- ( إن أبا القاسم المكّي إذا طاف بالبيت لا يكلّم أحدًا، ولا يشتغل بغير ذكر الله حتى يفرغ من طوافه، وقد حج نيفا وثمانين حجة ) [القاسم بن يوسف السبتي].
- من مستطرف ما بلغني من القول عند شرب زمزم= أن أعرابيا وقف على زمزم المذكورة فوجد الناس يشربون منها، ويسألون مطالب لهم مختلفة يختارونها، فرفع إناء مملوءا منها إلى فيه، وقال: اللهم إن هؤلاء قد اختاروا لأنفسهم فاختر لي، ثم شرب ) [القاسم بن يوسف السبتي].
- ( نزلت هذه السورة -أي الفيل- منبهة على العبرة في قصة الفيل التي وقعت في عام مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنها تدل على كرامة الله للكعبة وإنعامه على قريش بدفع العدو عنهم؛ فكان يجب عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به، وفيها مع ذلك عجائب من قدرة الله وشدة عقابه ) [ابن جزي الكلبي].
- ( لا زلت أعظّم نفسي إلى أن رأيت الكعبة المشرفة، وذكرت بوس الناس الأرض لي فدخلت في قلبي مهابة عظيمة ما زالت عني حتى سجدت لله تعالى ) [السلطان الملك الناصر].
- ( وَقَبِّلْ حَجَرا مكرما نزل من الجنة، وَضَعْ فَمَكَ لاَثِماً مَكَانا قَبَّلَه سيد البشر بيقين، فهنأك الله بما أعطاك، فما فوق ذلك مفخر، ولو ظفرنا بالمحجن الذي أَشَار بِهِ الرسول صلى الله عليه وسلم إِلَى الحجر ثم قبّل محجنه، لحق لنا أن نزدحم على ذلك المحجن بالتقبيل، وَنَحْنُ نَدْرِي بِالضَّرُوْرَة أَن تَقْبِيْل الحَجَر أَرْفَع وَأَفَضْل مِن تَقْبِيْل مِحْجَنِهِ وَنَعْلِه ) [الإمام الذهبي رحمه الله].
- ( وكان أمر الفيل تقدمة قدمها الله لنبيه وبيته، وإلا فأصحاب الفيل كانوا نصارى أهل كتاب، وكان دينهم خيرًا من دين أهل مكة إذ ذاك؛ لأنهم كانوا عباد أوثان، فنصرهم الله على أهل الكتاب نصرًا لا صنع للبشر فيه، إرهاصًا وتقدمةً للنبي صلى الله عليه وسلم الذي خرج من مكة وتعظيما للبيت الحرام ) [الإمام ابن القيم رحمه الله].
- ( وقد ظهر سرّ هذا التفضيل والاختصاص -أي: لمكة- في انجذاب الأفئدة، وهوى القلوب وانعطافها ومحبتها لهذا البلد الأمين، فجذبه للقلوب أعظم من جذب المغناطيس للحديد فهو الأولى بقول القائل:
محاسنه هيولى كل حسن ... ومغناطيس أفئدة الرجال
ولهذا أخبر سبحانه أنه مثابة للناس، أي: يثوبون إليه على تعاقب الأعوام من جميع الأقطار، ولا يقضون منه وطرا، بل كلما ازدادوا له زيارة، ازدادوا له اشتياقا.
لا يرجع الطرف عنها حين ينظرها ... حتى يعود إليها الطرف مشتاقا
فلله كم لها من قتيل وسليبٍ وجريحٍ، وكم أُنفق في حبها من الأموال والأرواح، ورضي المحب بمفارقة فلذ الأكباد والأهل، والأحباب والأوطان، مقدِّمًا بين يديه أنواع المخاوف والمتالف، والمعاطف والمشاق، وهو يستلذ ذلك كلَّه، ويستطيبه، ويراه - لو ظهر سلطان المحبة في قلبه - أطيب من نِعَمِ المتحلية، وترفهم ولذاتهم، وليس مُحبًا من يَعُدُّ شقاءه عذابًا إذا ما كان يرضي حبيبَه، وهذا كله سرُّ إضافته إليه سبحانه وتعالى بقوله: {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ} [الحج: 26]، فاقتضت هذه الإضافة الخاصة من هذا الإجلال والتعظيم والمحبة ما اقتضته ) [الإمام ابن القيم رحمه الله].
- ( لو لم يكن البلد الأمين خير بلاده، وأحبَّها إليه، ومختاره من البلاد، لما جعل عرصاتِها مناسكَ لعباده، فرض عليهم قصدها، وجعل ذلك من آكد فروض الإسلام ) [الإمام ابن القيم رحمه الله].
- ( المسجد الحرام أفضل بقاع الأرض على الإطلاق، ولذلك كان شدُّ الرحال إليه فرضًا، ولغيره ممّا يستحبّ ) [الإمام ابن القيم رحمه الله].
- ( اختار الله سبحانه وتعالى من الأماكن والبلاد؛ البلد الحرام، وجعله حرامًا آمنًا، لا يسفك فيه دم، ولا يعضد به شجرة، ولا ينفر له صيد، ولا يختلى خلاه، ولا تلتقط لقطته للتمليك، بل للتعريف ليس إلا ) [الإمام ابن القيم رحمه الله].
- ( جعل الله قصده مكفّراً لما سلف من الذنوب، ماحياً للأوزار، حاطاً للخطايا؛ كما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أتى هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق؛ رجع كيوم ولدته أمه" ) [الإمام ابن القيم رحمه الله].
- ( لم يرض الله لقاصده من الثواب دون الجنة، ففي "السنن" من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تابعوا بين الحج والعمرة؛ فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب دون الجنة".
وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" ) [الإمام ابن القيم رحمه الله].
- ( فلو لم يكن البلد الأمين خير بلاده، وأحبَّها إليه، ومختاره من البلاد، لما جعل عرصاتِها مناسكَ لعباده، فرض عليهم قصدها، وجعل ذلك من آكد فروض الإسلام، وأقسم به في كتابه العزيز في موضعين منه، فقال تعالى: {وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ} [التين: 3]، وقال تعالى: {لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ} [البلد: 1] ) [الإمام ابن القيم رحمه الله].
- ( ليس على وجه الأرض بقعة يجب على كل قادر السعي إليها، والطواف بالبيت الذي فيها؛ غيرها، وليس على وجه الأرض موضع يشرع تقبيله واستلامه، وتحطّ الخطايا والأوزار فيه؛ غير الحجر الأسود، والركن اليماني ) [الإمام ابن القيم رحمه الله].
- ( وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، ففي "سنن النسائي" و"المسند" بإسناد صحيح عن عبدالله بن الزبير عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه؛ إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة". ورواه ابن حبان في "صحيحه".
وهذا صريح في أن المسجد الحرام أفضل بقاع الأرض على الإطلاق، ولذلك كان شدّ الرحال إليه فرضا، ولغيره مما يستحب ولا يجب ) [الإمام ابن القيم رحمه الله].
- ( من خصائصها= كونها قبلة لأهل الأرض كلهم، فليس على وجه الأرض قبلة غيرها ) [الإمام ابن القيم رحمه الله].
- ( من خواصها= أنه يحرم استقبالها واستدبارها عند قضاء الحاجة؛ دون سائر بقاع الأرض ) [الإمام ابن القيم رحمه الله].
- ( من خواصّها= أن المسجد الحرام أول مسجد في الأرض؛ كما في "الصحيحين" عن أبي ذر رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أول مسجد في الأرض؟ فقال: "المسجد الحرام". قلت: ثم أي؟ قال: "المسجد الأقصى". قلت: كم بينهما؟ قال: "أربعون عاما" ) [الإمام ابن القيم رحمه الله].
- ( ومما يدل على تفضيلها= أن الله تعالى أخبر أنها أم القرى، فالقرى كلها تبع لها، وفرع عليها، وهي أصل القرى، فيجب ألا يكون لها في القرى عديل، فهي كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن الفاتحة أنها أم القرآن، ولهذا لم يكن لها من الكتب الإلهية عديل ) [الإمام ابن القيم رحمه الله].
- ( ومن خواصه: أنه يعاقب فيه على الهمِّ بالسيئات وإن لم يفعلها؛ قال تعالى: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج: 25].
فتأمل كيف عَدَّى فعل الإرادة هاهنا بالباء، ولا يقال: أردت بكذا؛ إلا لما ضُمّن معنى فعل (همّ) فإنه يقال: هممت بكذا، فَتَوَعَّدَ من همّ بأن يظلم فيه بأن يذيقه العذاب الأليم.
ومن هذا= تضاعف مقادير السيئات فيه؛ لا كمياتها، فإن السيئة جزاؤها سيئة، لكن سيئة كبيرة وجزاؤها مثلها، وصغيرة جزاؤها مثلها، فالسيئة في حرم الله وبلده وعلى بساطه آكد وأعظم منها في طرف من أطراف الأرض، ولهذا ليس من عصى الملك على بساط ملكه كمن عصاه في الموضع البعيد من داره وبساطه ) [الإمام ابن القيم رحمه الله].
- ( تأمل كيف افتتح الله إيجاب الحج بذكر محاسنِ البيت، وعظَّم شأنه بما يدعو النفوس إلى قصده وحجه، وإن لم يُطْلَبْ ذلك منها، فقال: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ﴾ [سورة آل عمران آية 96- 97] فوصفه بخمس صفات، أحدُهما: أنه أسبق بيوتِ العالم وضعَ في الأرض، الثاني: أنه مبارك، والبركةُ كثرةُ الخيرِ ودوامه، وليس في بيوت العالم أبركَ منه، ولا أكثرَ خيرًا ولا أدومَ ولا أنفعَ للخلائق، الثالث: أنه هدى..الرابع: ما تضمنه من الآيات البينات...الخامس: الأمنُ لداخله، وفي وصفه بهذه الصفات دون إيجابِ قصده، ما يبعث النفوسَ على حجه، وإن شطت بالزائرين الديارُ، وتناءت بهم الأقطار.
وهذا يدلك على الاعتناء منه سبحانه بهذا البيت العظيم، والتنويه بذكره، والتعظيمِ لشأنه، والرفعةِ من قدره، ولو لم يكن له شرفٌ إلا إضافتَه إياه إلى نفسه بقوله: ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِين﴾ [سورة البقرة آية 125] لكفى بهذه الإضافةِ فضلًا وشرفًا، وهذه الإضافةُ هي التي أقبلت بقلوب العالَمين إليه، وسَلَبَتْ نفوسَهم حبًّا له وشوقًا إلى رؤيته، فهو المثابةُ للمحبين، يثوبون إليه، ولا يقضون منه وطرًا أبدًا، كلما ازدادوا له زيارةً ازدادوا له حبًّا وإليه اشتياقًا ) [الإمام ابن القيم رحمه الله].
- ( قد أمر الله سبحانه بقتل من قاتل في الحرم، فقال: {وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ} [البقرة: 191] ) [الإمام ابن القيم رحمه الله].
- ( الجاني في الحرم بمنزلة المفسد الجاني على بساط الملك في داره وحرمه، ومن جنى خارجه ثم لجأ إليه فإنه بمنزلة من جنى خارج بساط السلطان وحرمه ثم دخل إلى حرمه مستجيرا ) [الإمام ابن القيم رحمه الله].
- ( الجانى في الحرم قد انتهك حُرمة الله سبحانه، وحُرمة بيته وحَرَمه، فهو هاتِك لحُرمتين بخلاف غيره ) [الإمام ابن القيم رحمه الله].
- ( الجاني في الحرم هاتك لحرمته بإقدامه على الجناية فيه، بخلاف من جنى خارجه ثم لجأ إليه، فإنه معظّم لحرمته مستشعر بها بالتجائه إليه ) [الإمام ابن القيم رحمه الله].
- ( لو لم يُقم الحد على الجناة في الحرم لعمّ الفساد، وعظم الشرّ في حرم الله، فإن أهل الحرم كغيرهم في الحاجة إلى صيانة نفوسهم وأموالهم وأعراضهم، ولو لم يشرع الحدّ في حق من ارتكب الجرائم في الحرم؛ لتعطّلت حدود الله وعمّ الضرر للحرم وأهله ) [الإمام ابن القيم رحمه الله].
- ( المسجد الحرام يراد به في كتاب الله تعالى ثلاثة أشياء، نفس البيت، والمسجد الذي حوله، والحرم كله.
فالأول: كقوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 144].
والثاني: كقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} [الحج: 25]، على أنه قد قيل إن المراد به هاهنا الحرم كله والناس سواء فيه.
