صور التعظيم

صور التعظيم

إن الله سبحانه وتعالى قد اختار مكة من بين سائر البقاع على وجه المعمورة لتحتضن بيته المقدس بين جبالها وروابيها، ولتكون مقصد العالمين من أصقاع الدنيا يؤدون فيها ركنا عظيما من أركان الإسلام ألا وهو الحج، ثم إنه جل وعلا جعل لها خصائص، ووضع لها مزايا يبين لنا بذلك قداستها وحرمتها ومكانتها لديه سبحانه، وفيما يلي توضيح ذلك بذكر أدلته من الكتاب والسنة وآثار السلف الصالح من الصحابة والتابعين وكلام الأئمة من المفسرين وغيرهم ممن كان لقولهم حجة واعتبار، ويأتي كلامنا على شقين؛ الشق الأول فيه بيان قداسة مكة وحرمتها عامة، والشق الثاني فيه بيان قداسة بيت الله وحرمته خاصة:

أولا - تعظيم البلد الحرام وقداسته، ويدل على ذلك الصور التالية:

1- أقسم الله عز وجل به في كتابه:

قال الله تعالى: (لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ . وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ) (البلد:1 ، 2)

قال ابن كثير: (هذا قسم من الله تبارك وتعالى بمكة أم القرى في حال كون الساكن فيها حالا لينبه على عظمة قدرها في حال إحرام أهلها).

وقال البغوي: (والمعنى: أن الله تعالى لما أقسم بمكة دلَّ ذلك على عظيم قدرها مع حرمتها، فوعد نبيه صلى الله عليه وسلم أنه يحلها له حتى يقاتل فيها، وأن يفتحها على يده، فهذا وعد من الله عز وجل بأن يحلها له).

قال تعالى: (وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ) (التين: 3)

قال ابن سعدي: (وهي: مكة المكرمة، محل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فأقسم تعالى بهذه المواضع المقدسة التي اختارها وابتعث منها أفضل النبوات وأشرفها).

2- تحريم الله له:

قال تعالى: (إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِين) [النمل:91]

قال القرطبي: ( يعنى مكة التي عظم الله حرمتها، أي جعلها حرما آمنا، لا يسفك فيها دم، ولا يظلم فيها أحد، ولا يصاد فيها صيد، ولا يعضد فيها شجر، وقرأ ابن عباس: " التي حرمها " نعتا للبلدة).

قال ابن عاشور: (ومعنى (حرمها) جعلها حراماً، والحرام الممنوع ، والتحريم المنع،  ويعلم متعلق المنع بسياق ما يناسب الشيء الممنوع، فالمراد من تحريم البلدة تحريم أن يدخل فيها ما يضاد صلاحها وصلاح ما بها من ساكن ودابة وشجر. فيدخل في ذلك منع غزو أهلها والاعتداء عليهم وظلمهم وإخافتهم ومنع صيدها وقطع شجرها على حدود معلومة. وهذا التحريم مما أوحى الله به إلى إبراهيم عليه السلام إذ أمره بأن يبني بيتاً لتوحيده وباستجابته لدعوة إبراهيم إذ قال (رب اجعل هذا بلداً آمناً) [البقرة: 126].

فالتحريم يكون كمالاً للمحرم ويكون نقصاً على اختلاف اعتبار سبب التحريم وصفته؛ فتحريم المكان والزمان مزية وتفضيل، وتحريم الفواحش والميتة والدم والخمر تحقير لها، والمحرمات للنسل والرضاع والصهر زيادة في الحرمة.

فتحريم المكان: منع ما يضرّ بالحال فيه، وتحريم الزمان كتحريم الأشهر الحرم: منع ما فيه ضر للموجودين فيه).

3- جعله الله بلدًا آمنًا؛ فحرم فيه القتال وسفك الدماء:

قال تعالى: (وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِين)[التين:3]

قال ابن عطية رحمه الله: "(وهذا البلد الأمين): مكة بلا خلاف".

وقال البقاعي رحمه الله:"(البلد)، أي: مكة. (الأمين)، أي: الذي يأمن فيه من حلّ به من البشر والطير والوحش، فكان بذلك كالرجل الأمين الذي يأتمنه آخر على نفسه وما يعزّ عليه، فيؤدِّيه إليه، ويوقره عليه، وأمانته شاملة لكل ما يخشى؛ حتى الفقر والعيلة والجوع وتغير الدين بعد تقرره، مع أن به البيت الذي جعله الله هدًى للعالمين، وقيامًا للناس، فهو مدار الدين والدنيا".

