فهرس المقال

 

1- عزم رجلٌ يقال له: عبد الله بن آدم على الخروج من مكة، وكان مجاورًا بها، وكان موسرًا، ولم يكن له عمل بمكة إلا العبادة، فبلغ أمره الحسن البصري فكتب إليه رسالة طويلة، وكان مما قال فيها: (ثم إياك يا أخي والظعن منها؛ فإنك في خير أرض الله، وأحبِّ أرض الله إلى الله، وأفضلها وأعظمها حرمة، وإن الله فضّل مكة على جميع البلدان، وأنزل ذكرها في الكتاب العزيز(1).

2- قال ابن عطية في تفسير قوله تعالى: {جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلاَئِدَ}[المائدة:97] :ولما بان في هذه الآيات تعظيم الحرم والحرمة بالإحرام من أجل الكعبة وأنها بيت اللّه وعنصر هذه الفضائل، ذكر تعالى في قوله: جَعَلَ اللَّهُ الآية ما سنه في الناس وهداهم إليه وحمل عليه الجاهلية الجهلاء من التزامهم أن الكعبة قوام، و«الهدي» قوام، و«القلائد» قوام، أي أمر يقوم للناس بالتأمين وحل الحرب كما يفعل الملوك الذين هم قوام العالم ، فلما كانت تلك الأمة لا ملك لها جعل اللّه هذه الأشياء كالملك لها ، وأعلم تعالى أن التزام الناس لذلك هو مما شرعه وارتضاه ، ويدل على مقدار هذه الأمور في نفوسهم أن النبي عليه الصلاة والسلام لما بعثت إليه قريش زمن الحديبية الحُلَّيس ، فرآه النبي قال: ((هذا رجل يعظم الحرمة، فالقوه بالبدن مشعرة))، فلما رآها الحُلَّيس عظم ذلك عليه وقال : ما ينبغي أن يُصَدَّ هؤلاء(2)، ورجع عن رسالتهم(3).

3- قال الرازي عند تفسير قول الله تعالى: {جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلاَئِدَ} [المائدة:97] : ذكروا ههنا في كون الكعبة سبباً لقوام مصالح الناس وجوهاً: الأول: أن أهل مكة كانوا محتاجين إلى حضور أهل الآفاق عندهم ليشتروا منهم ما يحتاجون إليه طول السنة، فإن مكة بلدة ضيقة لا ضرع فيها ولا زرع، وقلما يوجد فيها ما يحتاجون إليه، فالله تعالى جعل الكعبة معظمة في القلوب حتى صار أهل الدنيا راغبين في زيارتها، فيسافرون إليها من كل فج عميق لأجل التجارة ويأتون بجميع المطالب والمشتهيات، فصار ذلك سبباً لإسباغ النعم على أهل مكة. الثاني: أن العرب كانوا يتقاتلون ويغيرون إلا في الحرم؛ فكان أهل الحرم آمنين على أنفسهم وعلى أموالهم حتى لو لقي الرجل قاتل أبيه أو ابنه في الحرم لم يتعرض له، ولو جنى الرجل أعظم الجنايات ثم التجأ إلى الحرم لم يتعرض له، ولهذا قال تعالى (أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً ءامِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ) [ العنكبوت 67 ]. الثالث: أن أهل مكة صاروا بسبب الكعبة أهل الله وخاصته وسادة الخلق إلى يوم القيامة، وكل أحد يتقرب إليهم ويعظمهم. الرابع: أنه تعالى جعل الكعبة قواماً للناس في دينهم بسبب ما جعل فيها من المناسك العظيمة والطاعات الشريفة وجعل تلك المناسك سبباً لحط الخطيئات ورفع الدرجات وكثرة الكرامات، واعلم أنه لا يبعد حمل الآية على جميع هذه الوجوه(4).

4- قال ابن القيم: في سياق كلامه في فضل مكة والبيت الحرام: (فوصفه بخمس صفات:

الأولى: أنه أسبق بيوت العالم وضع في الأرض.

الثانية: أنه مبارك، والبركة: كثرة الخير ودوامه، وليس في بيوت العالم أبرك منه، ولا أكثر خيراً، ولا أدوم وأنفع للخلائق.

الثالثة: أنه هدى، ووصفه بالمصدر نفسه مبالغة حتى كأنه هو نفس الهدى.

الرابعة: ما تضمنه من الآيات البينات التي تزيد على أربعين آية.

الخامسة: الأمن لداخله.

وفي وصفه بهذه الصفات دون إيجاب قصده، ما يبعث النفوس على حجه وإن شطت بالزائرين الديار، وتناءت بهم الأقطار، ثم أتبع ذلك بصريح الوجوب المؤكد بتلك التأكيدات، وهذا يدلك على الاعتناء منه سبحانه بهذا البيت العظيم، والتنويه بذكره، والتعظيم لشأنه، والرفعة من قدره) (5).

5- وقال ابن القيم رحمه الله: (فلو لم يكن البلد الأمين خير بلاده، وأحبَّها إليه، ومختاره من البلاد؛ لما جعل عرصاتها مناسك لعباده، فرض عليهم قصدها، وجعل ذلك من آكد فروض الإسلام، وأقسم به في كتابه العزيز في موضعين منه، فقال تعالى: {وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِين}[التين:3]، وقال تعالى: {لاَ أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَد}[البلد:1]، وليس على وجه الأرض بقعة يجب على كل قادر السعي إليها، والطواف بالبيت الذي فيها = غيرها، وليس على وجه الأرض موضع يشرع تقبيله واستلامه، وتحط الخطايا والأوزار فيه = غير الحجر الأسود والركن اليماني)(6).

6- قال الحافظ ابن حجر عند كلامه على مسألة المؤاخذة بالهم على المعصية وذكر الخلاف فيها ثم قال: واستثنى جماعة ممن ذهب إلى عدم مؤاخذة من وقع منه الهم بالمعصية ما يقع في الحرم المكي، ولو لم يصمم؛ لقوله تعالى: {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيم}[الحج:25] ذكره السدي في تفسيره عن مرة عن ابن مسعود، وأخرجه أحمد من طريقه مرفوعًا، ومنهم من رجحه موقوفًا، ويؤيد ذلك: أن الحرم يجب اعتقاد تعظيمه، فمن همّ بالمعصية فيه خالف الواجب بانتهاك حرمته. وتعقب هذا البحث: بأن تعظيم الله آكد من تعظيم الحرم، ومع ذلك فمن همّ بمعصيته لا يؤاخذه، فكيف يؤاخذ بما دونه؟. ويمكن أن يجاب عن هذا: بأن انتهاك حرمة الحرم بالمعصية تستلزم انتهاك حرمة الله، لأن تعظيم الحرم من تعظيم الله، فصارت المعصية في الحرم أشد من المعصية في غيره، وإن اشترك الجميع في ترك تعظيم الله تعالى، نعم، من همّ بالمعصية قاصدًا الاستخفاف بالحرم عصى، ومن همّ بمعصية الله قاصدا الاستخفاف بالله كفر، وإنما المعفو عنه من همّ بمعصيةٍ ذاهلاً عن قصد الاستخفاف، وهذا تفصيل جيد(7).

img1 1

numerovert

© 2020 بوابة تعظيم البلد الحرام