُحمد معه المآل، فعظم الله في قلوبهم البيت الحرام، وأوقع في نفوسهم هيبته، وعظّم فيهم حرمته، وشرع لذلك من الأحكام ما يختص به هذا الحرم، فكان موضعًا مخصوصًا وحرمًا حرامًا لا يدركه كل ظلوم ولا يناله كل خائن. {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} [العنكبوت:67]. {رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ} [إبراهيم:37].

بيت الله المعظّم قلب الأمة وقبلة العبادة، مدرج الإسلام ومرباه، أحجاره ورماله وسهوله وجباله كتاب مسطور عن مسيرة الإسلام وسير الأعلام, إنه صدى القرآن وآيات الوحي، فيه كتب مبدأ التاريخ وعنوان الحضارة. من هذا الدين والتأريخ تصدرت مكة وكعبتها ومسجدها المكانة العميقة الراسخة، فهي مهوى الأفئدة ومحل المثابة ومستقر الأمن.

أيها المسلمون: وثمت صورة جلية تؤكد مكانة هذا البيت وعناية الله به، إنها حرص خلفاء المسلمين وولاتهم على مرّ التأريخ وعنايتهم بهذا البيت؛ ليبقى علمًا على الإسلام ورمزًا للأمة، وعنوان وحدتها ومعيار مصيرها, فكان له النصيب الوافر من العناية من لدن الخلفاء والملوك والولاة والأمراء، قربة لله، وخدمة لعباد الله، وقيامًا بالمسؤولية, ومن لطف الله ورحمته وفضله ومنته أنه لما سهل التواصل في هذا الزمان وصارت الحشود القاصدة لهذا البيت والآمّة لهذه المشاعر تزداد العام تلو العام، والموسم بعد الموسم، قيض الله لولاة الحرمين الشريفين وخدامهما من المقومات في دولة الوحدة والتوحيد والشريعة ما يتواكب مع هذه المواكب المتزايدة، والوفود الواعدة، فكانت التوسعة المشهودة وتنظيم المشاعر، لا تقصيرٌ في جهد، ولا تقتير في مال، فاتّسق البنيان وتكامل الصرح العتيق. إنجاز يستوعب حركة قاصدي هذا البيت حجاجًا وعمارًا، في نظر متوافق مع المستقبل ومستجداته، وإنها في نظر الناظر صورة من صور التمكين لدين الله، وتعظيم شعائره، إنه مشروع مشكور يستهدف غايات عليا؛ لخدمة الإسلام والمسلمين، وللحرم وأهل الحرم، كل ذلك في ظلال أمن وارف، وسبل آمنة وطرق ميسرة.

لقد توحدت الكلمة وظهر أمر الشرع، فكان التوجه نحو العلم والبناء والنماء، وفتح الله من خيراته وأنزل من بركاته ما أكل معه الناس من فوقهم ومن تحت أرجلهم، بلاد طهرها الله من كل ألوان المبادئ الهدامة، وجنّبها دعاوى العنصرية والقبلية والطائفية، وإنّ حق ذلك كله أن يشكر فلا يكفر، فبالشكر تدوم النعم، وإن زوالها بكفرانها، ونعوذ بالله من الطّغيان، ونعوذ بالله من الحور بعد الكور، ذلكم هو الدور الطبيعي الذي يقوم به من يشرفه الله بالولاية على الحرمين الشريفين، إنه الجامع لكلمة الأمة والمعبر عن آمالها، إنه تكليف وتشريف يقوم به من يقوم بمثل هذه الخدمات الجليلة، ومما ينبغي أن يُعلم أن لخدمة الحرمين الشريفين أثرها الكبير في توطيد أركان الممالك الإسلامية كلها، وهذا الكلام لا يُلقى جزافًا؛ لأن الحرمين الشريفين ليسا رمزين تذكاريين، وليسا بنائين أثريين، ولكنهما شعائر ومشاعر لا تقوم للمسلمين قائمة بدونهما، بل لا تكتمل الصورة الشرعية لدولة إسلامية إن لم يكن الحرمان الشريفين رمزًا لها، وإن شئتم مزيدًا من البرهان فما هو حال المسجد الأقصى، وما هو حال أمة الإسلام، إنكم لترون وتشاهدون أن المسلمين كلما زاد ضعفهم وتشتت كلمتهم وتفرقت آراؤهم، ظهر ذلك جلياً في ازدياد اليهود إمعاناً في غصبهم وترسيخًا لمطامعهم، أما العهود والمواثيق والاتفاقيات، فسبيلها كما قال قرآنكم: { أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ} [البقرة:100]. ولا تشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد، فهلاّ شددتم الرحال؟! وهلاّ كنتم أنتم الرجال؟! لعل الله أن يحقق بكم الآمال.

هذه المقدسات وهذه شؤونها إن بها قيام الناس وهي رمز حياتهم ووجودهم، والله من وراء القصد، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ، وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ} [القصص:57-58]. نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، وبسنة نبيه محمد ‘، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله جعل الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس، وطهره من الأوثان والأرجاس، أحمده سبحانه وأشكره وأسأله الهدى والتقى، فالتقى خير لباس، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد.

أيها المسلمون: انطلق الإسلام من هذه الديار، وكانت تسود العالم الخصومات والعصبيات، فلم تزل آيات الله تتنزل تهدي القلوب الضالة، وترد النفوس الشاردة، فما لبثت الأمة المحطمة أن عادت متماسكة، دستورها {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء:92]. ومنهاجها: {يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [التوبة : 71] . {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر:3]. وشعارها: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة:2]. وخلقها: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر:9]. ودعاؤها: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر:10].

هذا هو التأريخ والمنهج، من تاجر مع الله ربحت تجارته، ومن هاجر إلى الله مخلصًا صحت هجرته، ومن استجار بالله فنعمت إجارته، ومن حل بحرم الله مؤمنًا حرمه الله من النار، هذا هو البيت وهذه هي وظيفته، كم لله تعالى من هؤلاء القادمين من عباد صالحين؟! هذا منيب! وهذا مخبت! وذاك ناسك! وهذا متبتل! قانتون أوّابون صابرون محتسبون، يعيشون في بقاع هي أفضل البقاع، ويجتمعون في أرض هي أقدس المقدسات من أعظم مجامع الدنيا، تجتمع لهم أسباب الرضا والرضوان، يقول الحسن رحمه الله: (لايزال الناس على الدين ما حجوا البيت واستقبلوا القبلة).

وفي الحديث الصحيح: >مَنْ صلَّى صلاتَنا، واستقبل قبلَتنا، وأكل ذبيحتنا فهو مسلم< [البخاري]. ألا فاتقوا الله رحمكم الله، واعرفوا لهذا البيت قدره وعظموا حرماته، فذلكم عنوان الصلاح وسبيل الهدى، ثم صلوا وسلموا على الرحمة المهداة والنعمة المسداة نبيكم محمد رسول الله، فقد أمركم بذلكم ربكم، فقال عز قائلاً عليمًا: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب:56].

اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين.......

لفضيلة الشيخ الدكتور: صالح بن عبد الله بن حميد

 

 

| طباعة | البريد الإلكتروني