والثالث: كقوله: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [الإسراء: 1]، وإنما أسري به من داره من بيت أم هانئ، وجميع الصحابة والأئمة فهموا من قوله تعالى: {فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} [التوبة: 28] أن المراد مكة كلها والحرم، ولم يخص ذلك أحد منهم بنفس المسجد الذي يطاف فيه ) [الإمام ابن القيم رحمه الله].
- ( فإن سارة امرأة الخليل صلى الله عليه وسلم غارت من هاجر وابنها أشد الغيرة، فإنها كانت جارية، فلما ولدت إسماعيل وأحبه أبوه اشتدت غيرة " سارة " فأمر الله سبحانه أن يبعد عنها " هاجر " وابنها ويسكنها في أرض مكة لتبرد عن " سارة " حرارة الغيرة، وهذا من رحمته تعالى ورأفته، فكيف يأمره سبحانه بعد هذا أن يذبح ابنها ويدع ابن الجارية بحاله، هذا مع رحمة الله لها وإبعاد الضرر عنها وجبره لها، فكيف يأمر بعد هذا بذبح ابنها دون ابن الجارية، بل حكمته البالغة اقتضت أن يأمر بذبح ولد السرية، فحينئذ يرق قلب السيدة عليها وعلى ولدها، وتتبدل قسوة الغيرة رحمة، ويظهر لها بركة هذه الجارية وولدها، وأن الله لا يضيع بيتا هذه وابنها منهم، وليري عباده جبره بعد الكسر، ولطفه بعد الشدة، وأن عاقبة صبر " هاجر " وابنها على البعد والوحدة والغربة والتسليم إلى ذبح الولد آلت إلى ما آلت إليه من جعل آثارهما ومواطئ أقدامهما مناسك لعباده المؤمنين، ومتعبدات لهم إلى يوم القيامة، وهذه سنته تعالى فيمن يريد رفعه من خلقه أن يمن عليه بعد استضعافه وذله وانكساره. قال تعالى: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} [القصص: 5] وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم ) [الإمام ابن القيم رحمه الله].
- ( فتح مكة= هو الفتح الأعظم الذي أعز الله به دينه ورسوله وجنده وحزبه الأمين، واستنقذ به بلده وبيته الذي جعله هدي للعالمين، من أيدي الكفار والمشركين، وهو الفتح الذي استبشر به أهل السماء، وضربت أطناب عِزِّه على مناكب الجوزاء، ودخل الناس به في دين الله أفواجاً، وأشرق به وجه الأرض ضياء وابتهاجاً ) [الإمام ابن القيم رحمه الله].
- ( وحين حمدنا السُّرى، ووصلنا إلى أم القرى، وعلمنا أننا أضياف الله، فدخلنا منه بأحسن القِرى، وتبدّت لنا الكعبة الغراء في أستارها، وتجلت لنا المليحة في حلل أنوارها، وأخذنا نطوف طواف القدوم، ونعرف ما لنا من الكرامة بموجوده على المعدوم، وقضينا الأنساك مهتدين في قضائها، مقتدين في شروع أدائها، وعدنا إلى البيت الحرام، نطوف به ونستلم، ونقبل أركانه ونلتزم، ونصبر عند تقبيل الحجر على الاصطدام والاضطرام، نغتفر الزحام عند الورود على منهله، والمنهل العذب كثير الزحام، ونستنزل الألطاف، ونستلذ المقام بين الركن والمقام، ونشرب من ماء زمزم ما يروي الأوام، ويبري من السقام، والقلب يتشبت بأهداب تلك الخيام، ويوطن نفسه دون بقية الجسد على المقام، والطرف يذرف دموع المذنب الخاطئ ) [الرّحالة خالد البلوي رحمه الله تعالى].
- ( مضمون ما فسّر به هؤلاء الأئمة قول الله تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً} [البقرة: 125]: أن الله تعالى يذكر شرف البيت، وما جعله موصوفًا به شرعًا وقدرًا من كونه مثابة للناس، أي: جعله محلًا تشتاق إليه الأرواح، وتحن إليه، ولا تقضي منه وطرًا، ولو ترددت إليه كل عام استجابة من الله تعالى لدعاء خليله إبراهيم عليه السلام في قوله {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ} إلى أن قال {رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ} [37-40] ) [الإمام ابن كثير رحمه الله].
- ( حرم مكة إذا دخله الخائف يأمن من كل سوء ) [الإمام ابن كثير رحمه الله].
- ( أمر الله تعالى عباده المؤمنين الطاهرين دينًا وذاتا بنَفي المشركين الذين هم نجس دينًا عن المسجد الحرام؛ وأن لا يقربوه بعد نزول هذه الآية..فأتمّ الله ذلك وحكم به شرعًا وقدرًا ) [الإمام ابن كثير رحمه الله].
- ( أمر تعالى باستقبال الكعبة من جميع جهات الأرض شرقا وغربا، وشمالا وجنوبا، ولا يستثنى من هذا شيء سوى النافلة في حال السفر، فإنه يصليها حيثما توجه قالبه وقلبه نحو الكعبة، وكذا في حال المسايفة - المقاتلة بالسيف - يصلي على كل حال، وكذا من جهل جهة القبلة يصلي باجتهاده، وإن كان مخطئا في نفس الأمر؛ لأن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها ) [الإمام ابن كثير رحمه الله].
- ( ينبغي لكل من هو بمكة من أهلها والمجاورين بها من الحجاج والزوار أن يقدروا قدرها، ويعظموا حرمتها وحرمة البيت، ويلاحظ سرّها، ويتأمل فضيلتها، ويستقيم ما أصبح به من نعمة جوار هذا البيت، ويشكر القيام بحقِّه، ويجتنب كثيرًا من المباحات التي لا يليق عن حِلٍ لقْطُها، ويُنَزَّه عن اللهو واللعب والترفهات التي لا خير فيها، فإنها بلدُ عبادةٍ، لا بلد رفاهة، ومكان اجتهاد، لا مكان راحة، ومحل تيقظ وفكرة، لا محل سهو وغفلة ) [محمد بن أحمد بن الضياء].
- ( من عجائب الآيات في الكعبة المشرفة= أن بابها يفتح والحرم غاصّ بأمم لا يحصيها إلا الله الذي خلقهم ورزقهم، فيدخلونها أجمعين ولا تضيق عنهم.
ومن عجائبها: أنها لا تخلو من طائف أبدا ليلا ولا نهارا، ولم يذكر أحد أنه رآها قط دون طائف ) [ابن بطوطة رحمه الله].
