مكة المكرمة في آيات القرآن الكريم (2)

مكة المكرمة في آيات القرآن الكريم (2)

سبق أن كتبنا مقالا تناولنا فيه بعض الآيات المكية مع الإشارة إلى شيء من المعاني التي تحتوي عليها وإلى بعض التوجيهات والفوائد المستفادة منها؛ وأيضا هذه المقال خصصناه لهذا الغرض؛ فنختار فيه بعض الآيات المكية للإشارة إلى شيء من معانيها ودلالاتها وتوجيهاتها.

يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾.

يُذكِّر الله تبارك وتعالى عباده المؤمنين وصحابة رسوله الأمين صلوات الله وسلامه عليه ببعض مننه وآلائه التي تستوجب شكره سبحانه، والتي أنعمها عليهم في رحلتهم هذه التي انتهت بصلح الحديبية، فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ، وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ، بِبَطْنِ مَكَّةَ، مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ ﴾.

فأخبر سبحانه وتعالى أنه هو من منع المشركين بقدرته وحكمته من مهاجمتكم والاعتداء عليكم، ومنعكم من مهاجمتهم وقتالهم، في هذا المكان القريب من مكة، بعد أن نصركم عليهم، وجعلكم أعلى منهم في القوة والحجة والثبات، وكان سبحانه وما زال بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً.

ثم أشار جل في علاه إلى الحكمة من كف أيدي المؤمنين بقوله: {هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَؤُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً}، وقال: {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً}

ففي هذه الآيات من كلام الله سبحانه وتعالى إشارة إلى الحكمة من كف أيدي المؤمنين عن كفار قريش؛ ذلكم ما بينه سبحانه وتعالى من أن بمكة رجالاً ونساءً مؤمنين بالله ورسوله ومصدقين بما جاء عن الله سبحانه وتعالى، فلولا مخافة أن يَهْلَكَ هؤلاء بأيدي المؤمنين إن سَلَّطَ الله عباده المؤمنين على كفار قريش في تلك الفترة، فيصيب أهل الإيمان بسبب ذلك معرةٌ؛ لما كف سبحانه وتعالى أيدي عباده عن هؤلاء الكفار الذي منعوا نَبِيَّ الله وصحبه الكرام عن البيت العتيق وحبسوا الهدي وحالوا بينه وبين محله الذي يذبح فيه، ولكنه سبحانه تعالى كفَّ أيديكم عنهم؛ ليدخل في رحمته بسبب هذا الكف من يشاء من عباده، وعلى رأس هؤلاء العباد المؤمنون والمؤمنات الذين كانوا في مكة، والذين اقتضت رحمته أن يتمم لهم أجورهم بإخراجهم من بين ظهراني الكفار، ويفكَّ أسرهم، ويرفع عنهم ما كان ينزل بهم من العذاب، كما شملت رحمته تعالى بعض كفار مكة الذين دخلوا في الإسلام بعد ذلك، كأبي سفيان وغيره ممن أسلم بعد فتح مكة أو صلح الحديبية.

وفي هذه الآيات من كلام الله سبحانه وتعالى إرشادات ودروس كثيرة نشير إلى شيء منها، فمن ذلك:

أن الأمر كله لله سبحانه وتعالى، فعلى العبد أن يستمد العون والتوفيق منه سبحانه وتعالى، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.

ومنها أن الواجب على من أحرم بنسك ثم حِيلَ بينه وبين الحرم أن يتحلل من نسكه بحلق رأسه وذبح هديه إن كان معه هدي ولا شيء غير ذلك كما فعل صلى الله عليه وسلم.

