(9) الحنين إلى البلد الأمين - من منبر الحرمين

 

الخطب المكية من منبر الحرمين: الخطبة التاسعة:

 

الحنين إلى البلد الأمين

 

 

الخطبة الأولى:

 

أمّا بعد: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحشر:18]، {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ} [البقرة:235].

أيّها المسلمون، احفَظوا على أنفسِكم الأوقات فإنّه لا قيمةَ لها، وطيِّبوا لأنفسِكم الأقوات ولا تنالوا إلاّ أحلَّها، وزِنوا الأعمالَ بميزان الشّرع، وصحِّحوا المقاصدَ والنيات وخذوا بالإخلاص فضلها، وراقِبوا في السّرّ والجهرِ عالمَ الخفيات، فما أحسنَ المراقبةَ وأجلّها، واغتنِموا أيامَكم الفاضلة قبل الفوات، أيامًا شرَّفها الله وفضّلها.

وبعد: أيّها المسلمون، في هذه الأيّام المباركة تستقبِل مكّةُ وفودَ الحجيج، ويحتضِن المسجد الحرام ضيوفَ الرحمن، في مواكبَ مهيبة تجلِّلهم عناية الله، جاؤوا من كلِّ فجٍّ عميق يلبّون نداءَ ربهم ويجيبونَ أذانَ خليله: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ} [الحج:26، 27]. جاء الحجّاج يحثّونَ المطايا، يسابِقهم الشوق، ويحدوهم الأمل، يغمرُهم الفرحُ وهم في مسِيرِهم إلى بيت الله المعظَّم، طامعين في تكفيرِ الخطايا وبلوغِ الجنان، يؤدّون الركنَ الخامس من أركانِ دينهم في أقدسِ بُقعةٍ على وجه الأرض.

مكّةُ المكرَّمة تاريخٌ وذكريات سيرةٌ ومسيرة، {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران:96، 97]. إليه حجَّ الأنبياء وصلّى إمامُ الحنفاء، مِن مكّة شعّ نورُ الهدى، وانطلَقَت رسالة التوحيدِ حتى عمَّت أرجاءَ الأرض، وغيّرتِ العالم، وأرسَت أجملَ وأعدلَ حضارة عرَفها التاريخ، فهي مركَز العالم ورَمز وحدةِ المسلمين ومَصدَر النور للعالمين، أفضلُ البِقاع عند الله، وأحبُّ البلاد إلى رسول الله صلّى وسلّم عليه الله.

مكّةُ المكرّمة أمّ القرى، بها ميلادُ أشرف الورى، على رُباها نشأ وترعرع، وفي أرجائِها مشى وما تضَعضَع، نصف قرنٍ من الزمان شهِدَت حياةَ النبيّ في مكّةَ، فأيّ شرفٍ يعلو هذا الشرف؟! ولو نَطقَت هذه الرُّبى فأيَّ سيرةٍ ستذكر؟! وأيَّ تاريخٍ ستسرد؟!

في هذه البقاعِ نزل جبريل عليه السلام بالوحي، وصدَع النبي بالتوحيد من جبلِ الصّفا. لو حدَّثتكم الكعبةُ أو حكى زَمزم والمقام لقالوا: كان هنا أبو بكر وعمر، وكان عثمان وعليّ، وغيرهم من الصَّحب الكرام رضوان الله عليهم أجمعين. أضاؤوا الدنيَا، وطهّروا الأرضَ، واعترَك التوحيد مع الوثنيّة حتى أظهرَ الله الدّين.

هنا وقف النبيّ أمامَ الكعبةِ ليقرّرَ مبادئ الدّين العظمى، ويرسُم نهجَ الإنسانية الأرقى، والذي عجزَت عن تحقيقِه كلُّ حضارات البشَر إلى يومنا هذا.

حجاجَ بيت الله الحرامِ، هنيئًا لكم بلوغُ بيت الله المعظّم، هنيئًا لكم هذه الشّعائر والمشاعر، شرفُ الزمان وشرف المكان مع عظيم الأعمالِ، فاحمدوا الله على ما حبَاكم من هذه النِّعَم، واشكروه فقد تأذّن بالزِّيادة لمن شكَر، قدِمتم أهلاً، ووطئِتم سهلاً، وأنتم ضيفُ الله ووفدُه، الواجِبُ إكرامُه ورفده، يسّر الله حجَّكم، وحفِظكم من كلِّ مكروه، وجعل حجّكم مبرورًا وسعيَكم مشكورًا، تقبَّل الله منّا ومِنكم.

