مكة المكرمة في آيات القرآن الكريم (1)

مكة المكرمة في آيات القرآن الكريم (1)

يقول الله تبارك وتعالى: {لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ} وقال {وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ}.  

قال ابن عاشور: قوله: {لا أقسم} كنايةٌ عن تعظيمِ أمرِ المُقْسَمِ به. والإِشارةُ (بـهذا) مع بيانه بالبلد إشارةٌ إلى حاضر في أذهان السامعين، كأنهم يرونه؛ لأن رؤيتَه متكررةٌ لهم، وهو بلد مكة، ومثلُه ما في قوله: {إنما أُمرت أن أعبد ربَّ هذه البلدة}، وفائدةُ الإِتيان باسم الإِشارة تمييزُ المقسَم به أكْمَلَ تمييزٍ لقصدِ التنويهِ به.

والقسم تأكيد الشيء بذكر معظم على وجه مخصوص، فكل شيء مَحْلُوف به لابد أن يكون معظمًا لدى الحالف، وأقسم اللهُ تعالى بالبلدة لشرفها وعظمها، فهي أعظم بقاع الأرض حرمةً، وأحب بقاع الأرض إلى الله عز وجل، ولهذا بعث منها سيد البشر صلى الله عليه وسلم، فجدير بهذا البلد الأمين أن يُقسم به، ولكن المخلوق، لا يجوز أن يقسم بها، لقوله النبي صلى الله عليه وسلم: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك).

وقد اختلف المفسرون في المراد بقوله: {وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ} فقيل المعنى: أقسم بهذا البلد حال كونك حالًا فيه؛ لأن حلول النبي صلى الله عليه وسلم في مكة يزيدها شرفًا إلى شرفها.

وقيل المعنى: أنت تستحل هذا البلد، فيكون إقسام الله تعالى بمكة حال كونها أُحِلَّ للرسول صلى الله عليه وسلم عام الفتح القتال فيها ولم يحل لأحد قبله، ولا يحل لأحد بعد ذلك، كما قال عليه صلى الله عليه وسلم: (وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس).

وفي كلا المعنيين المذكورين دليل على عظمة مكة المكرمة فقد قرر أهل العلم أن الحلف لا يكون إلا بذكر معظم في النفس، أما فوائد الآية فهي كما يلي:

أولاً: في الآية بيان لعِظَم شأن البلد الحرام عند الله تبارك.

ثانيًا: في الآية دليل أيضًا على أن لله جلَّ في علاه أن يحلف بما شاء من مخلوقات، وأما المخلوق فلا يجوز له الحلف إلا بالله تبارك وتعالى لقوله صلى الله عليه وسلم: (من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت).

هذه الآية الأولى من الآيات التي خصصناها للحديث عنها في هذا المقال.

أما الآية الثانية فقول الله تبارك وتعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ}.

في هذه الآية الكريمة من كلام ربِّنا سبحانه وتعالى بيان مناشدة خليل الرحمن إبراهيم - عليه وعلى نبيِّنا أفضل صلاة وأتم تسليم - ربه بأن يمنَّ على أهل البلد الحرام بالأمن والرزق الوفير. يا لها من نِعَمٍ لا تعادلها نعمة. فالأمن يا عباد الله نعمة لا يكون للحياة طعم ومعنى إلا به؛ ولهذا كان مما امتنَّ به الباري على عباده المؤمنين الذين باعوا أنفسهم ومهجهم طمعًا فيما عند الله فقال سبحانه وتعالى {فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}.

فهذه النعمة التي هي من أهم النِّعم، وأعظمها وأهمها عند الناس قد حبانا الله إيَّاها كرمًا منه ومنَّةً، والواقع اليوم خير شاهد على ذلك؛ ففي عالم اليوم يتخطف الناس من حولنا، فَقَلَّ أن تجد قطعةً من الأرض إلا والناس يتناحرون فيها ويعتدي بعضهم على بعض فِي حِينَ أن ديارنا لله الحمد والمنة في أمن واستقرار تام؛ فكم نحن بحاجة إلى أن نشكر الله تعالى على ما أولانا من آلائه ونعمه. اللهم لك الحمد حتى ترضى ولك الحمد إذا رضيت.