ومن فوائد الآية أيضا ما أشار إليه سبحانه وتعالى من بعض حماقات كفار قريش التي أدَّت بهم إلى منع الرَّسول صلى الله عليه وسلم من دخول مكة والطواف بالبيت وحبس الهدي عن محله، وامتناعهم من كتابة بسم الله الرحمن الرحيم ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الوثيقة التي كانت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وكل ذلك كان قائما على حميَّة جاهلية وبطر للحق، وليس على دين أو خلق، وواجب على من رضي بالله ربًا وبالإسلام دين وبمحمد نبيًا ورسولًا أن يخالفهم في تلك الصفات، وأن يكون مع الحق حيث كان، قال جلَّ شأنه: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}. جعلني الله وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

وأيضا في هذه الآية لفتة جميلة ينبغي الوقوف عندها، قد ذكرنا أن من أسرار كف أيدي المؤمنين عن كفار قريش وجود فئة من المؤمنين المستضعفين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا بمكة، وخوفًا على هؤلاء من أن يصابوا بشر؛ وهنا نقف قليلًا ونقول:

هؤلاء مؤمنون في مجتمع يعلن كفره ومحاربته لله سبحانه وتعالى صباح مساء مع ذلك اقتضت حكمته جلَّ في علاه ألا يأذن للمؤمنين في قتالهم ما دام أن هناك من بينهم من آمن بالله ربًا؛ فما عسى أن نقول لأولئك الذين يزهقون أرواح إخوانهم ويتلفون أموالهم في بلاد ترفرف عليها رايات التوحيد وتصدع المآذن فيها بلا إله إلا الله بدعوى وجود كفار من بين المسلمين؟!

ونأتي الآن إلى آية أخرى، وهي قوله تبارك وتعالى:﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ يخبر تعالى أنه أوحى هذا القرآن العظيم إلى النبي الكريم، كما أوحى إلى من قبله من الأنبياء والمرسلين، ففيه بيان فضله سبحانه وتعالى على عباده بإنزال الكتب، وإرسال الرسل، سابقًا ولاحقًا، وأن محمدًا صلى الله عليه وسلم ليس ببدع من الرسل، فطريقته طريقة من قبله، وأحواله تناسب أحوال من قبله من المرسلين، وما جاء به يشابه ما جاءوا به؛ لأن الجميع حق وصدق.

وقوله جل في علاه: ﴿لِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ تعليل لهذا الإيحاء، وتخصيص أم القرى ومن حولها بالإنذار لأنهم أقرب النَّاس إليه صلى الله عليه وسلم، فليس في هذا دليل على أن رسالته خاصة بالعرب فحسب، فقد دلت الآيات على عموم رسالته للأبيض والأسود والعرب والعجم صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾.

وقد دلت هذه الآية على جملة من الفوائد، من ذلك:

أنه ينبغي للدعاة إلى الله وقادة الإصلاح في الأمة أن يحدثوا الناس بما يعقلون وبما يتوافق مع طباعهم ما لم يكن ذلك فيه محذور شرعي؛ فهذا هو المنهج الرباني الذي ارتضاه الله سبحانه وتعالى لأنبيائه ورسله، فما أرسل الله رسولًا إلا بلسان قومهم.

ومنها أيضا أنه مما ينبغي للدعاة إلى الله سبحانه وتعالى أن يقدموا الأهم من الأمور على ما دونه، وهذا يأخذه من التنويه بأهل أم القرى ومن حولها مع عموم رسالته صلى الله عليه وسلم، وما ذلك إلا لأنهم أقرب الناس إلى منبع الرسالة وأولى الناس بها.

ومن فوائد الآية الكريمة أن الناس في الآخرة قسمان لا ثالث لهما فريق يتنعم في جنان الرحمن سبحانه وتعالى، وآخر في نار جنهم! أعاذنا الله وإياكم منها.

نعم، تلك هي القسمة الحقيقية للنَّاس التي سوف يستقر عليها أمر الخلائق جمعاء، وإن من رحمة الله تعالى بعباده أن أبان لهم صفاتِ الفريقين وهي معروفة معلومة ولله الحمد والمنة، فقد بيَّنها الله في كتابه، فطوبى لمن اتصف بصفات أهل الجنة وعمل بعملهم واقتفى أثرهم. جعلنا الله وإياكم من أهلها وسقانا من حوض سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم.