أيّها المسلمون، إنَّ قصدَ هذه البقاع الطاهرةِ يكفّر الذنوبَ ويمحو الآثامَ ويحطّ الأوزارَ، بل ليس للحجِّ المبرور جزاءٌ إلا الجنة، قول نبيكم.

كم اشتاقت لبَطحاءِ مّكةَ النفوس وهفت لرُباها القلوب، وكم مِن باكٍ شوقًا وتوقًا، وكم من متحسِّرٍ يتمنَّى رؤيةَ وادي محسِّر، يتمنّى المبيتَ ليلة بمِنى، أو الوقوف ساعةً بعرفة، أو المشاركةَ في ليلةِ مزدلفة، أو المزاحمةَ عند الجمرات، أو الطواف بالبيت وسَكب العبرات، يتمنّى هذه المواطنَ حيث تسيل العَبرَات وتنزل الرحمات وتُقال العثرات وتُستَجَاب الدعوات، سقَى الله تلك الرّبى والبِطاح.

هـذه الـخـيف وهـاتيـك مِنى         فتـرفَّـق أيّــهـا الحـادي بنــا

واحبسِ الرّكـبَ علـينا ساعـةً         ننـدُب الرّبـعَ ونبـكي الـدَّمِنا

فلـذا الموقِـف أعـدَدنا البُكـا         ولـذا اليــومِ الـدّمـوع تُـقتَنى

ما على حادي المطايا لو ترفَّق         ريثـما أسكُب دَمـعِي ثم أَعنـَق

هـذه الـدّارُ الـتي يـعـرِفُـهــا         بالهوى مِن أهله مَن كان أشوق

ولا زالتِ المواكب تتدفّق بالحَجيج مِن كلّ فجٍّ عميق، ما أجملَ أصوات التلبيةِ تعُجّ بها الطائراتُ في الأجواء، والمواخِر في عُباب البحار، والمراكِب التي تلتهِمُ الطريقَ وتغُذّ السيرَ آمّين البيت الحرام، لبّيكَ اللّهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك. وجهةٌ واحدة، وهدَف واحِد، كلُّهم مستجيبون، ثمّ في حرَمِ الله يلتقون. إنها قوافِلُ الإيمان ورِحلةُ الحياة إلى مَهوَى الأفئِدَة ورمزِ الإسلام وقِبلة المسلمين.

عبادَ الله، حجّاجَ بيته الحرام، إنّ منزلةَ الحجّ عند الله عظيمة، ومكانتَه في الدين كبيرة، أوجبَه الله بقوله: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ} [آل عمران:97].

أمّا فضلُه فقد روى أبو هريرةَ ~ أنّ النبيَّ ‘ قال: >العمرةُ إلى العمرة كفّارةٌ لما بينهما، والحجّ المبرور ليس له جَزاءٌ إلا الجنّة< [البخاريّ ومسلم]، وفي الصحيحين أيضًا أنَّ النبيَّ ‘ سئل: أيّ الأعمال أفضل؟ قال: >إيمان بالله عزّ وجلّ<، قيل: ثم ماذا؟ قال: >جهادٌ في سبيل الله<، قيل: ثم ماذا؟ قال: >الحجّ المبرور<.

إنّه تجارةُ الدّنيا والآخرة ورِبح الدّارين، عن ابن مسعود قال: قالَ رسول الله ‘: >تابِعوا بين الحجّ والعمرةِ؛ فإنهما ينفِيان الفقرَ والذنوب كما ينفي الكير خبَثَ الحديد< [أحمد والترمذي بسند صحيح]، وفي الصحيحين أنّ النبيَّ ‘ قال: >من حجَّ هذا البيتَ فلم يرفث ولم يفسُق رجع كما ولدَته أمه< أي: نقِيًّا من الذنوب والخطايا، هذا معَ مُضاعفة الحسناتِ ورِفعة الدرجات، عن جابرٍ أن النبيَّ ‘ قال وهو بالمدينة: >صلاةٌ في مسجدي هذا أفضلُ من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجدَ الحرام، وصلاةٌ في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة< [أحمد والبخاري في التاريخ بسند صحيح]، أي: صلاة أربعٍ وخمسين سنة، فهل يُلام في هَوَى الحرَمِ بعد ذاك أحد؟! ناهيك عن مواقفِ الرّحمة في عرفات، والازدلافِ عند المشعر الحرام، والتقلّب في فجاج مِنى، والطوافِ بالبيتِ وبين الصفا والمروة، ورمي الجمرات، وكلُّ ذلك من مواطنِ الرّحمة وإجابة الدعاء.

