الحقوق الواجبة للبلد الحرام

 

الحقوق الواجبة للبلد الحرام

 

إن بلدًا له من المكانة والمنزلة والقداسة والجلال كما لمكة المكرمة حريٌّ بأن يكون له حق عظيم على من عرف قدر هذا البلد ومكانته الجليلة، وجديرٌ أن يتعامل معه بقدر ما يشعر بجلالته وقداسته، وفي هذه الأسطر الآتية نتطرق إلى الحقوق التي يجب أن نعطيها لهذا البلد الكريم ونتعامل معه وفقها.

فمن تلك الحقوق: محبة هذا البلد والشوق إليه، تأسيا بالنبي صلى الله عليه وسلم في حبه له كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكة: «ما أطيبك من بلدٍ، وأحبك إليّ، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك».

ويقول ابن القيم مصورًا هذا الحب: (وقد ظهر سرُّ هذا التفضيل والاختصاص في انجذاب الأفئدة، وهوى القلوب وانعطافها ومحبتها لهذا البلد الأمين، فجذبه للقلوب أعظم من جذب المغناطيس للحديد.

ولهذا أخبر سبحانه أنه مثابة للناس، أي: يثوبون إليه على تعاقب الأعوام من جميع الأقطار، ولا يقضون منه وطرًا، بل كلما ازدادوا له زيارةً، ازدادوا له اشتياقًا.

فلله كم لها من قتيل وسليبٍ وجريحٍ، وكم أُنفق في حبها من الأموال والأرواح، ورضي المحب بمفارقة فلذ الأكباد والأهل، والأحباب والأوطان، مقدِّمًا بين يديه أنواع المخاوف والمتالف، والمعاطف والمشاق، وهو يستلذ ذلك كلَّه، ويستطيبه، ويراه – لو ظهر سلطان المحبة في قلبه – أطيب من نِعَمِ المتحلية، وترفهم ولذاتهم، وليس مُحبًا من يَعُدُّ شقاءه عذابًا إذا ما كان يرضي حبيبَه).

ومن حقوق البلد الحرام: تعظيمُه كما أمر الله تعالى، سواء كان التعظيم في الاعتقاد أو الأفعال أو الأقوال؛ لأن تعظيم البلد الحرام نابع من القلب، وهو تعظيم لمحرِّم هذا البلد.

ولهذا التعظيم مظاهر متعددة متنوعة، فمن ذلك: عدم الصيد، والتعرض له، وعدم قطع الأشجار والكلأ، والتقاط اللقطة، وعدم الاعتداء على الناس وأموالهم وأعراضهم، وعدم المشاجرة فيه، وعدم البغضاء والشحناء، والحقد والحسد.

ومن حقوق بلد الله الحرام على سكانه: أن يكون الساكن على قدر المسؤولية التي نيطت به، وأكرمه الله بها، فصار من أهل الحرم، واختير ليكون من سكان هذه البلدة المباركة، ومجاوري بيته العتيق، وكل هذا يقتضي الشعور بهذه النعمة، والقيام بحقها وأداء واجبها.

وقد قال الله تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُون} [القصص:68]؛ فهنيئًا لمن اختاره الله تعالى ليعيش حياته في أقدس بقعةٍ على وجه الأرض، مجاورًا لبيت الله الحرام، متنعمًا بالأمن والإيمان والعيش الرغيد.

ومن حقوق البلد الحرام على ساكنه أيضًا: ألا يكون سبباً في تجرئة الناس على إهانة حرمة الحرم، أو تخفيف هيبته في نفوسهم؛ وذلك لأن ساكن الحرم إذا ارتكب فاحشةً، أو محظوراً، ورآه غيره من الناس أدى ذلك إلى استخفافهم بحرمة الحرم؛ ولهذا فإذا هانت حرمة الحرم على أهله وساكنيه هانت على غيرهم من الناس، ولذا حذر النبي صلى الله عليه وسلم من انتهاك حرمة الحرم، فأخرج أحمد وابن حبان والحاكم مصححًا عن سعيد بن سمعان أنه قال: سمعت أبا هريرة يخبر أبا قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" يُبايعُ لرجل ما بين الركن والمقام، ولن يستحل البيتَ إلا أهلُه، فإذا استحلوه فلا يُسأل عن هلكة العرب، ثم تأتي الحبشة فيخربونه خرابًا لا يعمر بعده أبدا، وهم الذين يستخرجون كنزه".

ومن حقوق هذا البلد المبارك: الحرص على طهارته ونظافته، ومراعاة حرمته وقداسته امتثالاً لقول الله تعالى: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُود} [البقرة: 125].

