الطهارة كمطلب وقيمة ليست دينًا فقط يُتديّن به، بل إن الإنسان السوي يسعى بفطرته وعقله لكل ما هو طاهر ونزيه، وتجده كذلك محبا للروائح الزكية، ويطلب قدرا معيَّنًا من الطهارة في ملبسه، ومجلسه، ومنزله، وفي كافة شؤونه، والعكس كذلك؛ فإنك لا تكاد تجد مكانا قذرا، أو شخصا وسخا، أو ريحا كريهة؛ إلا والناس نافرة من كل ذلك، وتجدها تصف مَن يَتلَبس بذلك ويقطن فيه بالجنون وقلة العقل.

وبهذا تَعلم موافقة هذا الدين الحنيف لمبادئ العقل وفطر النفوس؛ فالطهارة وطيب المكان من الأمور الجبلية الساكنة في الفطر، وهي مما يُساعد في راحة النفوس وطمأنينتها، ويبعث فيها القوة والنشاط للعمل وحسن الأداء، وهب أن موظفا في مكان يفوح برائحة عفنة ومحاط بأنواع من الوسخ والقاذورات، وآخر في موطن تنشر فيه الريح العطرة عليلها، وهو متكئ على أريكته النقية، ومسوَّر بحدائق غَنَّاء، فقلي بربك أي الرجلين أقدر على حسن العمل والأداء؟!

فإذا كان ذلك كذلك فليس ثمة شيء في ديننا أحرى بالطهارة والعناية بتحققها من بيوت الله التي اختص الله بها؛ فإضافتها إليه سبحانه وتعالى يكفيها عزا وشرفا، ولا يوجد في الكون ما هو أولى من مناجاته جل جلاله والعبادة له ذلا وخضوعا، فكل ما كان مُعينا في تحقيق هذا المقصد، أو متوقفا عليه أُمر به على التعيين أو اللزوم، فالوسائل لها أحكام المقاصد؛ لهذا كله كان اشتراط الطهارة (الباعثة على سكون النفس والقلب) مطلوبا في بيوت الله على التعيين، وفي كل بقعة يناجى فيها ربنا سبحانه.

وحينما تتأسس فطرية النزاهة وتستقر في الأذهان، وتُبنى كثقافة معرفية في الأجيال؛ كل ذلك يُسهِّل الوعي بالأمر الرباني لخليله إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام في قوله تعالى: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُود} [البقرة:125]، وقوله: {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُود}[الحج:26].

وإذا عُلم أن هذا الخطاب ورد في شأن أعظم مسجد على وجه الأرض (المسجد الحرام)، وأجلّ بقعة طلعت عليها الشمس (أم القرى)؛ كان له من القدر وعلو الشأن ما لقائله، ومن قيل فيه، ومحتواه، ويزداد أمر الطهارة قيمة حين يُخص بأمر له في النفوس من المكانة ما تَعلم {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي}[إبراهيم:37]! وهو مع ذلك مندرج تحت الأصل العام كما سبق.

ومما لا شك فيه أن من المقاصد العظيمة لهذا البيت كونه {هدى للعالمين}، و{مثابة للناس} يترددون إليه ولا يقضون منه وطرا، وما كان كذلك لا بد من الاعتناء بكل ما يزيّنه ويجعله عَبقا في أعين الناس؛ فالنفس بطبيعتها تسكن للمنزل الطاهر المطيّب كما سبق، وتنشرح للعبادة فيه؛ فهدايتهم بالبيت، وعودتهم لأم القرى على سبيل التكرار؛ يتطلب مزيد العناية به؛ سواء كانت هذه العناية حسية أو معنوية.

وعليه فالتركيز على المعاني العملية في مكة (حرسها الله) كتنظيفها من أنواع الوسخ الظاهر أولى؛ لأن الله ضمن – قدرًا – عدم شيوع الشرك فيها وعبادة الأوثان، كما يُشير إلى ذلك منع دخول المشركين إليها، وحمايتها من الدجال، وعدم استئصالها بالغزو ونحو ذلك، وهذا مما يؤكّد صَرف الجهود لتنظيفها ظاهرا؛ لتكون أنموذجا يحتذى حضارة وتقدما، وينضاف لذلك نبذ البدع والمعاصي العلنية فيها؛ لتصبح بحق عاصمة مقدسة واقعا مشاهدا في سلوك أهلها والوفدين إليها.

أبوحاتم الأنصاري
الباحث بمشروع تعظيم البلد الحرام

img1 1

numerovert

© 2020 بوابة تعظيم البلد الحرام