تعظيم البلد الحرام

 

تعظيم البلد الحرام

يقول الله تبارك وتعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج:32].

تقرر الآية الكريمة أن تعظيم شعائر الله عز وجل دلالة على وجود التقوى في قلب من يعظمها، وشعائر الله: هي كل ما أمر الله بزيارته أو بفعل يوقع فيه فهو من شعائر الله، أي: مما أشعر الله الناسَ وقرَّره وشَهَّره، وهي معالم الحجّ: الكعبة، والصفا والمروة، وعرفة، والمشعر الحرام، ونحوها من معالم الحجّ. ومكة أيضًا من شعائر الله، بل إن بيت الله الحرام هو أعظم الشعائر كلِّها، كما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما، فكان هو الأحق بالتعظيم والتقديس والإجلال.

فما هو المراد بالتعظيم الذي أمرنا الله به؟ وكيف يتحقق هذا التعظيم؟

هذا سيكون محور حديثنا في هذا المقال بإذن الله تعالى، فنقول مستعينين بالله تعالى:

إن المراد بالتعظيم: هو التقدير والإجلال الذي ينبعث من القلب لأمرٍ ما حسيًّا كان أو معنويًّا، وقد يقترن بالمحبة له والهيبة منه.

فالتعظيم يعني إجلالَ المعظَّم وتقديرَه وإظهارَ تميُّزِه عن غيرِه؛ لذا كانت قريش في الجاهلية يحرمون أن يسكنوا مكة، ويعظمونها أن يبنوا بها بيتًا، وكانوا يكونون بها نهارًا، فإذا جاء الليل خرجوا إلى الحل، ولا يستحلون الجناية بمكة، فأذن لهم قصي أن يبنوا في الحرم.

ويروى أن أول من خلع نعليه عند دخول الكعبة في الجاهلية الوليد بن المغيرة، فخلع الناس نعالهم في الإسلام.

فهذا جزء من صور التعظيم لمكة في الجاهلية، وهي نابعة من تقدير العرب لها وإجلالِهم للكعبة المشرفة، وكل ذلك نابع من القلب بلا شك، وهو من علامات المحبة لها.

وتعظيم مكة هو تقديسُها وإجلالُها، وهذا له جانبان:

الجانبُ الأولُ: جانبٌ شرعيٌّ، وهو اعتبارُ كلِّ ما جاء في الشرع بخصوصِ مكةَ من أمر أو نهي أو وصف خاص؛ فيدخل في ذلك: تقديسُها ومحبتُها؛ لأن اللهَ عز وجل يحبها، ورسولَه صلى الله عليه وسلم يحبها، كما في حديث عبد الله بن عَدِيٍّ رضي الله عنه أنه قال: رأيتُ الرسولَ الله صلى الله عليه وسلم واقفًا على الحَزْوَرةِ فقال: (والله إنّكِ لخيرُ أرضِ اللهِ، وأَحَبُّ أرضِ اللهِ إلى الله، ولولا أنّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ ما خرجت) رواه الترمذي وصححه الألباني.

ويدخل فيه أيضًا: مراعاة خصائصها؛ لتتميز عن غيرها من البلدان، وذلك كتحريم الصيد فيها، والنهي عن التقاط لقطتها إلا لمنشد، وغيرها من الأحكام الخاصة بها.

ويدخل في التعظيم الشرعي أيضًا: تطبيقُ الأوامرِ فيها؛ لأن ذلك من تعظيم الله أولاً، وتعظيمِ ما عظَّمه ثانيًا؛ فقد قال عليه الصلاة والسلام: (والذي نفسي بيده، لا يسألوني خُطّةً يعظمون فيها حُرُماتِ اللهِ، إلا أعطيتُهم إياها...) الحديث أخرجه البخاري.

أما الجانب الثاني من التعظيم: فهو التعظيم العُرْفي، وهو اعتبارُ كل ما جعله الناس مما لم يرد في الشرع من المعاني لتعظيم مكة بشرط عدم مخالفته الصريحة للنصوص.

وذلك نحو ما جاء عن المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ ومروانَ بنِ الحكم أنهما قالا: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية – فذكرا قصة الحديبية بطولها، وفيها – وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثنية التي يُهبَطُ عليهم منها؛ بركتْ به راحلتُه، فقال الناس: حلْ حلْ، فألحّت - أي تمادت على عدم القيام -، فقالوا: خَلأتِ القَصْواءُ - أي: امتنعت عن المشي -، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: (ما خَلأتِ القَصْواءُ، وما ذاك لها بخُلُقٍ، ولكنْ حَبَسَها حابسُ الفيل). ثم قال: (والذي نفسي بيده، لا يسألوني خُطَّةً يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها ... ) الحديث أخرجه البخاري.

فقوله عليه الصلاة والسلام: (لا يسألوني خُطة يعظمون فيها حرمات الله، إلا أعطيتهم إياها) فيه اعتبار لما تعارف عليه الناس مما يدل على التعظيم.

كما كانت قريش تفعل قديمًا من عدم بنائهم في مكة، ودخولهم للحرم حفاة، وغيرِ ذلك قديمًا وحديثًا مما لم يأتِ في الشرع ولم يخالفْه.