- ( من عجائب صنع الله بمكة أنه طبع القلوب على النزوع إلى مشاهدها المنيفة، والشوق إلى المثول بمعاهدها الشريفة، وجعل حبها متمكنا في القلوب، فلا يحل بها أحد إلا أخذت بمجامع قلبه، فلا يفارقها إلا أسفا لفراقها، متولها لبعاده عنها، شديد الحنين إليها، ناويا لتكرار الوفادة إليها، حكمة من الله بالغة، وتصديقا لدعوة خليله عليه السلام ) [ابن بطوطة رحمه الله].
- ( شاهدنا الكعبة الشريفة -زادها الله تعظيما- وهي كالعروس تتجلى على منصة الجلال وترفل في برود الجمال، محفوفة بوفود الرحمان، موصولة إلى جنة الرضوان ) [ابن بطوطة رحمه الله].
- ( وكم من ضعيف يرى الموت عيانا دونها ويشاهد التلف في طريقها فإذا جمع الله بها شمله تلقاها مسرورا مستبشرا وكأنه لم يذق لها مرارة ) [ابن بطوطة رحمه الله].
- ( لأهل مكة الأفعال الجميلة والمكارم التامة والأخلاق الحسنة والإيثار إلى الضعفاء والمنقطعين وحسن الجوار للغرباء، ومن مكارمهم أنهم متى صنع أحدهم وليمة يبدأ فيها بإطعام الفقراء والمنقطعين المجاورين ويستدعيهم بتلطف ورفق وحسن خلق، ثم يطعمهم، وأكثر المساكين المنقطعين يكونون بالأفران، حيث يطبخ الناس أخبازهم، فإذا طبخ أحدهم خبزه واحتمله إلى منزله، فيتبعه المساكين فيعطي لكل واحد منهم ما قسم له، ولا يردهم خائبين، ولو كانت له خبزة واحدة فإنها يعطي ثلثها أو نصفها طيب النفس بذلك من ضجر ) [ابن بطوطة رحمه الله].
- ( من أفعالهم -أي أهل مكة- الحسنة= أن الصغار يقعدون بالسوق، ومع كل واحد منهم قفتان: كبرى وصغرى، وهم يسمون القفة مكتلاً، فيأتي الرجل من أهل مكة إلى السوق فيشتري الحبوب واللحم والخضر، ويعطي ذلك للصبي، فيجعل الحبوب في إحدى قفتيه واللحم والخضر في الأخرى، ويوصل ذلك إلى دار الرجل ليهيأ له طعامه منها، ويذهب الرجل إلى طوافه وحاجته، فلا يذكر أن أحدًا من الصبيان خان الأمانة في ذلك قط. بل يؤدي ما حمل على أتم الوجوه، ولهم على ذلك أجرة معلومة من فلوس، وأهل مكة لهم ظرف ونظافة في الملابس، وأكثر لباسهم البياض فترى ثيابهم أبدًا ناصعة ساطعة، ويستعملون الطيب كثيرًا ويكتحلون، ويكثرون السواك بعيدان الأراك الأخضر، ونساء مكة فائقات الحسن، بارعات الجمال، ذوات صلاح وعفاف، وهن يكثرن التطيب حتى أن إحداهن لتبيت طاوية وتشتري بقوتها طيبًا، وهنّ يقصدن الطواف بالبيت في كل ليلة جمعة، فيأتين في أحسن زي، وتغلب على الحرم رائحة طيبهن، وتذهب المرأة منهن فيبقى أثر الطيب بعد ذهابها عبقًا، ولأهل مكة عوائد حسنة وغيرها ) [ابن بطوطة رحمه الله].
- ( أهل مكة لا يأكلون في اليوم إلا مرة واحدة بعد العصر، ويقتصرون عليها إلى مثل ذلك الوقت، ومن أراد الأكل في سائر النهار أكل التمر، ولذلك صحّت أبدانهم وقلّت فيهم الأمراض والعاهات ) [ابن بطوطة رحمه الله].
- ( إن كل صلاة بالمسجد الحرام فرادى بمائة ألف صلاة كما ورد في الحديث، وكل صلاة فيه جماعة بألفي ألف صلاة وسبعمائة ألف صلاة، والصلوات الخمس فيه بثلاثة عشر ألف ألف وخمسمائة صلاة، وصلاة الرجل منفردا في وطنه غير المسجدين المعظّمين كل مائة سنة شمسية بمائة وثمانين ألف صلاة، وكل ألف سنة بألف ألف صلاة وثمانمائة ألف صلاة، فتلخص من هذا: أن صلاة واحدة في المسجد الحرام جماعة يفضل ثوابها على ثواب من صلى في بلده فرادى، حتى بلغ عمر نوح عليه السلام نحو الضعف، وسلام على نوح في العالمين. وهذه فائدة تساوي رحلة. هذا إذا لم تضف إلى ذلك شيئا من أنواع البر، فإن صام يوما، وصلى الصلوات الخمس جماعة، وجعل فيه أنواعا من البر قلنا بالمضاعفة، فهذا مما يعجز الحساب عن حصر ثوابه ) [بدر الدين ابن الصاحب].
- ( الحكمة في تحديد الحرم= التزام ما ثبت له من الأحكام؛ وتبين ما اختص به من البركات ) [الإمام الرزكشي رحمه الله].
- ( سبحان من جعل بيته الحرام مثابة للناس وأمنا؛ يترددون إليه ويرجعون عنه ولا يرون أنهم قضوا منه وطرا! لما أضاف الله تعالى ذلك البيت إلى نفسه ونسبه إليه بقوله عز وجل لخليله: {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ} تعلقت قلوب المحبين ببيت محبوبهم فكلما ذكر لهم ذلك البيت الحرام حَنُّوا، و كلما تذكروا بُعدهم عنه أَنُّوا ) [الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله].
- ( قد ذكر الله تعالى هذا البيت في كتابه بأعظم ذكر وأفخم تعظيم وثناء، قال الله تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُود} [البقرة:125] الآيات وقال تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا} [آل عمران: 96-97]، وقال تعالى: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُود*وَأَذّن فِي النَّاسِ بِالْحَجّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلّ فَجّ عَميِقٍ} [الحج: 26-27] ) [الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله].
- ( مجموع المرات التي دخل فيها النبي ﷺ الكعبة بعد هجرته أربع مرات، وهي يوم فتح مكة وفي ثاني يوم الفتح وفي حجة الوداع وفي عمرة القضية ) [أبو الطيب الحسني الفاسي].