وقال تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـذَا الْبَلَدَ آمِنًا) [إبراهيم:35]

قال البقاعي رحمه الله:"فدعا أن يجعلها الله بلدًا، وأن يجعلها بعد ذلك موصوفة بالأمن، وهو سكون النفس إلى زوال الضر. ولما دعا بالأمن من فساد الأموال والأبدان أتبعه الدعاء بالأمن من فساد الأديان فقال:(واجنبني وبني أن نعبد الأصنام) أي: اجعلنا في جانب غير جانب عبادتها.

في صحيح البخاري ومسلم عن أبي شريح العدوي رضي الله عنه أنه قال لعمرو بن سعيد- وهو يبعث البعوث إلى مكة-: ائذن لي أيها الأمير أُحدثك قولاً قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم للغد من يوم الفتح، فسمعته أُذناي، ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي حين تكلم به، وإنه حمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: «إن مكة حرمها الله، ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا، ولا يعضد بها شجرةً، فإن أحدٌ ترخَّص لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا له: إن الله أذن لرسوله صلى الله عليه وسلم، ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، وليبلغ الشاهد الغائب».

قال ابن حجر رحمه الله: (قوله «أن يسفك بها دمًا» استدل على تحريم القتل والقتال بمكة).

وقال الصنعاني رحمه الله: (الحديث وسياقه يدل على أن التحريم لإظهار حرمة البقعة بتحريم سفك الدماء فيها).

4- استقباله نور السماء؛ ليعم به أرجاء المعمورة:

أ) قال تعالى: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَق) [العلق:1]

هذه الآيات إلى قوله تعالى: (علم الإنسان ما لم يعلم) أول نور شعّ في هذا الوجود من أمد، ولا شك أن تخصيص مكة بهذا النور الإلهي فيه تشريف لها.

قال ابن كثير: (فأول شيء [نزل] من القرآن هذه الآيات الكريمات المباركات، وهُنَّ أول رحمة رَحم الله بها العباد، وأول نعمة أنعم الله بها عليهم).

5- أنه مأرز الإيمان :

عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كما في صحيح مسلم: «إن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، وهو يأرزُ بين المسجدين كما تأرِزُ الحية في جُحرها».

قال ابن الأثير: ( يأرز :أي : ينضم إليها، ويجتمع بعضه إلى بعض فيها).

قال النووي رحمه الله : ( أي: مسجدي مكة والمدينة).

قال أبو عبيد رحمه الله : (أي : ينضم ويجتمع بعض إلى بعض، كما تنضم الحية في حجرها).

6- مضاعفة الصلاة به :

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كما في مسند أحمد: «صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام, وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه».

قال سفيان بن عيينة – رحمه الله – : (فيرون أن الصلاة في المسجد الحرام، أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنما فضله عليه بمائة صلاة).

وقال أبو بكر النقاش رحمه الله: (فحسبت ذلك على هذه الرواية، فبلغت صلاة واحدة في المسجد الحرام عُمْر خمس وخمسين سنة وستة أشهر وعشرين ليلة، وصلاة يوم وليلة في المسجد الحرام -وهي خمس صلوات- عُمْر مئتي سنة وسبعين سنة وسبعة أشهر وعشر ليالٍ).

7- تعظيم شأن الخطيئة في مكة:

قال ابن مسعود رضي الله عنه في قوله عز وجل: (ومن يرد فيه بإلحادٍ يظلم): (لو أن رجلاً هَمَّ فيه بإلحاد، وهو بعدن أبين؛ لأذاقه الله عز وجل عذابًا أليمًا).

وقال عمر رضي الله عنه: (لأن أخطئ سبعين خطيئة بركبة – وادٍ بالطائف- أحب إلي من أن أخطئ خطيئة واحدة بمكة).

