لماذا لم تكن مكة من أجمل البلدان وأغناها

 هذه مكة

لماذا لم تكن مكة من أجمل البلدان وأغناها

 

وضع الله مكة المشرفة في وسط الجبال تحيط بها من جميع جهاتها، وجعل تربتها غير صالحة للزرع والنبات، وبهذا صرح إبراهيم – عليه الصلاة والسلام- كما حكى الله – تعالى- عنه في سورة إبراهيم: (ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون).

ورب قائل يقول: لماذا لم يجعل الله بلده الأمين تحف به الجنان والبساتين، وتكون فيه ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، كالشام ومصر وغيرهما من البلدان التي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها؟

فنقول: لم يجعله الله كذلك ليكون قاصده مخلصا في عبادة الله، لا يشرك فيها التنزه والتفسح وغيرهما، وأيضا أن الدنيا كلها لا قيمة لها عند الله – تعالى-، ولو كانت لها قيمة عنده لما سقى الكافر منها شربة ماء كما جاء في الأثر، وفي الحقيقة أن الكفار يتمتعون في الدنيا أكثر من المؤمنين؛ فلماذا يزينه الله بشيء حقير لا قيمة له؟!

ومن يطلع على أحوال أنبياء الله ورسله – صلوات الله وسلامه عليهم-، وعلى أحوال الصحابة والعلماء العاملين والأتقياء والصالحين؛ يجد أنهم في شظف من العيش، وضيق من الدنيا، ولقد خرج رسول الله – صلى الله عليه وسلم- منها؛ ولم يشبع من خبز الشعير.

دخل عمر بن الخطاب – رضي الله عنه- على رسول الله – صلى الله عليه وسلم- يوما، فوجده مضطجعا على حصير، وقد أثر في جنبه الشريف؛ قال: فنظرت ببصري في خزانة رسول الله – صلى الله عليه وسلم-؛ فإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع، ومثلها قرظا في ناحية الغرفة، وإذا أفيق معلق. قال: فابتدرت عيناي، قال: ما يبكيك يا ابن الخطاب؟

قلت يا نبي الله، وما لي لا أبكي، وهذا الحصير قد أثر في جنبك، وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى، وذاك قيصر وكسرى في الثمار والأنهار، وأنت رسول الله وصفوته وهذه خزانتك! فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم-: يا ابن الخطاب، ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا – يعني الروم والفرس-؟ قال عمر: قلت بلى.

فهذا الحديث رواه البخاري في صحيحه في أربعة مواضع، وأخرجه مسلم أيضا في صحيحه عن عمر بأربع روايات معناها واحد، وإن اختلفت ألفاظها غالبا. والأفيق: بفتح الهمزة وكسر الفاء الجلد الذي لم يتم دباغه، والقرظ: ورق السلم يدبغ به.

فانظر – رحمك الله تعالى- إلى أن الأنبياء – عليهم الصلاة والسلام- والصالحين الأخيار، ما كانوا ينظرون إلى الدنيا أبدا، وما كانوا يتبلغون منها غلا بقدر ضرورة الحياة؛ لأنها عرض زائل، والآخرة خير وأبقى.

فمن هنا تعلم أن الله – تعالى- لم يجعل البلد الأمين الذي فيه بيته المطهر وسط الجنان والأنهار، تحف به الزروع والثمار؛ على أنه – سبحانه وتعالى- قد خص مكة بأنواع الشرف، وفضّلها على جميع البلدان، وجعل من دخلها في أمن وأمان، وجعل خليله إبراهيم – عليه الصلاة والسلام- يدع لها بالأمن والرزق والخير، وجعلها بلدة أكرم أنبيائه محمد – صلى الله عليه وسلم-، كما جعلها مهبط الملائكة والأنبياء، ومنبع الدين الحنيف، ومكان نزول القرآن الشريف، ومقر الأتقياء والصالحين والعلماء المجتبين، وجعل خامس أركان الإسلام- وهو الحج- لا يتم إلا فيها، ولا يدخلها القادمون والحجاج إلا محرمين ومجردين.

هذه الميزات الخاصة والشرف الرفيع رفعت منزلة مكة إلى أعلى درجة في قلوب المؤمنين؛ لذلك تراهم ينجذبون إليها من كل فجٍ عميق، وإن كانت واقعة وسط الصحراء والجبال، كما ينجذب الحديد إلى المغناطيس، وما بقي لأهلها الصالحين الأتقياء، المستمسكين بالشريعة الغراء؛ كان أعظم وأجل يستوفونه – إن شاء الله تعالى- يوم الدين، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

نسأل الله العفو والعافية، والتوفيق والرضا، والختم على الإيمان الكامل؛ إنه سميع مجيب، بعباده لطيف خبير، وصلى الله على النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

 

المصدر: التاريخ القويم 1/542