الحياة العلمية في مكة المكرمة خلال القرن الرابع عشر الهجري

 الحياة العلمية في مكة00

الحياة العلمية في مكة المكرمة خلال القرن الرابع عشر الهجري

 

مكة المكرمة - شرفها الله - هي مهبط الوحي، ومنبع النور، ومنهل العلم والمعرفة، على يدي هادي الإنسانية ومعلم البشرية، سيدنا ونبينا محمد ابن عبد الله صلى الله عليه وسلم.

ولقد كانت أول آية نزلت عليه {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ* عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}، ومن دار الأرقم شعّ نور العلم على يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم-.

ولما كان التعليم أساس الحضارة، والقاعدة التي يبنى عليها وعي الأمة ومعرفتها، والضياء الذي يضيء آفاق الحياة الإنسانية؛ فقد نال التعليم أهمية عظيمة في حياة المسلمين، وكانت مكة المكرمة - حرسها الله - منبع هذا النور ومصدر هذا الخير من عهد الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين-؛ فمن المسجد الحرام شعّ نور العلم في حلقة الصحابي الجليل عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - ومن كان معه، وتتابع ذلك في عصر التابعين وأتباع التابعين ومن جاء بعدهم على مر السنين والقرون، ولقد كان المسجد الحرام هو منتدى للعبادة والعلم.

وقد ظهرت في مكة المكرمة مدارس تعليمية منذ العصور الأولى كان لها الأثر العظيم في نشر العلم في جميع أنحاء العالم الإسلامي، فمن المعروف أن مكة المكرمة مقصد المسلمين من كل مكان لتأدية مناسك الحج، وكانت الحلقات التي تعقد في المسجد الحرام مقصداً لأولئك الحجاج ينهلون من معين العلم الصافي، وقد كانت الحلقات تُدرس فيها شتى أنواع العلوم والمعرفة؛ من تدريس القرآن وتحفيظه وتفسيره، إلى الحديث وحفظه وشرحه، إلى الفقه والنحو والصرف والعقيدة، وغير ذلك من العلوم، وقد استمرت الحركة العلمية النشطة على هذا المنوال؛ من إقبال الطلاب وتعلمهم ورجوعهم إلى بلدانهم لنشر ذلك العلم الذي أخذوه، واستمرت هذه الحال إلى القرن الرابع عشر الذي نحن بصدد الحديث عنه.

يقول الشيخ محمد طاهر الكردي - رحمه الله -: ((المسجد الحرام أخرج من رجال الدين والعلم والصلاح منذ ظهور الإسلام إلى يومنا هذا - يعني القرن الرابع عشر - الشيء الكثير الوفير، وكان لهم من الشأن والبروز ما لو أطلقنا القلم لطال بنا البحث)).

والحديث عن الحياة العلمية في مكة المكرمة خلال القرن الرابع عشر متشعّب ومتعدّد الجوانب، يقول الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان - حفظه الله -: (( وُجِدت مكة المكرمة لتكون مركز إشعاعٍ ديني ومعرفي على مدى الأزمان والقرون، وبطبيعة الحال فإن هذا الإشعاع يتأثر بعوامل عديدة؛ يَقْوى حين يسود البلاد الأمن والرخاء، ويضعف إذا اختلَّ الأمن، وقست المعيشة فيها، كما أن للحالة السياسية والتشجيع من قبل الحكام وولاة الأمر دوراً فاعلاً لا يقل عن أي عامل آخر، والقرن الرابع عشر الهجري يمثل فترة زمنية سادها الأمن والرخاء؛ فأصبح متميزاً بارزاً بين القرون)).

ويأتي المسجد الحرام الجامع والجامعة في مقدمة الأماكن العلمية التي نهل منها الطلاب العلم؛ إذ كانت ساحاته وأروقته تغص بحلقات العلم التي كان يدرس بها علماء فطاحل من علماء الحرم المشهورين في علوم متعددة، وقد كانت حلقات التدريس بالمسجد الحرام من الكثرة بمكان، يقول الشيخ أحمد السباعي - رحمه الله -: ((وقد أحصيت حلقات التدريس في المسجد الحرام فبلغت في بعض الأوقات نحو 120 حلقة تتناوب التدريس في الآصال والبكور بين أطراف الليل والنهار في نشاط وزحام)).

ثم تأتي الكتاتيب في المكانة الثانية، والكُتَّاب: ((هو المكان الذي يتلقى فيه الصبيان العلم))، وقد انتشرت الكتاتيب في أحياء مكة المكرمة حتى بلغت عام 1305 هـ ثلاثة وأربعين كُتّاباً.