- ( اتفق الأئمة الأربعة على استحباب دخول البيت (الكعبة) واستحسن مالك كثرة دخولها، ففي مناسك ابن الحاج أنه سئل عن الصلاة في البيت وعن دخولها كلما قدر عليه الداخل فقال: ذلك واسع حسن ) [أبو الطيب الحسني الفاسي].
- ( في سنة671هـ وقع غلاء شديد بمكة، وكان الناس يتعجبون من صبر أهل الحجاز وعدم افتضاحهم وكثرة مروءتهم في هذه الشدة، وهذا يدل على قناعتهم وتسليمهم الأمر لربهم ) [أبو الطيب الحسني الفاسي].
- ( البُزَاق في القبلة حرام؛ سواء كان في المسجد، أم لا، ولا سيما من المصلّي ) [الحافظ ابن حجر رحمه الله].
- ( انتهاك حرمة الحرم بالمعصية تستلزم انتهاك حرمة الله، لأن تعظيم الحرم من تعظيم الله، فصارت المعصية في الحرم أشدّ من المعصية في غيره؛ وإن اشترك الجميع في ترك تعظيم الله تعالى ) [الحافظ ابن حجر رحمه الله].
- ( الذي لا أرتاب فيه= أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يترك الحج وهو بمكة قط؛ لأن قريشا في الجاهلية لم يكونوا يتركون الحج، وإنما يتأخر منهم عنه من لم يكن بمكة أو عاقه ضعف، وإذا كانوا -وهم على غير دين- يحرصون على إقامة الحج ويرونه من مفاخرهم التي امتازوا بها على غيرهم من العرب فكيف يظن بالنبي صلى الله عليه وسلم أنه يتركه؟! وقد ثبت من حديث جبير بن مطعم أنه رآه في الجاهلية واقفا بعرفة، وأن ذلك من توفيق الله له، وثبت دعاؤه قبائل العرب إلى الإسلام بمنى ثلاث سنين متوالية ) [الحافظ ابن حجر رحمه الله].
- ( مكة عمود العالم، فما دامت موجودة فالدين قائم ) [بدر الدين العيني الحنفي].
- ( مكة -البلد الأمين- الذي يأمن فيه من حلّ به من البشر والطير والوحش، وأمانته شاملة لكل ما يخشى؛ حتى الفقر والعيلة والجوع وتغير الدين بعد تقرره، مع أن به البيت الذي جعله الله هدًى للعالمين، وقيامًا للناس، فهو مدار الدين والدنيا ) [البقاعي رحمه الله].
- ( حين أشرفنا على الكعبة الشريفة رأينا ما يدهش الناظر، ويحيّر الفكر والخاطر؛ بما خصّها تعالى به من الهيبة والتعظيم، فطفنا بها سبعًا، وصلينا الركعتين؛ في مستقر الأمن والأمان: مقام أبينا إبراهيم عليه السلام.
ثم خرجنا من باب الصفا إلى الصفا، وسعينا سبعًا وقد تمت العمرة بالحلاق.
فذهب عنا تعب السفر..بتحصيل البغية والظفر ) [القلصادي] .
- ( إنَّ مكة مدينة جميلة ) [فارتيما].
- ( قوله صلى الله عليه وسلم: "ماء زمزم لما شُرب له" أي: من شربه لمرضٍ شفاه الله، أو لجوعٍ أشبعه الله، أو لحاجةٍ قضاها الله ) [محمد عبد الرؤوف المناوي].
- ( لا يخفى أن الحرم محل عظيم القدر، ومكان جليل الخطر والفخر، وأنه فاضل وغيره بالنسبة إليه المفضول، لما أفاض الله عليه من منهمر رحمته الباهرة للعقول، قال تبارك وتعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} [العنكبوت:67]، وقال تعالى: {أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُون} [القصص: 57] ) [علي بن عبد القادر الطبري].
- ( وما زال الملوك من قديمٍ وحديثٍ يعتنون بتعظيمِ البيتِ الشريفِ، وبإصلاح ما وهى منه، وبتزيينه وتطيِيبِه ) [علي بن عبد القادر الطبري].
- ( لم يوجد ولا رجل واحد لم ينادِ بأعلى صوته "لبيك" تخرج من أعماقه.
في هذه اللحظة المقدسة خرّ كثيرون على ركبهم رافعين أيديهم بلهفة نحو الكتلة السوداء -يعني الكعبة- وألقى آخرون بأنفسهم على الأرض ساجدين يقبّلون رمال الصحراء بحماسة شديدة، أطلق الجميع العنان لعواطفهم وحماستهم بكل وسيلة متاحة.
كان بالتأكيد مشهدًا لم يكن ليُرى خارج مكة ) [هنريخ فريهير فون].
- ( ومن أول نظرة وقعت إلى جمال الكعبة المكرمة، ذهلنا عن مصائب السفر ومشاقه كلها، كأنا لم نُشَك بشوكة في الطريق.
وهكذا شأن كل مشوق وصديق، كيف والكعبة الزهراء -زادها الله تعالى ضياء وسناء- ياقوتة كحيلة، تجلوا بصائر أعين الصلحاء، مجلوة للناظرين، في حلّة من الكرامة سوداء؟! ) [محمد حسن صديق خان].
- ( لم أقف على نصّ صريح صحيح في تضاعف السيئات فيها، والمؤاخذة بالخاطر بل عفا الله عن هذه الأمة ما حدّثت به نفسها، نعم المعصية فيها أشدّ وأكبر من غيرها لشرف المكان، والعاصي أسوأ حالاً وأقبح مآلاً لقلّة المبالاة بسخط الرحمن، كيف والمعصية وإن كانت فاحشة حيث وجدت لكنها بحضرة الإله وفناء بيته ومحلّ اختصاصه وحرمه أفحش وأقبح؟! ) [محمد حسن صديق خان].
- ( الرابطة الإسلامية أينما وُجدت فإن أساسها الارتباط بالحرمين ) [أيوب صبري باشا].
- ( فاعلم أن الذنب بمكة عظيم، والتجرؤ عليه يورث مقت الله تعالى، فإن المعصية وإن كانت فاحشة في أي موضع لكنها في مكة أعظم، وفناء بيته ومحل اختصاصه أفحش.
وكما أن المعصية تضاعف عقوبتها بالعلم، إذ ليس عقاب من يعلم كمن لا يعلم.