ومن ذلك أيضًا: ما فعله النبيُّ صلى الله عليه وسلم وأصحابُه من تقليدِ الهديِ وإشعاره حين قدم عليه من يحب ذلك ويراه نوعًا من التعظيم للبيت الحرام وشعائره، ففي قصة صلح الحديبية في سيرة ابن هشام أن النبي صلى الله عليه وسلم حين رأى الحُلَّيْسَ بنَ عَلْقَمةَ الكِنانيَّ – وهو زعيم الأحابيش التي تمثل ثلثي قوة قريش – قادمًا إليه من جهة قريش أمر أصحابه أن يبعثوا البُدْنَ أمامه؛ فبعثوها واستقبله الناس يُلبون، فلما رأى ذلك قال: (سبحان الله، ما ينبغي لهؤلاء أن يُصدُّوا عن البيت)، وقال لأصحابه حين عاد إليهم: (رأيتُ البُدْنَ قد قُلِّدتْ وأُشْعِرَتْ؛ فما أرى أن يُصَدُّوا عن البيت)، فلمّا رأى أن قريشًا لم تلتفت إلى رأيه؛ غضب وقال: (يا معشر قريش، والله ما على هذا حالفناكم، ولا على هذا عاقدناكم أن تَصُدُّوا عن بيت الله من جاءه معظِّمًا له، والذي نفسُ الحُلَّيْسِ بيدِه لَتُخَلن بين محمدٍ وبين ما جاء له، أو لأنفرنّ بالأحابيشِ نفرةَ رجلٍ واحد).

فانظر إلى موقف الحُلَّيسِ وتعظيمِه لشعيرة الهدي وهو جاهلي لم يسلم بعد؛ وما ذاك إلا لأن عُرْفَهم أن تقليدَ البُدْنِ من تعظيمِ البيت، فمن كان كذلك لا ينبغي أن يُحالَ بينه وبين البيت.

ولقد جاء في الشريعة الكثيرُ من النصوص الدالةِ على تعظيم هذا البلد الحرام، فلعلنا نذكر الآن بعضًا من تلك النصوص:

- فمنها: حديث عَيّاشَ بنِ أبي ربيعةَ رضي الله عنه أنه قال: سمعتُ النبيَّ
صلى الله عليه وسلم يقول: (لاَ تَزَالُ هَذِهِ الْأُمَّةُ بِخَيْرٍ مَا عَظَّمُوا هَذِهِ الْحُرْمَةَ حَقَّ تَعْظِيمِهَا، فَإِذَا تَرَكُوهَا وَضَيَّعُوهَا هَلَكُوا) أخرجه أحمدُ وابن ماجه وحَسَّنه الحافظُ ابنُ حجر العسقلاني.

- ومنها: ما أخرجه الشيخان عن أبي شُرَيحٍ العَدَوِيِّ رضي الله عنه أنه قال لعمروِ بنِ سعيد، وهو يبعث البُعوثَ إلى مكة: ائذنْ لي - أيها الأميرُ - أحدثْك قولاً قام به النبيُّ صلى الله عليه وسلم الغَدَ من يومِ الفتح، سمعتْه أُذُنايَ، ووعاه قلبي، وأبصرتْه عَينايَ حين تكلم به: حَمِدَ اللهَ، وأثنى عليه، ثم قال: (إن مكة حرَّمها اللهُ، ولم يحرمْها الناسُ، فلا يَحِلُّ لامرئ يؤمن بالله واليومِ الآخر أن يسفكَ بها دمًا، ولا يَعْضِدَ بها شجرةً، فإنْ أحدٌ تَرَخَّصَ لقتالِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فيها فقولوا: إنّ اللهَ قد أَذِنَ لرسولِه، ولم يأذنْ لكم، وإنما أَذِن لي فيها ساعةً من نهار، ثم عادتْ حُرمتُها اليومَ كحرمتِها بالأمس، ولْيُبَلِّغِ الشاهدُ الغائبَ).

- ومنها: ما أخرجه الشيخان أيضًا عن أبي هريرة رضي الله عنه أن أبا بكرٍ الصديقَ رضي الله عنه بعثه في الحجة التي أمَّره عليها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قَبْلَ حجةِ الوداع يومَ النحر في رَهْطٍ يؤذِّن في الناس: ألّا يحُجّ بعد العام مشركٌ، ولا يطوف بالبيت عُرْيان).

فهذه بعض النصوص الشرعية التي بينت حرمة مكة ووجوب تعظيمها.

بماذا يكون التعظيم للبلد الحرام؟

الجواب: إن أهمَّ عواملِ التعظيمِ لمكةَ أمران:

الأمر الأول: العمل بجميع ما خصته النصوص لهذه البقعة، كتحريمِها، والأمنِ لمن حلّ فيها، وعمارتِها بالطاعة والعبادة، وغيرِ ذلك من الخصائص.

والأمر الثاني: تعظيم أوامر الباري سبحانه وتعالى، وتعظيم الأوامر هو الأصل لتطبيقِها ومراعاتِها؛ فالمعظِّمُ لمكةَ لا بد أن يكون مُعَظِّمًا لشرع الله وأمرِه قبل كل شيء وقد جاء أيضًا في تفسير قوله تعالى: {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ} بأن من تعظيم شعائر الله تعظيمَ الأمر والنهي.

قال عطاء بن أبي رباح: شعائرُ الله: جميعُ ما أمر الله به ونهى عنه.

وقال ابن كثير قوله تعالى: {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ} أي: أوامره.

وتعظيم البلد الحرام في الحقيقة هو تطبيق مراد الله تعالى الذي أراده لهذه البلدة المباركة، فما أعظم أن يسارع العبد في تحقيق ما أراده منه ربه جل وعلا، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.

نسأل الله أن يعيينا على إنفاذ أوامره، والالتزام بشريعته، وتعظيم شعائره، كما يحب ربنا ويرضى.

| طباعة | البريد الإلكتروني