مؤكدات تعظيم البلد الحرام

 

مؤكدات تعظيم البلد الحرام

 

إن تحريم مكة المكرمة احتف به أمور يدرك منها النَّاظر المتأمل قدر هذه البلدة إدراكًا يقربه إلى مواطن رضا ربه ويباعده عن مواقع سخطه، وسنذكر من ذلك نتفًا تضيء الطريق لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

وأولى هذه النتف: أن تحريم مكة من الله تعالى وليس من الناس؛ فهذا ما نطقت به الأدلة من الكتاب والسنة قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِين﴾[النمل:91].

قال ابن جرير الطبري عليه رحمة الله: (وإنما قال جلّ ثناؤه: ﴿رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ فخصها بالذِّكْر دون سائر البلدان، وهو ربّ البلاد كلها؛ لأنه أراد تعريف المشركين من قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين هم أهل مكة، بذلك نعمته عليهم، وإحسانه إليهم، وأن الذي ينبغي لهم أن يعبدوه هو الذي حرّم بلدهم، فمنع الناس منهم، وهم في سائر البلاد يأكل بعضهم بعضا، ويقتل بعضهم بعضا، لا من لم تجر له عليهم نعمة، ولا يقدر لهم على نفع ولا ضرّ).

إن ما ذُكِّرت به قريش من آلاء وَنِعَم يُذَكَّرُ به كل من منَّ الله عليه بسكان البلد الحرام، ولا سيَّما في هذه الأيام التي يتخطف الناس من حولهم وهم في أمن وأمان من كل ذلك، فواجب عليه القيام بطاعة الله، وامتثال أمره واجتناب نهيه؛ لأن المعاصي والتهاون فيما أوجبه الله على عباده إذا كثر ذلك بالبلد الحرام كان الخطر على أهله أكثر من الخطر على غيرهم؛ فالمعصية في مكان فاضل أعظم من المعصية في مكان مفضول، ولهذا قال الله تعالى: {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم} [الحج: 25]. فتوعد الله تعالى من أراد فيه، أي من همَّ فيه بإلحاد فضلا عمن ألحد.

والواجب على المرء أن يذكر نعمة الله عليه في كل مكان ويتأكد ذلك فيكم يا سكان الحرم.

وما دلت عليه الآية من أن الله تبارك وتعالى تولى تحريم مكة المكرمة دلت عليه سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم كما في قوله: (إنّ مكة حرمها الله ولم يحرِّمْها الناس؛ فلا يَحِلُّ لامرئ يؤمن بالله واليوم والآخر أن يسفك بها دمًا، ولا يَعْضِدَ بها شجرة، فإنْ أحدٌ ترخّص بقتال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فيها فقولوا: إنّ الله أَذِن لرسولِه ولم يأذنْ لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار، وقد عادت حرمتُها اليوم كحرمتِها بالأمس، ولْيُبَلِّغِ الشاهدُ الغائبَ...) أخرجه الشيخان.

قال القرطبي: (معناه أنّ الله حرم مكة ابتداءً من غير سبب يُنسَب لأحدٍ، ولا لأحدٍ فيه مدخل؛ ولهذا أكد المعنى بقوله {ولم يحرّمها الناس}).

وثاني هذه المؤكدات لمكانة مكة المكرمة عند الله تبارك وتعالى أنه سبحانه وتعالى أضافها إلى نفسه جلَّ في علاه، كما في قوله: ﴿ربَّ هذه البلدة﴾، فلا شك أن في هذا تشريف وإشادة بمكانتها وإلا فإنه سبحانه ربُّ سائر البلاد والبقاع، يقول الألوسي: (وتخصيصُها أي(مكة) بالإضافة لتفخيمِ شأنِها، وإجلالِ مكانِها، والتعرضُ لتحريمِه إياها تشريفٌ لها بعد تشريف، وتعظيمٌ إثر تعظيم).

وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذا الحكم، أي: تحريم مكة المكرمة؛ ليس حكمًا اختصت به ملة دون ملة أو أمة دون أمة، تحريمُ مكة شأن قدّره الله وحكم به يوم خلق السماوات والأرض، فهي بلد محرم قبل خلق الناس، وقبل أن يسكنها أحد من بني آدم، و قائم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فلا يتبدل بتطاول الأزمان غير ساعة من نهار أُذِن فيها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتحها وتطهيرها من الكفر وأهله ثم عادت حرمتها كحالها بالأمس، عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال النّبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلط عليهم رسوله والمؤمنين، ألا وإنها لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، ألا وإنما أحلت لي ساعة من نهار، ألا وإنها ساعتي هذه حرام، لا يختلى شوكها، ولا يعضد شجرها، ولا يلتقط ساقطتها إلا منشد، ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما يودى وإما يقاد) أخرجه البخاري.

وثالث هذه الملامح والمؤكدات تلكم العناية التي حظيت بها مكة المكرمة من أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين؛ فخليل الرحمن إبراهيم عليه السلام أَبَان حرمتها كما أخبر بذلك المصطفى صلى الله عليه وسلم بقوله: (إنّ إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها، وإنّي حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة، وإني دعوت في صاعها ومدها بمثلي ما دعا به إبراهيم لأهل مكة) أخرجه مسلم.

ونبِيِّنا محمد بن عبد الله عليه من ربِّه أفضل صلاة وأتم تسليم بيّن ذلك أَبْيَنَ بيان وأوضحه كما في الحديث السابق، بل إنه صلى الله عليه وسلم قد أكد غاية التأكيد على ضرورة مراعاة هذه الحرمة حتى ربط بقاء الأمة وسلامتها من الشُّرور والفتن ببقاء معاني التعظيم في نفوسهم وقيامهم بما يقتضيه ذلك، فعن عيّاشِ بنِ أبي ربيعة رضي الله عنه أنه قال: سمعت النّبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول: (لاَ تَزَالُ هَذِهِ الْأُمَّةُ بِخَيْرٍ مَا عَظَّمُوا هَذِهِ الْحُرْمَةَ حَقَّ تَعْظِيمِهَا، فَإِذَا تَرَكُوهَا وَضَيَّعُوهَا هَلَكُوا) أخرجه أحمد، وحسنه الحافظ ابن حجر.

ولما قدم صلى الله عليه وسلم عام الحديبية قاصدًا بيت الله لأداء العمرة ووقفت قريش في وجهه وأشهرت السلاح لتصده عن دخول الحرم؛ ما كان منه عليه الصلاة والسلام إلا أنه أبدى المرونة والسهولة في الموقف، وكان من الممكن بما معه من صحب كرام أن يدخل الحرم رغم أنف قريش، لكن إجلالًا لحرمة مكة قال: (والذي نفسي بيده لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إيّاها). فكان مما سألوه أن يعظم به أهل الحرم أن يرد إليهم من خرج عنهم مسلمًا أو غيره، وألا يردوا ولا يخرجوا من الحرم أحدًا من المسلمين، فعاقدهم على ذلك عليه الصلاة السلام.

والحكمة الربانية من تعظيم مكة المكرمة قد لا نحيط بها علمًا؛ فمدينة حُدِّت أعلامها من قبل أمين الوحي جبريل عليه السلام بصحبة خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام؛ فلا يشك عاقل أن لذاك مغزى فوق تصورات البشر فعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (أول من نصب أنصاب الحرم إبراهيم عليه السلام، يريه ذلك جبريل عليه السلام، فلما كان يوم فتح مكة بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم تميم بن أسد الخزاعي، فجدد ما رث منها).

أيظن أن هذا الاهتمام والعناية الإلهية ليس وراءها شأن قد يكون فوق تصوراتنا؟ كلا، بل إننا على يقين تامِّ على أن هذه الأعلام لم تُوضع إلا لحكمة ربانية، لكننا عاجزون عن إدراك ذلك.

نسأل الله أن نستفيد من هذه الخصائص في غرس تعظيم مكة في قلوبنا؛ فيظهر إجلالها في سلوكنا وتعاملنا مع الأوامر والنواهي على ثراها الطاهر.

| طباعة | البريد الإلكتروني