تعظيم مكة

تعظيم مكة

تعظيم مكة هو تقديسها وإجلالها، ويكون ذلك بمسلكين: شرعي، وعرفي.

فالأول: المسلك الشرعي، هو اعتبار كل ما جاء في الشرع بخصوص مكة من أمر أو نهي أو وصف خاص، مثل محبة مكة، ومراعاة خصائصها، وتطبيق الأوامر فيها:

 - فمحبة مكة  باعتبار أن الله - عز وجل- ورسوله - صلى الله عليه وسلم- يحبانها، فعن عبد الله بن عدي أنه قال -كما في سنن الترمذي-: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم- واقفًا على الحَزْوَرة؛ فقال: «والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت».

 - ومراعاة خصائصها باعتبار تميزها بها عن غيرها من البلدان، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه- أنه قال -كما في الصحيحين-: إن خزاعة قتلوا رجلاً من بني ليث عام فتح مكة بقتيل منهم قتلوه، فأخبر بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فركب راحلته فخطب فقال: «إن الله - عز وجل- حبس عن مكة الفيل، وسلّط عليها رسوله والمؤمنين، ألا وإنها لم تحل لأحد قبلي، ولن تحل لأحد بعدي، ألا وإنها أحلت لي ساعة من النهار، ألا وإنها ساعتي هذه حرام؛ لا يخبط شوكها، ولا يعضد شجرها، ولا يلتقط ساقطتها إلا منشد، ومن قُتل له قتيل فهو بخير النظرين؛ إما أن يُعطى (يعني الدية)، وإما أن يقاد (أهل القتيل)»، قال: فجاء رجل من أهل اليمن يقال له أبو شاهٍ، فقال: اكتب لي يا رسول الله. فقال: «اكتبوا لأبي شاهٍ»، فقال رجل من قريش: إلا الإذخر؛ فإنا نجعله في بيوتنا وقبورنا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: «إلا الإذخر».

 - وتطبيق الأوامر فيها باعتبار أن ذلك من تعظيم الله أولاً، وتعظيم ما عظمه ثانيًا؛ فقد قال - عليه الصلاة والسلام كما في صحيح البخاري-: «والذي نفسي بيده، لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله، إلا أعطيتهم إياها...» الحديث.

الثاني: المسلك العرفي، وهو اعتبار كل ما جعله الناس مما لم يرد في الشرع من معاني التعظيم والإجلال لمكة؛ بشرط عدم مخالفته الصريحة للنصوص.

 روى البخاري عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أنهما قالا: خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- زمن الحديبية فذكرا قصة الحديبية بطولها، وفيها: وسار النبي - صلى الله عليه وسلم- حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته، فقال الناس: حلْ حلْ، فألحّت فقالوا: خلأت القصواء، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم-: «ما خلأت القصواء، وماذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل»، ثم قال: «والذي نفسي بيده، لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله، إلا أعطيتهم إياها ... » .

 قال ابن بطال: «لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها»: يريد ذلك موافقة الله في تعظيم الحرمات؛ لأنه فهم عن الله إبلاغ الأعذار إلى مكة، فأبقى عليهم لما كان سبق لهم في علمه أنهم سيدخلون في دين الله أفواجًا.

 قوله - عليه الصلاة والسلام- في هذا الحديث: ((لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله، إلا أعطيتهم إياها)) فيه اعتبار لما تعارف عليه الناس مما يدل على التعظيم.