أمّا عرفات، وما أدراك ما عرفات؟! يقول النبيّ ‘: >ما مِن يومٍ أكثر من أن يعتِق الله فيه عَبدًا من النار من يومِ عرفة، وإنّه ليدنو ثم يباهِي بهم الملائكةَ، فيقول: ما أراد هؤلاء؟< [مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها]. إنهم يريدون رحمةَ ربهم وجنّتَه، يريدون مغفِرةَ ذنوبهم والعتقَ من النار، جاؤوا من أقاصي الدّنيا وأطراف الأرض، ترَكوا أهلَهم وأوطانهم، وأنفَقوا كلَّ ما يستطيعون للوصولِ إلى هذه الأماكن الشريفة، في وقتٍ ترى فيه بعضَ الموسرين القادرين يتكاسَلون عن أداءِ فريضة الإسلام، ينفِقون أموالهم ويضيِّعون أوقاتهم في السّفَر والنزهة واللّهو والغفلة، لم يحُجّوا مرّةً واحدة. ليعلَم هؤلاء أنهم ترَكوا ركنًا مِن أركان الإسلام، يقول عمَر بن الخطّاب ~: (من كانَ ذا مَيسَرة فمات ولم يحج، فليمُت إن شاءَ يهوديًّا أو نصرانيًّا)، ورُوي مثلُه عن عليِّ بنِ أبي طالب ~. فليتّقِ اللهَ وليبادِرِ المستطيع قبلَ الفوات، ولو فاجأه العَجز أو الأجَل فلن ينفَعَه الاعتذار بالتهاون والكسل.

أيّها المؤمنون، حجّاجَ بيت الله العتيق، أمَا وقد أوصلَكم الله بيتَه فعظِّموا شعائِرَه يزِدكم إيمانًا وتَقوى، {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج:32].

ومِن تعظيم الشعائِر إحسانُ العمل وإتمامه، والحِرص على كماله، واتباع هديِ النبيِّ في كلِّ صغيرةٍ وكَبيرة، وقد قال: >خذوا عني مناسككم<. كما أنَّ تتبُّع الرّخَص والتهاونَ في المناسك خُذلان ونَقص، والله تعالى يقول: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة:196]. كما أنَّ من تعظيمِ شعائر الله البعدَ عمّا ينقِص الحجَّ، واحتِرامَ وتوقيرَ الزّمان والمكانِ الذي عظّمه الحقُّ سبحانه. تجنَّبِ المراءَ والجدل والخِصام والتشويش، فالقَبول والمغفِرة مشروطة بذلك، قالَ الله عزّ وجلّ: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة:197]، وقد سَبَق قولُ النبيِّ ‘ المخرَّج في الصحيحين: >من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه<.

إنَّ زكاءَ النفس وزيادةَ الإيمان وحصولَ التقوى يكون حينَ يقبِل المسلم على عبادَتِه بأدبٍ وخشوع، ويتفرّغ لما جاءَ له وما قصَدَه، حافظًا وقتَه مخلِصًا لربه. كما ينبغِي السؤال عن الأحكامِ الشرعيّة قبل الشروعِ في العمل، فكم من حاجٍّ يعبد اللهَ على جهل، لا يتعلّم ولا يسأل، وكم من مُستفتٍ لو سَأَل قبلَ العمل لم يقَع في الحرج. وعلى القائمين على الحجّاج مسؤولية عظيمة، فليتّقوا الله، وكلّ راعٍ مسؤول عن رعيّته.

أيّها المؤمنون، إنَّ الأصلَ الذي بنِيَ عليه هذا البيتُ العظيم هو توحيدُ ربِّ العالمين القائل في محكم التنزيل: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا} [الحج:26]. وفي ثنايا آياتِ الحج قال سبحانه: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ} [الحج:30، 31].

فطهِّروا أعمالَكم رحمكم الله، والزَموا السنةَ في أعمالكم وجميعِ حياتكم، فإنّ الشركَ محبِط للعمل. والزَموا ذكرَ الله تعالى فهو سِمَة بارزَة في الحجّ، وهو إعلانٌ للتوحيدِ الذي هو شِعَارُ الحجّ: (لبّيكَ اللّهمّ لبيك، لبّيك لا شريك لك لبّيك، إنّ الحمدَ والنّعمة لكَ والملك، لبيك لا شريكَ لك)، وقد قال سبحانه: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ} [البقرة:203]، وقال: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} [البقرة:198]، وقال عزّ من قائِل: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّه}َ [البقرة:200]، وقال سبحانه: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} [الحج:28].