وقد ذكر أهل العلم أن المراد من تطهير البيت: ما يدل عليه لفظ التطهير من محسوس بأن يحفظ من القاذورات والأوساخ؛ ليكون المتعبِّد فيه مقبلاً على العبادة دون تكدير، ومِن تطهير معنوي وهو أن يُبْعَد عنه ما لا يليق بالقصد من بنائه من الأصنام والأفعال المنافية للحق كالعدوان والفسوق، والمنافية للمروءة كالطواف عرياً دون ثياب الرجال والنساء".

ومن حقوق البلد الحرام كذلك: الحرص على عدم التعرض لعقوبة الله تعالى وسخطه، وذلك بارتكاب المعاصي التي تُخل بحرمة الحرم؛ لأن الله يغار على حرمه.  

وقد توعد الله من همّ بمعصية في الحرم بالعذاب الأليم فقال الله تعالى: {وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاء الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيم} [الحج: 25]، قال ابن مسعود رضي الله عنه: (لو أن رجلا هم فيه بإلحاد وهو بعدن أبين؛ لأذاقه الله عز وجل عذابا أليما)، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (يا أهل مكة، اتقوا الله في حرم الله، أتدرون من كان ساكن هذا البيت؟ كان به بنو فلان فأحلوا حرمه فأهلكوا، وكان به بنو فلان فأحلوا حرمه فأهلكوا، حتى ذكر ما شاء الله من قبائل العرب أن يذكر، ثم قال: لأن أعمل عشر خطايا في غيره أحب إلي من أن أعمل هاهنا خطيئة واحدة).

ومن حقوق البلد الحرام أيضًا: عدم التبرم من ضيق العيش، وشدة الحياة، وشظف المجاورة؛ وذلك لأن الغُرم بالغنم، فإذا كان ينال من الثواب على فعل الطاعات أضعاف ما يناله من خارج الحرم؛ فعليه أن يدفع ثمن ذلك بالمقابل، فهو مع تعظيمه للحرم يصبر على ما يلاقي؛ لأنه بصبره هذا ينال شفاعةً وشهادة من النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، وهذا مكسب كبير لا يقدر بثمن، وأغلب المسلمين يرغب في هذه النتيجة الشفاعة أو الشهادة، بل كل المسلمين - إن شاء الله تعالى -.

ومكة لها لأواء، سواءٌ في العيش، أو في السكنى؛ لأنها {بوادٍ غير ذي زرع}، وإذا كنت – يا أيها المسلم - تعيش في بُحْبُوحةٍ من العيش؛ فإن كثيرين غيرَك لا يعرفون تلك البحبوحة وهم بجوارك، ويصلون معك.

ومن حقوق البلد الحرام كذلك: السعي في تعميره، وزراعةِ أراضيه، وقيامِ المصانعِ فيه، والعملِ على صرف أموالِ أهله فيه، لا أن تصرفَ أموالُه خارجَه، فعلى الأغنياء فيه صرفُ أموالهم في مشاريع – فيه - تعود على أهله بالخير والسعادة والرفاهية، من تحسين لأمورهم، وبناء المدارس والمستشفيات والجامعات؛ لأن هذا من أوائل الحقوق له على سكانه، وهذا مما يعود بالخير والبركة والنماء على الأغنياء وعلى أهله أيضاً.

ومن أهم ما يجب العناية به في شأن البلد الحرام: أن تُرَسَّخَ حرمةُ الحرم في أذهان الناشئة، بتعليمهم الواجب نحوه، حتى ينشأ الأولاد على تعظيم الحرم وحرمته وتوقيره، والأخذ بآداب العيش فيه، وتعليمهم المآثر الموجودة فيه أيضاً، ولغفلة كثير من الآباء عن ذلك شطَّ الأولاد، ووقعوا في كثير من المخالفات، فكم من ولد يصيد حمام الحرم، وكم من لا يهتم بأمر لقطته، أو قطع شجره، والله تعالى المستعان.

وختامًا، فإن هذه الحقوق التي ذكرناها يجب على ساكن بلد الله الحرام أن يعتني بها؛ فيتعلمها، ويعمل بها، ويعلمها من هم تحت مسؤوليته من أهله وأبنائه، ويسعى في نشرها وبثها بين سكان هذا البلد الكريم؛ لعل ذلك يكون فيه أداء لبعض حق النعمة العظيمة، نعمة مجاورة البيت الحرام، وبذلك تدوم هذه النعمة ويبقى لنا شرف الجوار.

نسأل الله تعالى أن يوفقنا ويعيننا على شكر نعمه، ويجيرنا من التفريط في حقها؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.

 

 

 

| طباعة | البريد الإلكتروني