فهرس المقال

1- روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه رأى رجلاً يقطع من شجر الحرم، ويعلفه بعيرًا له، فقال: عليّ بالرجل، فأتيَ به فقال: يا عبد الله، أما علمت أن مكة حرام لا يقطع عضاها(1) ولا ينفر صيدها، ولا تحل لقطتها إلا لمعرّف، فقال: يا أمير المؤمنين، والله ما حملني على ذلك إلا أن معي نضوًا لي(2)، فخشيت أن لا يبلغني أهلي، وما معي زاد ولا نفقة.

فرقّ عليه بعدما هَمَّ به، وأمر ببعير له من أهل الصدقة موفرًا طحينًا، فأعطاه إياه، وقال: لا تعودن أن تقطع من شجر الحرم شيئًا (3).

2- قال ابن عمر: (أعظم الشعائر البيت)(4).

3- قال مجاهد: (رأيت عبد الله بن عمرو بن العاص بعرفة ومنزله في الحل، ومصلاه في الحرم، فقيل له: لِمَ تفعل هذا ؟ فقال: لأن العمل فيه أفضل، والخطيئة أعظم فيه) (5).

4- عن ابن عباس أنه نظر إلى الكعبة فقال: ما أعظم حرمتك، وما أعظم حقك، وللمسلم أعظم حرمة منك، حرم الله ماله، وحرم دمه، وحرم عرضه وأذاه، وأن يظن به ظن سوء(6).

5- نظر عبد الله بن عمر يوما إلى الكعبة فقال: ما أعظمك، وأعظم حرمتك، والمؤمن أعظم حرمة منك(7).

6- عن مجاهد وعطاء {سواء العاكف فيه والباد} قالا: سواء في تعظيم البلد وتحريمه(8).


 

1- عزم رجلٌ يقال له: عبد الله بن آدم على الخروج من مكة، وكان مجاورًا بها، وكان موسرًا، ولم يكن له عمل بمكة إلا العبادة، فبلغ أمره الحسن البصري فكتب إليه رسالة طويلة، وكان مما قال فيها: (ثم إياك يا أخي والظعن منها؛ فإنك في خير أرض الله، وأحبِّ أرض الله إلى الله، وأفضلها وأعظمها حرمة، وإن الله فضّل مكة على جميع البلدان، وأنزل ذكرها في الكتاب العزيز(1).

2- قال ابن عطية في تفسير قوله تعالى: {جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلاَئِدَ}[المائدة:97] :ولما بان في هذه الآيات تعظيم الحرم والحرمة بالإحرام من أجل الكعبة وأنها بيت اللّه وعنصر هذه الفضائل، ذكر تعالى في قوله: جَعَلَ اللَّهُ الآية ما سنه في الناس وهداهم إليه وحمل عليه الجاهلية الجهلاء من التزامهم أن الكعبة قوام، و«الهدي» قوام، و«القلائد» قوام، أي أمر يقوم للناس بالتأمين وحل الحرب كما يفعل الملوك الذين هم قوام العالم ، فلما كانت تلك الأمة لا ملك لها جعل اللّه هذه الأشياء كالملك لها ، وأعلم تعالى أن التزام الناس لذلك هو مما شرعه وارتضاه ، ويدل على مقدار هذه الأمور في نفوسهم أن النبي عليه الصلاة والسلام لما بعثت إليه قريش زمن الحديبية الحُلَّيس ، فرآه النبي قال: ((هذا رجل يعظم الحرمة، فالقوه بالبدن مشعرة))، فلما رآها الحُلَّيس عظم ذلك عليه وقال : ما ينبغي أن يُصَدَّ هؤلاء(2)، ورجع عن رسالتهم(3).