وبشرف الشخص في نفسه؛ كما قال تعالى في حق أزواج النبي صلى الله عليه وسلم: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} [الأحزاب: 30].
وبشرف الزمان كالمعصية في شهر رمضان، والرفث في مدة الإحرام، فلذلك لا يبعد أيضًا أن يضاعف عقوبة المعصية ليثبت بيان شرف مكان الخير وعظيم حرمته.
وأي شيء أعظم من مبارزة الملك الجليل في حرمه ومخالفته في محل حرمته؟! والله أعلم ) [محمد بن أحمد بن الصباغ].
- ( وأما ما جاء في مشاهدة البيت؛ قال بعض العلماء رحمهم الله: من الأدب اللائق بذلك الحضرة الشريفة أنه إن وقع نظره على البيت فليكن ذلك مقرونًا بالتعظيم والإجلال، وأن يحضر في نفسه عند مشاهدة البيت ما خان به من تشريف النسبة وأوصاف الجلال ) [محمد بن أحمد بن الصباغ].
- ( قد كان العارفون بالله وأرباب القلوب ينزعجون إذا دخلوا مكة، ولاحت لهم أنوار الكعبة، فيهيمون عند مشاهدة الجمال وبلوغ الرتبة؛ لأن رؤية المنزل تذكر بصاحب المنزل ) [محمد بن أحمد بن الصباغ].
- ( فليس أحد من أهل الإسلام إلا وهو يحن إلى رؤية الكعبة والطواف ، والناس يقصدونها من سائر الجهات، ويتحملون في سبيل ذلك أنواعاً وألواناً من متاعب وشدائد الأسفار ، فلو رآهم من أكرمه الله بسكنى بلده الحرام لازداد شكراً لله بما أنعم عليه من مجاورة بيته الحرام ) [جمال القاسمي رحمه الله].
- ( هذا الفعل -أي ما كان يفعله المشركون عند البيت من التصفير والتصفيق- المبطل لحرمة البيت كفرٌ؛ للاستهانة بشعائره تعالى، والسخرية بها ) [جمال القاسمي رحمه الله].
- ( وكيف للمحب الوامق لبيت الله الحرام ألا يهوى المكوث فيه؟! لأن فيه الكعبة المعظمة بيت الله الحرام الذي هو الآن متجه الأنظار والقلوب من عالم الإسلام، ومستقر التقى، ومقام الأمن والسلام كما كان في سالف العصور والدهور موطن التبجيل والاحترام والتعظيم والإكرام ) [محمد صالح الشيبي].
- ( بنى الله البيت وإذا الجلال حجبه وأستاره، والحق حائطه وجداره، والتوحيد مظهره ومناره، والنبيون والمؤمنون بُناته وعمّاره، والله عز وجل ربه وجاره ) [أحمد شوقي].
- ( لا ينبغي للإنسان بعد أن أكرمه الله بسكناها أن يترك السكنى بها؛ إلا لضرورة دينية أو دنيوية ) [أبو العلا المباركفوري].
- ( يلمس المرء لدى المكّيين في مواسم الحج كرمًا بارزًا، والمكّيون بطبيعة حياتهم الاجتماعية كرماء إلى حدّ الإسراف ) [كريستيان سنوك هورخرونيه "عبد الغفار"].
- ( الناظر في شوارع مكة يرى خليطا متنوعا من السكان من كل جنس ولون، فهناك الأتراك ذوو البشرة البيضاء والنوبيون ذو البشرة السوداء بالإضافة إلى العديد من الأجناس الأخرى التي تتدرج ألوانها من البياض إلى السمرة، هذا الخليط السكاني المتعدد الجنسيات الذي تحدوه الرغبة في العيش سويا، الغالبية العظمى منهم قدموا إلى هذه الديار لرغبتهم أن يكونوا بجوار بيت الله الحرام ) [كريستيان سنوك هورخرونيه "عبد الغفار"].
- ( جمعت مكة الجاليات المختلفة من كل جنس ولغة، ويشعر هؤلاء جميعا بأنهم في بلدهم، على الرغم من أنهم غرباء عنها، إن كثيرا من هذه الجاليات قد اندمجت في المجتمع المكي، بحيث قد قاربوا في تطلعاتهم وفي علاقاتهم أفراد المجتمع المضيف ) [كريستيان سنوك هورخرونيه "عبد الغفار"].
- ( ومن الغريب أن كل من يقع بصره لأول وهلة على الكعبة تراه في دهشة كبيرة، لا لكون بصره وقع على شيء لم يتعود النظر إليه، ولكن ما يعتريه من الخشية والرهبة، فترى هؤلاء المشاهدين تأخذهم هزة كبيرة من هذا المنظر المهيب، ومنهم من يقف لحظة في مكان المتأدب المستكين المتصاغر أمام هذه العظمة الكبرى، ومنهم من يصرخ بصوت الخوف ولسانه يلهث بكلمات منفصلة عن بعضها، ومنهم من يجهش بالبكاء فلا تسمع له غير نحيب يختنق معه صوته وتنقطع منه أنفاسه ) [الرحّالة محمد لبيب البتنوني].
- ( وكيف لا تكون الكعبة كذلك ورسول الله صلى الله عليه وسلم دعا لها بالتشريف والتعظيم والمهابة والتكريم؟! ثم هي موضع الرحمة ومستنزل البركات، ومهبط الملائكة ومكان موقفهم، وعندها الملتزم والمتعوذ والمستجار، وهي مقصد الأنبياء والأتقياء، وملجأ الصالحين والأبرار ) [الرحّالة محمد لبيب البتنوني].
- ( ما زالت الكعبة محترمة في الجاهلية حتى أتى الإسلام وجعلها الله في السنة الثانية للهجرة قبلةً للمسلمين حيثما كانوا، وكانوا يصلّون إلى بيت المقدس، قال الله تعالى لنبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144]، فكان كذلك، وصارت الكعبة قبلتهم في صلاتهم؛ تتوجه إليها وجوههم، وتعنو لله في قبالتها جباههم؛ في أي نقطة كانوا من هذه الكرة الأرضية، لا فرق بين شمالي وجنوبي؛ وشرقي وغربي؛ بعيد أو قريب، وبذلك أصبحت عندهم مركز الدائرة التي يرتبطون بها جميعًا بحبل دينهم المتين؛ دين التوحيد؛ دين المساواة؛ دين الإخاء؛ دين الحرية الصحيحة؛ ولها في نفوسهم من الإجلال والإعظام ما لا يقوى على تعبيره لسان؛ أو يتخيّله جنان، لا فرق في ذلك بين أهل مذهبٍ ومذهبٍ آخر، بل ترى المسلمين على اختلاف مذاهبهم يصلّون حولها وراء أيّ إمام كان، وهذا لا يدلّ فقط على التسامح الموجود بين المسلمين، بل فيه أكبر برهانٍ على التضامن الموجود بينهم؛ وتوحيد الغاية التي يرمون إليها في عبادتهم، وهذا التسامح لا تراه موجودًا بالمرة بين مذاهب الديانات الأخرى ) [الرحّالة محمد لبيب البتنوني].