و قال أيضا رضي الله عنه: (يا أهل مكة، اتقوا الله في حرم الله، أتدرون من كان ساكن هذا البيت ؟ كان به بنو فلان فأحلوا حَرمَه فأهلكوا، وكان به بنو فلان فأحلوا حَرَمَه فأهلكوا، حتى ذكر ما شاء الله من قبائل العرب أن يذكر، ثم قال: لأن أعمل عشر خطايا في غيره أحب إلي من أن أعمل هاهنا خطيئة واحدة).

8- حفظه وحراسته من الدجال والطاعون:

- عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كما في الصحيحين: «ليس من بلدٍ إلا سيطؤُه الدجال إلا مكة والمدينة؛ ليس له من نِقَابِها نقب إلا عليه الملائكة صافين يحرسونها، ثم ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، فيخرج اللهُ كلَّ كافر ومنافق».

قال ابن بطال: (وفى حديث أنس أن الدجال لا يدخل مكة أيضًا، وهذا فضل كبير لمكة والمدينة على سائر الأرض).

قال ابن الأثير: (نقابها هي: جمع نقب، وهو الطريق بين الجبلين).

9- عدم السماح للمشركين بدخوله :

قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا) [التوبة:28].

أمر تعالى عباده المؤمنين الطاهرين دينًا وذاتًا بنفي المشركين الذين هم نَجَس دينًا عن المسجد الحرام، وألا يقربوه بعد نزول هذه الآية، وكان نزولها في سنة تسع؛ ولهذا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا صحبة أبي بكر رضي الله عنهما عامئذ، وأمره أن ينادي في المشركين: ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، فأتم الله ذلك، وحكم به شرعا وقدرا.

10- شد الرحال إليه وقصده دون غيره من الأماكن إلا ما استثناه الدليل؛ وهو المسجد النبوي ومسجد الأقصى :

عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كما في الصحيحين: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد؛ المسجد الحرام، ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، ومسجد الأقصى».

قال النووي: (وفي هذا الحديث فضيلة هذه المساجد الثلاثة، وفضيلة شد الرحال إليها؛ لأن  معناه عند جمهور العلماء: لا فضيلة في شد الرحال إلى مسجد غيرها).

وقال ابن القيم: (المسجد الحرام أفضل بقاع الأرض على الإطلاق؛ ولذلك كان شدُّ الرحال إليه فرضا، ولغيره مما يستحب ولا يجب).

عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال كما في الصحيحين: ((إن الله حرم مكة، فلم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار، لا يختلى خلاها، ولا يعضد شجرها، ولا ينفر صيدها، ولا تلتقط لقطتها، إلا لمعرف)).

11- النهي عن حمل السلاح فيه:

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في صحيح مسلم: «لا يحل لأحدكم أن يحمل بمكة السلاح ».

قال القاضي عياض : (وقوله: «لا يحل لأحدكم أن يحمل السلاح بمكة» هذا محمول عند أهل العلم على حمله لغير ضرورة ولا حاجة؛ فإن كان خوف وحاجة إليها جاز).

ثانيا: تعظيم البيت الحرام وقداسته، ويدل على ذلك ما يلي:

1- جعله مثابة للناس وأمنا:

قال تعالى: (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا) (البقرة: 125).

قال ابن عباس في معنى قوله (مثابة): (لا يقضون منه وطرًا؛ يأتونه ثم يرجعون إلى أهليهم ثم يعودون إليه).

وعن عطاء أنه قال: (يثوبون إليه من كل مكان، ولا يقضون منه وطرًا).

وعن السري أنه قال: «أما المثابة فهو الذي يثوبون إليه كل سنة، لا يدعه الإنسان إذا أتاه مرة أن يعود إليه».

وهذه الأقوال كلها لها المضمون نفسه، وقد لخصها الحافظ ابن كثير في تفسيره، فقال: (ومضمون ما فسّر به هؤلاء الأئمة هذه الآية: أن الله تعالى يذكر شرف البيت، وما جعله موصوفًا به شرعًا وقدرًا من كونه مثابة للناس، أي: جعله محلًا تشتاق إليه الأرواح، وتحن إليه، ولا تقضي منه وطرًا، ولو ترددت إليه كل عام استجابة من الله تعالى لدعاء خليله إبراهيم عليه السلام في قوله (ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير زرع) إلى أن قال (ربنا وتقبل دعاء) إبراهيم : 37 – 40).