من فوائد الآية الكريمة:

أولاً: أهمية الأمن في حياة الناس؛ فلولا أن للأمن أهمية كبيرة لما استحق اهتمام خليل الرحمن، فواجب على من أكرمه الله بسكنى هذه البلاد أن أيحافظ على هذه النعمة التي اهتم بها إبراهيم عليه السلام ورأى بأنها جديرة بأن يرفع يديه إلى واهب النعم ويسأله إيَّاها سبحانه وتعالى.

ثانيًا: التنويه بفضل إبراهيم عليه السلام؛ لأن قوله تعالى: {وإذ قال} على تقدير: واذكر إذ قال، ولولا أن هذا أمر يستحق التنويه والإعلام ما أمر به.

ثالثًا: أنه لا غنى للإنسان عن دعاء الله مهما كانت مرتبته؛ فلا أحد يستغني عن الدعاء أبداً، ولما كان رسل الله أعلم الناس بالله سبحانه وتعالى كانوا أكثر الناس مناجاة وافتقاراً إلى ربهم سبحانه وتعالى وسؤالا إياه، يقول الله تبارك وتعالى واصفًا حالهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ}.

رابعًا: أن في الآية إشارة إلى أن للدعاء أثراً في حصول المقصود، سواء كان لدفع مكروه، أو جلب محبوب؛ لأنه لولا أن للدعاء أثراً لكان الدعاء عبثاً، وأنبياء الله ورسله منزهون عن العبث صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

ونتناول الآن آية أخرى، وهي قول الله تبارك وتعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ}.

في هذه الآية الكريمة يأمر الله سبحانه وتعالى كل من يصح توجيه الخطاب إليه أن يتذكر بعض المنن التي منَّ بها على أرض الحرمين، من ذلك ما جُلِبَ عليه العباد من الميل إلى حج بيته العتيق والرحلة إليه المرة بعد المرة من كل فج عميق، قال السعدي رحمه الله: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً} أي: مَرجِعًا يثوبون إليه لحصول منافعِهم الدينية والدنيوية، يترددون إليه، ولا يقضون منه وَطَرًا، وجعله آمنًا يأمن به كلُّ أحد، حتى الوحشُّ، وحتى الجماداتُ كالأشجار. ولهذا كانوا في الجاهلية على شركهم يحترمونه أشدَّ الاحترام، ويجد أحدُهم قاتلَ أبيه في الحرم فلا يُهِيجُه، فلما جاء الإسلام زاده حرمًة وتعظيمًا وتشريفًا وتكريمًا.

من إرشادات الآية الكريمة ما يلي:

أولًا: رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده؛ فإنه لما جعل هذا البيت مثابةً، والناس لابد أن يرجعوا إليه رحمهم بأن جعله أمناً؛ فلم يحل لأحد قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما أُحِلَّت له ساعة من نهار للضرورة (وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس) والحكم لله العلي الكبير. فأذِن لرسوله في تلك الساعة ولم يأذن لأحد بعده كما لم يأذن لأحد قبله، ولهذا نُهي حتى عن حمل السلاح فيها حتى يبقى كل إنسان آمناً فيها، ولما طُعِنَ ابن عمر رضي الله عنه في أخْمص قدمه حتى لزقت قدمه بالركاب وجاءه الحجاج يعوده؛ قال الحجاج لو نعلم من أصابك؟ فقال ابن عمر: أنت أصبتني قال: وكيف؟ قال: (حملت السلاح في يوم لم يكن يحمل فيه، وأدخلت السلاح الحرم ولم يكن السلاح يدخل الحرم). فاللهم زد بيتك مهابة وتشريفًا.

ثانيًا: من إرشادات الآية أنه لا يجوز أن يترك عند بيت الله الحرام قذر من الأقذار، ولا نجس من الأنجاس المعنوية ولا الحسية، فلا يترك فيه أحد يرتكب ما لا يرضي الله، ولا أحد يلوثه بقذر من النجاسات، فواجب على من أكرمه الله بمجاورته أن يطهر قلبه من التعلق بغير الله، ومن أمراض النفوس، ويعتني بمظهر وملبسه.

طباعة