- ( جعل الله مكة مكاناً لعبادته تعالى لا غير، وكأنه سبحانه وتعالى لما قضى بأن تكون محلاً للعبادة ومثابةً للناس وأمنا قضى أيضاً بتجريدها من كل زخارف الطبيعة، ولم يشأ أن يطرزها بشيءٍ من وَشْي النبات، ولا أن يخصها بشيءٍ من مسارح النظر المونقة، حتى لا يلهو فيها العابد عن ذكر الله بخضرة ولا غدير، ولا بنضرة ولا نمير، ولا بهديل على الأغصان ولا هدير، وحتى يكونَ قصده إلى مكة خالصاً لوجه ربه الكريم، لا يشوبه تطلع إلى جنان أو رياض، ولا حنين إلى حياضٍ أو غياض. وحتى يبتلي الله عباده المخلصين، الذين لا وُجهة لهم سوى التسبيح له، والتأمل في عظمته تعالى، فكانت مكة أجرد بلدةٍ عرفها الإنسان، وأقحل بقعة وقعتْ عليها العينان ) [شكيب أرسلان رحمه الله].
- ( الواجب على المسلمين أن يعظّموا هذه البقعة، ويقدّسوا هذه الأماكن الطاهرة، وتعظيم هذه البقعة تعظيم للإسلام، وتقديسها تقديسه ) [الملك عبد العزيز آل سعود].
- ( ومن أجل كون البيت قيامًا للناس قال من قال من العلماء: إن حج بيت الله فرض كفاية في كل سنة، فلو ترك الناس حجه؛ لأثم كل قادر، بل لو ترك الناس حجة؛ لزال ما به قوامهم، وقامت القيامة ) [الشيخ السعدي رحمه الله].
- ( جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس؛ يقوم بالقيام بتعظيمه دينُهم ودنياهم، فبذلك يتم إسلامهم، وبه تحط أوزارهم، وتحصل لهم بقصده العطايا الجزيلة، والإحسان الكثير، وبسببه تنفق الأموال، وتتقحم من أجله الأهوال، ويجتمع فيه من كل فج عميق جميع أجناس المسلمين، فيتعارفون ويستعين بعضهم ببعض، ويتشاورون على المصالح العامة، وتنعقد بينهم الروابط في مصالحهم الدينية والدنيوية ) [الشيخ السعدي رحمه الله].
- ( افترض الله حج هذا البيت الذي أسكن به ذرية إبراهيم، وجعل فيه سرًّا عجيبًا جاذبًا للقلوب، فهي تحجّه، ولا تقضي منه وطرًا على الدوام، بل كلما أكثر العبد التردد إليه ازداد شوقه، وعظم ولعه وتوقه، وهذا سر إضافته تعالى إلى نفسه المقدسة ) [الشيخ السعدي رحمه الله].
- ( مجرد إرادة الظلم والإلحاد في الحرم موجب للعذاب، وإن كان غيره لا يعاقب العبد عليه إلا بعمل الظلم، فكيف بمن أتى فيه أعظم الظلم؛ من الكفر والشرك، والصد عن سبيله، ومنع من يريده بزيارة، فما ظنكم أن يفعل الله بهم؟! ) [الشيخ السعدي رحمه الله].
- ( كانوا في الجاهلية -على شركهم- يحترمون البيت أشدّ الاحترام، ويجد أحدهم قاتل أبيه في الحرم؛ فلا يهيّجه، فلما جاء الإسلام زاده حرمةً وتعظيمًا؛ وتشريفًا؛ وتكريمًا ) [الشيخ السعدي رحمه الله].
- ( لقد وسّع الحج نطاق تفكيري، وفتح بصيرتي، فرأيتُ في أسبوعين ما لم أرَه في تسعٍ وثلاثين سنة، رأيت كلَّ الأجناس والألوان من البيض ذوي العيون الزرق حتى الأفارقة ذوي البشرة السوداء، وقد ألّفت بين قلوبهم الوحدة والأخوة، فأصبحوا يعيشون وكأنهم ذات واحدة في كنف الله ) [مالكوم إكس "مالك شباز"].
- ( الظاهر أن السرّ في قراءته صلى الله عليه وسلم سورة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} وسورة {قُلْ يا أيهَا الْكَافِرُونَ} في ركعتي الطواف أنه لاستحضار عظمة الله وإشعار القلب أن الطواف بالكعبة ليس عبادة لها، وإنما هو عبادة الله الأحد الصمد الذي لا يستحق العبادة سواه، وإنما الطواف كسائر العبادات امتثالا لأمر الله وشرعه، على حد قول عمر رضي الله عنه، لما قبل الحجر الأسود "والله أني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله صلى اله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك" ) [فالح بن مهدي].
- ( الحرم مركزُ الدائرة في العالم الإسلامي، وقبلةُ القلوب والوجوه، وعلى جميع المسلمين المحافظة على الدين فيه -وفي غيره أيضاً - لكن فيه أهم؛ لأنه نقطة الارتكاز ومحور الدائرة، وقطب الرحى بالنسبة للعالم الإسلامي ) [الطاهر ابن عاشور رحمه الله].
- ( إنَّ الكعبة كانت قيامًا للناس وهم العربُ؛ إذ كانت سبب اهتدائهم إلى التوحيد واتّباع الحنيفية، واستبقت لهم بقية من تلك الحنيفية في مدة جاهليتها كلها لم يعدموا نفعها ) [الطاهر ابن عاشور رحمه الله].