بارَكَ الله لي ولكم في القرآنِ العظيم، وسلَك بِنا سنّةَ سيّد المرسلين، أقول قولي هذا، وأستغفِر اللهَ تعالى لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفِروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله حقَّ حمدِه، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد نبيِّه وعبدِه، وأشهَد أن لا إلهَ إلاّ الله وحدَه لا شريكَ له تعظيمًا لمجدِه، وأشهد أنّ محمّدًا عبده ورسوله أزكَى الأنام وأفضل من حجَّ البيت الحرام، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبِه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم وعدِه.

أمّا بعد: أيّها المسلمون في كلّ مكان، عمّا قليلٍ ستحلّ الأيامُ العَشْر الأُولى من شهرِ ذي الحجة، وهي أيّامٌ عظّم الله قدرَها، ورفع ذكرَها، وأقسَم بها في كتابه فقال: {وَلَيَالٍ عَشْرٍ} [الفجر:2]، وفي صحيحِ البخاريّ عن ابن عبّاس رضي الله عنهما أن النبي ‘ قال: >ما مِن أيّامٍ العملُ الصالح فيها أحبّ إلى الله عزّ وجلّ من هذه الأيام العشر<، قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: >ولا الجهاد في سبيل الله، إلاّ رجلٌ خرَج بنفسِه وماله ثم لم يرجِع من ذلك بشيء<.

ويُستَحبّ فيها الإكثارُ من الصالحات وأنواعِ النوافل والتكبيرِ والتحميد والتهليل، فأحيوا هذه السنَنَ، وابتغوا عند الله الخير لعلكم تفلحون.

ومَن لم يكن حاجًّا فيُستَحبّ له صيام يومِ عرفة، لحديث أبي قتادةَ أن النبيَّ ‘ قالَ عن صوم يومِ عرفة: >أحتسِب على الله أن يكفّر السنةَ الباقية والماضية<. ومَن نَوى أن يضحِّي فلا يقصّ شيئًا من شَعرِه أو ظُفره من دخولِ العشر إلى أن يضحّي.

وثمّةَ أمرٌ مهمّ ينبغي تنبيهُ الناس عليه، ألا وهو التّسابقُ للفَتوى ممن لا يحسنها والقولُ على الله بلا عِلم، فكم من متسرِّعٍ أحرَجَ الحجاج، وربما حمل وِزرَ إفساد حجِّهم بتصدُّرِه للإفتاءِ وهو لم يُصدَّر، وبتدخُّلِه في التّوجيه وهو لم يُسأَل، وقد كان في عافيةٍ لو لزِمَ التقوى والورَع، ولقد كان الصحابةُ رضي الله عنهم يتدافَعون الفتوى، فما بالُ أقوامٍ اليومَ يتسابقون فيها كأنها غنيمَة؟! لا شكّ أنَّ تعليمَ الناس وإرشادَهم وإفتاءَهم من أعظم القُرُبات وألزمِ الواجبات، لكنّه للعلماء وطلبةِ العمل المدركين، أمّا من الجهّال والعوامّ فجريمة، وقد قرَن الله تعالى القولَ عليه بلا علم بالشركِ والإثم والبغي. إنّ الحجَّ عبادةٌ ونسُك تحتَاجُ إلى فقهٍ وعُمق، وعلى المؤهَّلين أن يقوموا بدورِهم ليُستَغنَى بهم عن غيرهم.

ثم اعلَموا ـ رحمكم الله ـ أن الله قد أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه، وثنى فيه بملائكته المسبحة بقدسه، وأيّه بكم أيها المؤمنون من جنّه وإنسه، فقال جل في علاه: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب:65].

اللهمّ صلِّ وسلِّم وبارك على عبدك ورسولك محمّد ما زهرت النجوم وتلاحمت الغيوم، وصل وسلم على نبيك وآله وأصحابه وأزواجه وذريته، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين...

 

لفضيلة الشيخ: صالح بن محمد آل طالب

والتي ألقيت بتاريخ: 26/11/1425هـ

(موقع المنبر على الشبكة العنكبوتية)

 

 

 

 

 

| طباعة | البريد الإلكتروني