3- قال الرازي عند تفسير قول الله تعالى: {جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلاَئِدَ} [المائدة:97] : ذكروا ههنا في كون الكعبة سبباً لقوام مصالح الناس وجوهاً: الأول: أن أهل مكة كانوا محتاجين إلى حضور أهل الآفاق عندهم ليشتروا منهم ما يحتاجون إليه طول السنة، فإن مكة بلدة ضيقة لا ضرع فيها ولا زرع، وقلما يوجد فيها ما يحتاجون إليه، فالله تعالى جعل الكعبة معظمة في القلوب حتى صار أهل الدنيا راغبين في زيارتها، فيسافرون إليها من كل فج عميق لأجل التجارة ويأتون بجميع المطالب والمشتهيات، فصار ذلك سبباً لإسباغ النعم على أهل مكة. الثاني: أن العرب كانوا يتقاتلون ويغيرون إلا في الحرم؛ فكان أهل الحرم آمنين على أنفسهم وعلى أموالهم حتى لو لقي الرجل قاتل أبيه أو ابنه في الحرم لم يتعرض له، ولو جنى الرجل أعظم الجنايات ثم التجأ إلى الحرم لم يتعرض له، ولهذا قال تعالى (أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً ءامِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ) [ العنكبوت 67 ]. الثالث: أن أهل مكة صاروا بسبب الكعبة أهل الله وخاصته وسادة الخلق إلى يوم القيامة، وكل أحد يتقرب إليهم ويعظمهم. الرابع: أنه تعالى جعل الكعبة قواماً للناس في دينهم بسبب ما جعل فيها من المناسك العظيمة والطاعات الشريفة وجعل تلك المناسك سبباً لحط الخطيئات ورفع الدرجات وكثرة الكرامات، واعلم أنه لا يبعد حمل الآية على جميع هذه الوجوه(4).

4- قال ابن القيم: في سياق كلامه في فضل مكة والبيت الحرام: (فوصفه بخمس صفات:

الأولى: أنه أسبق بيوت العالم وضع في الأرض.

الثانية: أنه مبارك، والبركة: كثرة الخير ودوامه، وليس في بيوت العالم أبرك منه، ولا أكثر خيراً، ولا أدوم وأنفع للخلائق.

الثالثة: أنه هدى، ووصفه بالمصدر نفسه مبالغة حتى كأنه هو نفس الهدى.

الرابعة: ما تضمنه من الآيات البينات التي تزيد على أربعين آية.

الخامسة: الأمن لداخله.

وفي وصفه بهذه الصفات دون إيجاب قصده، ما يبعث النفوس على حجه وإن شطت بالزائرين الديار، وتناءت بهم الأقطار، ثم أتبع ذلك بصريح الوجوب المؤكد بتلك التأكيدات، وهذا يدلك على الاعتناء منه سبحانه بهذا البيت العظيم، والتنويه بذكره، والتعظيم لشأنه، والرفعة من قدره) (5).

5- وقال ابن القيم رحمه الله: (فلو لم يكن البلد الأمين خير بلاده، وأحبَّها إليه، ومختاره من البلاد؛ لما جعل عرصاتها مناسك لعباده، فرض عليهم قصدها، وجعل ذلك من آكد فروض الإسلام، وأقسم به في كتابه العزيز في موضعين منه، فقال تعالى: {وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِين}[التين:3]، وقال تعالى: {لاَ أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَد}[البلد:1]، وليس على وجه الأرض بقعة يجب على كل قادر السعي إليها، والطواف بالبيت الذي فيها = غيرها، وليس على وجه الأرض موضع يشرع تقبيله واستلامه، وتحط الخطايا والأوزار فيه = غير الحجر الأسود والركن اليماني)(6).