2- جعله قيامًا للناس:

قال تعالى: (جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ) (المائدة: 97).

ويقول أبو حيان في تفسير الآية: (ذكر تعالى في هذه الآية أنه جعل الكعبة قيامًا للناس، أي: ركز في قلوبهم تعظيمًا؛ بحيث لا يقع فيها أذى أحد، وصارت وازعة لهم من الأذى، وهم في الجاهلية الجهلاء لا يرجون جنة ولا يخافون نارًا؛ إذ لم يكن لهم ملك يمنعهم من أذى بعضهم فقامت لهم حرمة الكعبة مقام حرمة الملك، هذا مع تنافسهم وتحاسدهم ومعاداتهم، وأخذهم بالثأر).

كما أن وصف الكعبة بالبيت الحرام فيه معنى جليل في هذه الناحية.

قال الطاهر بن عاشور: (ومعنى وصف البيت الحرام: أنه ممنوع من أيدي الجبابرة، فهو محترم عظيم المهابة، وذلك يستتبع تحجير وقوع المظالم والفواحش فيه).

وقال ابن كثير رحمه الله في حادثة القرامطة: (إن أصحاب الفيل إنما عوقبوا إظهارًا لشرف البيت، ولما يراد به من التشريف العظيم بإرسال النبي الكريم من البلد الذي فيه البيت الحرام، فلما أرادوا إهانة هذه البقعة التي يراد تشريفها، وإرسال الرسول منها = أهلكهم سريعًا عاجلاً، ولم يكن شرائع مقررة تدّل على فضله، فلو دخلوه وأخربوه لأنكرت القلوب فضله، وأمّا هؤلاء القرامطة فإنما فعلوا ما فعلوا بعد تقرير الشرائع، وتمهيد القواعد، والعلم بالضرورة من دين الله بشرف مكة والكعبة، وكل مؤمن يعلم أن هؤلاء قد ألحدوا في الحرم إلحادًا بالغًا عظيمًا، وأنهم من أعظم الملحدين الكافرين بما تبيّن من كتاب الله وسنة رسوله، فلهذا لم يحتج الحال إلى معاجلتهم بالعقوبة، بل أخرّهم الرب تعالى ليومٍ تشخص فيه الأبصار).

3- وجوب تأمين من دخله :

قال تعالى: (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين . فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا) (آل عمران: 96 – 97).

قال ابن القيم: (فوصفه بخمس صفات، أحدها: أنه أسبق بيوت العالم وضع في الأرض.

الثاني: أنه مبارك، والبركة: كثرة الخير ودوامه، وليس في بيوت العالم أبرك منه، ولا أكثر خيرًا، ولا أدوم وأنفع للخلائق. الثالث: أنه هدى، ووصفه بالمصدر نفسه مبالغة حتى كأنه هو نفس الهدى.

الرابع: ما تضمنه من الآيات البينات التي تزيد على أربعين آية.

الخامس: الأمن لداخله.

وفي وصفه بهذه الصفات دون إيجاب قصده ما يبعث النفوس على حجّه وإن شطَّت بالزائرين الديار، وتناءت بهم الأقطار، ثم أتبع ذلك بصريح الوجوب المؤكد بتلك التأكيدات، وهذا يدلك على الاعتناء منه سبحانه بهذا البيت العظيم، والتنويه بذكره، والتعظيم لشأنه، والرفعة من قدره).

4- تعظيم حرمته والزجر عن استحلاله:

عن هشام بن عروة بن الزبير عن أبيه قال: لما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح، فبلغ ذلك قريشًا، خرج أبو سفيان بن حرب.. فذكر قصة سير رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو مكة، وقول سعد بن عبادة لأبي سفيان: (اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الكعبة)، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا، كذب سعد، ولكن هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة، ويوم تكسى فيه الكعبة».

في هذا الخبر بيان عظم الكعبة، وشرف مكانتها، وعلو قدرها وشأنها.

وفيه: زجره عليه الصلاة والسلام لمن قال أو فعل ما يوهم عكس ذلك، ولم يكتف عليه الصلاة والسلام بالنفي فحسب؛ بل نعت ذلك القول بالكذب كناية عن شدة الخطأ، وبيانًا لتأثره عليه الصلاة والسلام.