وقد أشار الشيخ أحمد السباعي - رحمه الله - إلى هذه الكتاتيب في هذا القرن قائلاً: ((وتعددت الكتاتيب في هذا العهد لتعلم القراءة والهجاء ومن أشهرها: كُتاب الشيخ محمد الخياط، والشيخ محمد العناني، والسيد عبد الله مجاهد، والشيخ عبد الله حمدوه السناري، والشيخ أحمد السوركتي)).

وقد كان التعليم في الكتاتيب يستغرق طَوال النهار من الصباح حتى الظهر، ثم يعودون إلى الدراسة بعد الغداء إلى ما بعد العصر، وفي بعض الكتاتيب يواصل الطلاب حتى أذان المغرب، وقد كان للفتيات كتاتيب يدرسن فيها، يقول الشيخ أحمد السباعي - رحمه الله -: ((وكان للفتيات كتاتيب موزعة في بعض أحياء مكة أشهرها كتّاب آسية في المروة))، وكان هناك احتفالات معروفة للكتاتيب، يقول الأستاذ فيصل مقادمي: ((عرفت الكتاتيب نوعين من الاحتفالات الخاصة بتعلم القرآن الكريم وحفظه، وذلك عندما يتخرج الطلاب، وينهون حفظ القرآن، أو عندما يجتازون مرحلة ما في حفظ قدر محدد من سور القرآن؛ فإذا وصل الطالب إلى هذا الحد أقام أهله احتفالاً بهذه المناسبة، وكانت هذه الاحتفالات تسمى الأصرفة والإقلابة)).

كما كانت هناك كتاتيب متخصصة في تعليم الخط العربي مع تعليم بعض المواد الأخرى كالحساب، يقول الأستاذ محمد رفيع: ((كما كان من وسائل التثقيف: ما يدعى بالخطاط يقوم بالمسجد الحرام))، ويواصل حديثه قائلاً: ((يجلس الأستاذ عند الباب، وأمامه صندوق صغير فيه ما يلزمه من أدوات الكتابة وترى التلاميذ منتشرين في الرواق الموالي للباب)).

ثم عرفت مكة المكرمة التعليم المدرسي فقد أنشئت مدارس لتعليم الطلبة وتدريسهم وقد كانت هذه المدارس ينشِئها المحسنون من الأثرياء من بلاد الإسلام، وقد اشتهر من هذه المدارس: المدرسة الصولتية، ومدرسة الفلاح، ودار العلوم الدينية، وغيرها من المدارس الأهلية التي أدت دوراً عظيماً في الحركة العلمية في مكة المكرمة.

يقول الأستاذ عمر عبد الجبار - رحمه الله -: ((ولما تخرج الفوج الأول من علماء المدرسة الصولتية ازدادت حلقات الدروس بالمسجد الحرام؛ إذ عقد المتخرجون حلقاتهم في كل حصوة ورواق)).

وفي العهد السعودي المبارك انتشر التعليم في جميع أنحاء البلاد، وقد شهدت المملكة العربية السعودية نشاطاً علمياً عظيماً؛ فانتشرت المدارس والمعاهد والجامعات، وأصبح التعليم ميسراً للجميع وبالمجان، بل إن الجامعات تعطي الطلاب مكافآتٍ تشجعهم على طلب العلم.

وقد أشار الشيخ محمد طاهر الكردي - رحمه الله - إلى انتشار التعليم قائلاً: ((في العهد السعودي انتشر التعليم في جميع البلاد، وكثرت المدارس كثرة فائقة، وتطورت أمور التعليم تطوراً عجيباً في جميع مراحله)).

وبهذا ظلت مكة المكرمة - حرسها الله - مقصد الطلاب من جميع أنحاء العالم الإسلامي؛ حيث يدرسون في المعاهد والجامعات. بارك الله في هذه البلاد والقائمين عليها

وبهذا يظهر لنا أن الحركة العلمية في مكة المكرمة لم تتوقف، بل استمرت وأخرجت الأجيال العلمية التي كان لها الفضل في انتشار العلم في بلاد المسلمين، وقد أشار إلى هذه الحقيقة الأستاذان محمد سعيد العامودي وأحمد علي بقولهما: ((إن حركة التعليم الديني في أم القرى لم تتوقف أو تضعف في أي عهد من العهود، برغم كل الظروف والأحداث والفتن، وإنما ظلت مستمرة مضيئة منذ القرن الهجري الأول إلى اليوم - يعني القرن الرابع عشر-، وهذا من فضل الله)).

 

المرجع: كتاب دور علماء مكة المكرمة في خدمة السنة والسيرة النبوية للدكتور رضا بن محمد صفي الدين السنوسي