6- قال الحافظ ابن حجر عند كلامه على مسألة المؤاخذة بالهم على المعصية وذكر الخلاف فيها ثم قال: واستثنى جماعة ممن ذهب إلى عدم مؤاخذة من وقع منه الهم بالمعصية ما يقع في الحرم المكي، ولو لم يصمم؛ لقوله تعالى: {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيم}[الحج:25] ذكره السدي في تفسيره عن مرة عن ابن مسعود، وأخرجه أحمد من طريقه مرفوعًا، ومنهم من رجحه موقوفًا، ويؤيد ذلك: أن الحرم يجب اعتقاد تعظيمه، فمن همّ بالمعصية فيه خالف الواجب بانتهاك حرمته. وتعقب هذا البحث: بأن تعظيم الله آكد من تعظيم الحرم، ومع ذلك فمن همّ بمعصيته لا يؤاخذه، فكيف يؤاخذ بما دونه؟. ويمكن أن يجاب عن هذا: بأن انتهاك حرمة الحرم بالمعصية تستلزم انتهاك حرمة الله، لأن تعظيم الحرم من تعظيم الله، فصارت المعصية في الحرم أشد من المعصية في غيره، وإن اشترك الجميع في ترك تعظيم الله تعالى، نعم، من همّ بالمعصية قاصدًا الاستخفاف بالحرم عصى، ومن همّ بمعصية الله قاصدا الاستخفاف بالله كفر، وإنما المعفو عنه من همّ بمعصيةٍ ذاهلاً عن قصد الاستخفاف، وهذا تفصيل جيد(7).


1- قال العيني في قوله صلى الله عليه وسلم: (إن هذا البلد حرمه الله) وفيه تعظيم له، وتعظيمه يدل على فضله واختصاصه من بين سائر البلاد(1).

2- قال السعدي في تفسير قوله تعالى: { ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعَامُ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ } [الحج: 30] :{ ذَلِكَ } الذي ذكرنا لكم من تلكم الأحكام، وما فيها من تعظيم حرمات الله وإجلالها وتكريمها، لأن تعظيم حرمات الله، من الأمور المحبوبة لله المقربة إليه التي من عظمها وأجلها أثابه الله ثوابا جزيلا، وكانت خيرا له في دينه ودنياه وأخراه عند ربه.

وحرمات الله: كل ماله حرمة وأمر باحترامه بعبادة أو غيرها، كالمناسك كلها، وكالحرم والإحرام، وكالهدايا، وكالعبادات التي أمر الله العباد بالقيام بها؛ فتعظيمها: إجلالها بالقلب، ومحبتها، وتكميل العبودية فيها، غير متهاون ولا متكاسل ولا متثاقل(2).

3- وقال السعدي في تفسير قوله تعالى: { ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ * لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 33]: أي: ذلك الذي ذكرنا لكم من تعظيم حرماته وشعائره، والمراد بالشعائر: أعلام الدين الظاهرة، ومنها المناسك كلها، كما قال تعالى: { إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ } ومنها الهدايا والقربان للبيت، وتقدم أن معنى تعظيمها إجلالها والقيام بها وتكميلها على أكمل ما يقدر عليه العبد، ومنها الهدايا؛ فتعظيمها باستحسانها واستسمانها، وأن تكون مكملة من كل وجه، فتعظيم شعائر الله صادر من تقوى القلوب، فالمعظم لها يبرهن على تقواه وصحة إيمانه؛ لأن تعظيمها تابع لتعظيم الله وإجلاله(3).

4- قال الطاهر بن عاشور: والمسجد الحرام المسجد المعهود عند المسلمين والحرام المجعول وصفاً للمسجد هو الممنوع، أي الممنوع منع تعظيم وحرمة؛ فإن مادة التحريم تؤذن بتجنب الشيء فيفهم التجنب في كل مقام بما يناسبه. وقد اشتهر عند العرب وصف مكة بالبلد الحرام أي الممنوع عن الجبابرة والظلمة والمعتدين ووصف بالمحرم في قوله تعالى حكاية عن إبراهيم : {عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ} }[إبراهيم:37] ، أي المعظم المحترم وسمي الحرم قال تعالى : {أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا} [القصص:57]، فوصف الكعبة بالبيت الحرام وحرم مكة بالحرم أوصاف قديمة شائعة عند العرب(4).

5- قال الشيخ عبيد الله الرحماني: لبيت الله الحرام من التكريم والتعظيم والتقديس والإجلال ما لا يخفى على مسلم ، ومن آثار ذلك أن جعل له حمى وحدودًا لا يتجاوزها قاصده بحج أو عمرة إلا وقد أحرم وأتى في حال خشوع وخضوع وتقديس وإجلال عبادة لله واحترامًا لهذا البيت المطهر(5).

img1 1

numerovert

© 2020 بوابة تعظيم البلد الحرام