5- عقوبة من أراد انتهاك حرمة البيت الحرام :

قال الله تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ . أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ . وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ . تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ . فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ .) سورة الفيل.

قال عبد الرحمن الدوسري رحمه الله: (إن الله جلت قدرته أهلك أصحاب الفيل؛ لأنهم لا يحملون للبيت الحرام أي تعظيم، وليس له مكانة في قلوبهم أبدًا، أما الجناة المسلمون كالحجاج وقومه فليس عملهم بغضًا للبيت ولا احتقارًا، وإنما لمحاربة العائذ فيه، وهم يعتقدون أنه لا يعيذه، وأنه ملحد به لعصيانه ولي الأمر فيما يزعمون ويتأولون، وكل متأوّل يجني جناية،فإن التأويل يخفف جنايته، وأما القرمطي فقد عاقبه الله أفظع عقوبة؛ فسلط عليه الآكلة في جسمه حتى جعلته يتهرى، ويتساقط كالشعر أو كالدود، وقومه ينظرون ليعتبروا، فلا يهم أحد منهم بمثل فعله، وقد قطع الله دابرهم في الأخير (والله غالبٌ على أمره).

6- تطهيره من كل ما ينقص قداسته :

قال تعالى : (وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود) [البقرة:125].

قال ابن سعدي: (وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي) أي: أوحينا إليهما وأمرناهما بتطهير بيت الله من الشرك والكفر والمعاصي، ومن الرجس والنجاسات والأقذار؛ ليكون (للطائفين) فيه (والعاكفين والركع السجود) أي : المصلين).

وقال الشنقيطي: (يؤخذ من هذه الآية أنه لا يجوز أن يترك عند بيت الله الحرام قذر من الأقذار، ولا نجس من الأنجاس المعنوية ولا الحسية؛ فلا يترك فيه أحد يرتكب مالا يرضي الله، ولا أحد يلوثه بقذر من النجاسات، قال: ولا شك أن ارتكاب أي شيء حرّمه رسول الله صلى الله عليه وسلم هو من الأقذار والأنجاس المعنوية التي يلزم تطهير بيت الله منها، وكذلك ما يقع في المسجد من الكلام المخل بالدين والتوحيد لا يجوز إقرار شيء منه ولا تركه).

7- جعل الله الكعبة قبلة للمسلمين أينما كانوا أحياءً وأمواتًا :

قال تعالى: (فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره) [البقرة:144].

قال ابن كثير: (أمَرَ تعالى باستقبال الكعبة من جميع جهات الأرض، شرقًا وغربًا وشمالا وجنوبًا، ولا يستثنى من هذا شَيء، سوى النافلة في حال السفر).

وقال ابن عبد البر: (وحسبك بمكة أن فيها بيت الله الذي رضي لعباده على الحط لأوزارهم وغفران ذنوبهم أن يقصدوه مرة واحدة في أعمارهم، ولم يقبل من أحد صلاة إلا باستقبال جهته بصلاته إذا كان عالما بالجهة قادرا على التوجه إليها، فهي قبلة أهل دينه أحياء وأمواتا).

8- وجوب الحج لبيت الله الحرام :

(ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) [آل عمران:97].

قال ابن جرير الطبري:"يعني بذلك جل ثناؤه: وفرضٌ واجبٌ لله على من استطاع من أهل التكليف السبيلَ إلى حجّ بيته الحرام، الحج إليه". جامع البيان (4/15).

9- النهي عن استقبال القبلة، أو استدبارها عند قضاء الحاجة :

عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال كما في الصحيحين: «إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا».

قال أبو أيوب : فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض بنيت قِبَل القبلة، فننحرّف، ونستغفر الله تعالى.

وقال الشوكاني: (والحديث يدل على المنع من استقبال القبلة، واستدبارها بالبول والغائط).

10- النهي عن التفل تجاه القبلة:

عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في سنن أبي داود: «من تفل تجاه القبلة جاء يوم القيامة تفله بين عينيه»  جزم النووي بالمنع في كل حالة، داخل الصلاة وخارجها سواء كان في المسجد، أو غيره ؛ لأنّ الله تعالى عظّم تلك الجهة.

وقال ابن حجر: (البُزَاق في القبلة حرام سواء كان في المسجد، أم لا، ولا سيما من المصلي).