- ( ولا شك أن أول هيكل أقيم لتوحيد الله وتنزيهه وإعلان ذلك وإبطال الإشراك هو الكعبة التي بناها إبراهيم أول من حاج الوثنيين بالأدلة وأول من قاوم الوثنية بقوة يده فجعل الأوثان جذاذا، ثم أقام لتخليد ذكر الله وتوحيده ذلك الهيكل العظيم ليعلم كل أحد يأتي أن سبب بنائه إبطال عبادة الأوثان، وقد مضت على هذا البيت العصور فصارت رؤيته مذكرة بالله تعالى، ففيه مزية الأولية، ثم فيه مزية مباشرة إبراهيم عليه السلام بناءه بيده ويد ابنه إسماعيل دون معونة أحد، فهو لهذا المعنى أعرق في الدلالة على التوحيد وعلى الرسالة معا وهما قطبا إيمان المؤمنين وفي هذه الصفة لا يشاركه غيره.
ثم سن الحج إليه لتجديد هذه الذكرى ولتعميمها في الأمم الأخرى، فلا جرم أن يكون أولى الموجودات بالاستقبال لمن يريد استحضار جلال الربوبية الحقة وما بنيت بيوت الله مثل المسجد الأقصى إلا بعده بقرون طويلة، فكان هو قبلة المسلمين ) [الطاهر ابن عاشور رحمه الله].
- ( فقد جاء إبراهيم بالتوحيد؛ وأعلنه إعلانا لم يترك للشرك مسلكا إلى نفوس الغافلين، وأقام هيكلاً؛ وهو الكعبة -أول بيت وضع للناس- وفرض حجّه على الناس= ارتباطا بمغزاه ) [الطاهر ابن عاشور رحمه الله].
- ( هذا البيت المنوّه بشأنه كان مقاما لإبراهيم، ففضائل هذا البيت تحقق فضيلة شرع بانيه في متعارف الناس ) [الطاهر ابن عاشور رحمه الله].
- ( هذا البيت لما كان أول بيت وضع للهدى وإعلان توحيد الله ليكون علما مشهودا بالحسّ على معنى الوحدانية ونفي الإشراك= فقد كان جامعا لدلائل الحنيفية، فإذا ثبت له شرف الأولية ودوام الحرمة على ممرّ العصور؛ دون غيره من الهياكل الدينية التي نشأت بعده، وهو مائل= كان ذلك دلالة إلهية على أنه بمحلّ العناية من الله تعالى، فدلّ على أن الدِّين الذي قارن إقامته هو الدِّين المراد لله، وهذا يؤول إلى معنى قوله: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ} [آل عمرَان: 19] ) [الطاهر ابن عاشور رحمه الله].
- ( الكعبة بيت بناه إبراهيم عليه السلام لعبادة الله وحده دون شريك؛ فيأوي إليه من يدين بالتوحيد، ويطوف به من يقصد تعظيم الله تعالى، ولذلك أضافه إلى الله تعالى باعتبار هذا المعنى؛ كما قال: أن طهرا بيتي للطائفين وفي قوله: {عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ} [إبراهيم: 37] ) [الطاهر ابن عاشور رحمه الله].
- ( فقد كان السعي بين الصفا والمروة من أعمال الحج من زمن إبراهيم عليه السلام تذكيرًا بنعمة الله على هاجر وابنها إسماعيل إذ أنقذه الله من العطش ) [الطاهر ابن عاشور رحمه الله].
- ( المراد بالحج: القصد إلى بيت الله. وصار لفظ الحج علما بالغلبة على الحضور بالمسجد الحرام لأداء المناسك. ومن حكمة مشروعيته= تلقّي عقيدة توحيد الله بطريق المشاهدة للهيكل الذي أُقيم لذلك حتى يرسخ معنى التوحيد في النفوس؛ لأن للنفوس ميلاً إلى المحسوسات ليتقوّى الإدراك العقلي بمشاهدة المحسوس، فهذه أصل في سنة المؤثرات لأهل المقصد النافع ) [الطاهر ابن عاشور رحمه الله].
- ( لا يجوز أن يترك عند بيت الله الحرام قذر من الأقذار، ولا نجس من الأنجاس المعنوية ولا الحسية، فلا يُترك فيه أحد يرتكب ما لا يرضي الله، ولا أحد يلوثه بقذر من النجاسات ) [محمد الأمين الشنقيطي].
- ( ما شرعه الله تعالى لمكة وما حولها وما فيها دليل على أن الله تعالى بعلم ما في السماوات وما في الأرض؛ لأن مكة في أرض جدبة لَا ماء فيها ولا شجر، وأنها جبال لا ثمرة فيها، وأنه لا خير يرجى من طبعها، كما قال إبراهيم - عليه السلام -: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرع عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمْ...}، فالسماء لا تجود عليها بغيثها منتظما، والأرض لا تجود عليها بإخراج إنزالها من معادن وفلزات سائلة وغير سائلة، فجعل الله سبحانه وتعالى الحج إليها، وحرّم على المحرمين ما حرّم من صيد ليبقى لهم ما عندهم من وفر في الحيوان المتأبد، ولتحمل من الأراضي الخصبة والغنية والتي فيها الثروات إلى تلك الأرض الجدبة؛ فينقل سبحانه من الفيض إلى الغيض ليعمّ الخير، وكانت بمكة كعبة للمسلمين، لأنها أرض لا ترام من غاصب، ولا تراد من ظالم، ثم هي في وسط الأرض؛ حتى قال علماء الأرضين: إن بيت الله تعالى الحرام في وسط أرض الله الواسعة، فهي نقطة الارتكاز في قُطرها.
وقد يقال إن أرض العرب فيها البترول وفيها الزرع، ونقول إن ذلك بعيد عنها بمئات الأميال، بل ربما تجاوزت الحسبة الألف، فبينها وبين البترول البيداء الجرداء، فكان المتفهم لذلك التشريع لا بد أن يؤمن بعلم الله بما في الأرض والسماء ) [أبو زهرة].
- ( في كل جزءٍ من شرع الله تعالى فيما شرعه يدل على أنه صادر عن العليم الخبير، فشريعة الله تعالى في الميراث تدلّ على أنه من عند الله تعالى العليم، وشريعته في تكريم البيت الحرام وما حرم فيه من صيد البر؛ وما أبيح من صيد البحر وطعامه وتحريمه القتال في الشهر الحرام؛ وإيجابه سوق الهدْي وغير ذلك من شعائر الحج؛ ومباحاته ومحظوراته= دليل على علم الله تعالى العزيز الحكيم الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ) [أبو زهرة].

© 2022 بوابة تعظيم البلد الحرام