وهذه الآية فيها إشارة إلى اسم من أسماء البلد الحرام، وهو أم القرى؛ وسميت مكة المكرمة بأم القرى لأنها مكان أول بيت وضع للناس، وقبلة أهل القرى كلهم ومحجهم، فهي أعظم القرى شأنًا، فغيرها تبع لها، كما يتبع الفرع الأصل.

وهنا ينبغي لنا أهل مكة أن ندرك أن كل العالم تَبَعٌ لنا، فنحن المقياس الذي يقاس به العالم صلاحًا وفسادًا، ينبغي لنا أن ندرك أننا مع العالم كرب الأسرة مع أسرته بصلاحه تصلح الأسرة بإذن الله وبفساده تفسد الأسرة!

ومن آيات الذكر الحكيم التي جاءت الإشارة فيها بشأن البلد الحرام على قول بعض أهل العلم قول الله تبارك وتعالى: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ مَن جَاء بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}.

اختلفوا المفسرون في المراد بقوله تعالى:﴿لرادُّك إلى معا﴾، فقيل:﴿لرادُّك إلى معاد﴾ أي مولدك بمكة المكرمة، وقيل لرادك إلى الجنة، وقيل: بل لرادك إلى الموت، وكلها مروية عن حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، ومعنى الآية على تفسير لرادك إلى معاد بأنه الجنة أو يوم القيامة: أي الذي أَنزل عليك القرآن وفَرض فيه الأحكام، وبين فيه الحلال والحرام، وأمرك بتبليغه للعالمين، لا يليق بحكمته أن تكون الحياة هي الحياة الدنيا فقط، من غير أن يثاب العباد ويعاقبوا، بل لا بد أن يردك إلى معاد يُجَازى فيه المحسنون بإحسانهم، والمسيئون بمعصيتهم.

وعلى القول بأن المعاد هو مولده صلى الله عليه وسلم تكون الآية تحمل بشارة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الذي فرض عليك القرآن أيها الرسول الكريم بأن أنزله إليك، وكلفك بحفظه وتلاوته على الناس، والعمل بأوامره ونواهيه؛ لرادك إلى المكان الذي أخرجت منه منتصرا، بعد أن خرجت منه وأنت مطارد من أعدائك وقد حقق الله تعالى هذا الوعد لنبيه صلى الله عليه وسلم، فقد عاد الرسول إلى مكة ومعه أصحابه المؤمنون، بعد سنوات قليلة من هجرتهم منها.

والذي يظهر والعلم عند الله أنه لا تعارض بين تفاسير الآية، قال الإمام ابن كثير رحمه الله رحمةً واسعةً:

ووجه الجمع بين هذه الأقوال: أن ابن عباس رضي الله عنهما فسر ذلك تارة برجوعه إلى مكة، وهو الفتح الذي هو عند ابن عباس رضي الله عنهما أمارة على اقتراب أجل النبي صلى الله عليه وسلم، كما يدل على ذلك تفسيره سورة النصر بأنها أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم نعي إليه، وكان ذلك بحضرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فوافقه على ذلك وقال: لا أعلم منها غير الذي تعلم؛ ولهذا فسر الآية تارة بالموت، وتارة بيوم القيامة الذي هو بعد الموت، وتارة بالجنة التي هي جزاؤه ومصيره على أداء رسالة الله وإبلاغها إلى الثقلين: الإنس والجن، وإذا كان كذلك فلا مانع من حمل الآية على المعاني المذكورة.

وأما فوائدها فهي كثيرة جدا، لكن أعظمها أن العاقبة مهما طال ليل الظلم وادلهم تبقى لمن تمسك بالعروة الوثقى، واستعصم بحبل الله سبحانه وتعالى.

| طباعة | البريد الإلكتروني