مصلى الأخيار

 مصلى الأخيار0

مصلى الأخيار

أخرج الإمام أبو الوليد الأزرقي في كتابه أخبار مكة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: صلوا في مصلى الأخيار، واشربوا من شراب الأبرار. فقيل له: ما مصلى الأخيار؟ قال: تحت الميزاب. فقيل: ما شراب الأبرار؟ قال: ماء زمزم.

الموضع الذي ذكره ابن عباس رضي الله عنهما أنه تحت ميزاب الكعبة الشريفة يقع داخل الحِجْر، والحِجر هو بناء على شكل نصف دائرة من الجهة الشمالية من البيت الحرام، وهو في الأصل جزء من البيت الحرام، ولكن قريشًا حين بنت الكعبة لم تفِ النفقة التي رصدوها لأجل البناء، فأخرجوا ذلك الجزء من بناء البيت، وأحاطوه بسياج، حتى يعلم أن ذلك المكان جزء من البيت.

وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك حين سألته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فقد قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجَدْر (أي الحِجْر)، أَمِنَ البيت هو؟ قال: >نعم<. قلت: فلم لم يدخلوه في البيت؟ قال: >إن قومكِ قَصُرَتْ بهم النفقة< [أخرجه البخاري ومسلم]، وفي رواية: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: >يا عائشة، لولا أن قومك حديثو عهد بشرك، لهدمت الكعبة، فألزقتها بالأرض، وجعلت لها بابين: بابًا شرقيًا، وبابًا غربيًا، وزدت فيها ستة أذرع من الحِجْر، فإن قريشًا اقتصرتها حيث بَنَتِ الكعبة< [رواه مسلم].

من أجل هذا: فإن الصلاة في الحجر مثل الصلاة داخل البيت الحرام، فمن صلى في الحجر فكأنما صلى في البيت الحرام، وقد أخبرت عائشة رضي الله عنها بذلك، فقد جاء عنها أنها قالت: كنتُ أحبُّ أن أدخل البيت فأصلي فيه، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فأدخلني في الحِجْر، فقال: >صلِّي في الحِجْر إذا أردت دخول البيت؛ فإنما هو قطعة من البيت، فإن قومك اقتصروا حين بنوا الكعبة فأخرجوه من البيت< [أخرجه الترمذي وصححه].

فعلى هذا: فإن من أراد أن يصلي في البيت الحرام ولم يتمكن من دخوله فصلاته في الحِجر كصلاته داخل البيت الحرام، ولكن يتحرى أن تكون صلاته في أول الحجر، تحت ميزاب الكعبة، الذي سمّاه ابن عباس رضي الله عنهما " مصلى الأخيار".

وقد كان السلف الصالح يحرصون على الصلاة في الحجر، لعلمهم أنه جزء من البيت الحرام، وقد رويت عنهم في ذلك أخبار، ومن أعجب ماروي في ذلك حادثتان حصلتا لصحابيين جليلين:

الحادثة الأولى: ما جاء في كتاب الزهد للإمام أحمد عن عمرو بن دينار أنه قال: رأيت ابن الزبير رحمه الله يصلي في الحِجر خافضًا بصره، فجاءه حَجَرٌ قُدَّامَهُ فذهب ببعض ثوبه، فما انْفَتَل، أي: لم يقطع صلاته، وقد كان ذلك حين حاصر أهلُ الشام ابنَ الزبير بمكة، ورموه بحجارة المنجنيق.

والحادثة الأخرى: كانت في نفس الواقعة، فقد كان الصحابي الجليل المِسْوَرُ بنُ مَخْرَمَةَ رضي الله عنهما يصلي في الحِجْر، فأصابه حجر من حجارة المنجنيق، فمات بعدها بخمسة أيام، وصلى عليه عبد الله بن الزبير، وكان ذلك عام 63هـ، وقد روى حادثة موته ابن سعد في الطبقات الكبرى (2/158).

فحريٌّ بمن زار البيت الحرام أن يقصد ذلك الموضع المبارك ويتحرى الصلاة فيه، ويستحضر هيبة المكان المقدس وجلالته.

| طباعة | البريد الإلكتروني