بلد آمن

بلد آمن

آيات قرآنية في أمن مكة

من خصائص البلد الحرام التي ذكرها الله في كتابه خصيصة الأمن التي تميزت عن غيرها بتكرار ذكرها في القرآن الكريم؛ فقد تكررت في ثماني آيات كريمات بسياقات مختلفة، منها آية تضمنت قسما من الله العظيم بالبلد الأمين، قال –تعالى-:(وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ* وَطُورِ سِينِينَ* وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِين).

وآيتان ورد فيهما دعاء نبي الله إبراهيم – عليه السلام- لمكة بالأمن، قال –تعالى-:(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا)، (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا).

وخمس آيات ورد فيها ذكر الأمن في البلد الحرام على صيغة الإخبار والامتنان من الله – عز وجل- على أهل مكة والناس بذلك، ولبيان شرف البلد الحرام وتميزه عن سائر بلاد الدنيا، فقال – تعالى- : (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا)، وقال – تعالى- : (فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا)، وقال –تعالى-: (أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا)، وقال –تعالى-: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا}، وقال –تعالى-: (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ* الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ).

فهذه ثمانية مواطن في كتاب الله – عز وجل- فيها الإشارة إلى أمن مكة؛ فمن تأمل في تلك الآيات، وأنعم النظر في أساليبها، ولاحظ تكرار تلك الكلمة – (الأمن)- أدرك أن الأمن من أهم الأمور التي يجب توافرها قبل غيرها في مكة، كيف لا؛ وقد عد الأمن من أكبر شروط حسن المكان في أي بقعة على وجه الأرض، ولا خير في أرض يكون فيها الأمن معدوما؛ فالإنسان أينما كان يقوّم المكان بقدر ما فيه من الأمن والسلامة من المكاره والمخاوف، ويرغب في سكنى المكان أو مفارقته بقدر ما يجد فيه من الأمن؛ فبالأمن يأمن الناس على دمائهم وأموالهم وأعراضهم، وبه تُؤمن السُّبل، وتُردّ المظالم لأهلها؛ فينتصر المظلوم، ويُردع الظالم، ويُزار المرضى، ويُحترم الموتى، ويُرحم الصغير ويدلّل، ويُحترم الكبير ويُبجَّل، وتوصل الأرحام، ويُكرَّم الكريم، ويُعاقب اللئيم.

تعمر البلاد إذا شعر أهلها بالأمن، وتنمو ثرواتها إذا شعر أهلها بالأمن، فالحياة المستقرة تكون بالأمن، والفوضى والهرج يكون عند اختلال الأمن.

ولذا لم يغفل الإسلام هذا الجانب؛ بل جاء ليجعل الأمن مقاما بين الناس، فدعا المسلمين إلى فعل كل ما يكون مساعدا في توفير الأمن والسلامة، وحذرهم من كل ما يكون سببا في ذهابهما وحلول ضدهما، وإن خير ما يشهد لهذا موقف عرفة، أعظم مجمع في تاريخ الأمة في حجة الوداع يخاطب النّبي – صلّى الله عليه وسلّم- الأمة إلى قيام الساعة، يأمرها بتحقيق الأمن والسلامة، وبالابتعاد عن كل ما يكون مخلا بذلك من القتل ونحوه، فقال -صلى الله عليه وسلم- كما في صحيح البخاري: (أتدرون أي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال : أليس يوم النحر؟ قلنا: بلى، قال: أي شهر هذا؟. قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: أليس ذو الحجة؟ قلنا: بلى، قال: أي بلد هذا؟. قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أليست بالبلدة الحرام؟. قلنا: بلى، قال: فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، إلى يوم تلقون ربكم، ألا هل بلغت. قالوا: نعم، قال: اللهم اشهد، فليبلغ الشاهد الغائب …).

المعنى العام لأمن مكة

الأمن هو ضد الخوف، وأمن مكة: يشمل الأمن من كل ما يخاف منه؛ سواء كان المخوف منه من البشر كالحروب، أو المصائب العامة كالزلازل والأمراض وغيرها، فالمكي أو من وفد إلى هذه البلدة الشريفة يكون مطمئن النفس، ساكن البال، لا يخاف من أي مكروه لا في الزمن الحالي ولا في المستقبل تصديقا لقول البارئ -جل وعلا-؛ حيث قال –سبحانه- مقسما(وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ*وَطُورِ سِينِينَ*وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ)؛ فالبلد الأمين هنا يراد به مكة بالإجماع، والمقصود بالأمين: أي الآمن، والأمن المخبر عنه هنا هو ما جعله الله لمكة ومشاعرها وآياتها البينات، وجعله لأهلها قدرًا.

فالله -سبحانه أودع في مكة معالم الدين: الكعبة قبلة المسلمين، ومقام إبراهيم، والصفا والمروة، وزمزم، وغير ذلك من شعائر الله، فكلها آمنة بتأمين الله لمكة إلى يوم القيامة.

وسكان البلد الأمين في أمن من أعدائهم أن يحاربوهم أو يغزوهم، فغدت مكة حمى لأهلها تحميهم، وكل البلدان يحميها أهلها، يقول الماوردي – رحمه الله- : وفي معنى الأمين- أي في الآية- وجهان:

1- الآمن أهله من سبي أو قتل؛ لأن العرب كانت تكف عنه في الجاهلية أن تسبي فيه أحدا، أو تسفك فيه دما.

2- يعني المأمون على ما أودعه الله –تعالى- فيه من معالم الدين.

مكة بيئة آمنة منذ أن خلق الله السموات والأرض

البيئة المكية بيئة مقدّسة طاهرة، محرمة آمنة، لم تكن حرمتها وأمنها أمرا حادثا عليها بعد أن لم يكن؛ بل كان ذلك مقترنا بوجود الأرض وخلق السموات والشمس والقمر، فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لمكة حين افتتحها كما رواه ابن جرير: (هَذهِ حَرمٌ حَرَّمهُ اللهُ يومَ خَلق السَّمَوَاتِ والأَرْض، وخَلق الشَّجَر والقَمَر، ووضَعَ هذينِ الأخْشَبَينِ، لمْ تحلَّ لأحدٍ قبْلِي، ولاَ تحلُّ لأحدٍ بعْدِي، أُحلَّتْ لي ساعةً من نهارٍ)

فكانت مكة وما زالت بلدًا آمنًا من الجبابرة وغيرهم من أن يسلطوا عليه، ومن عقوبة الله أن تناله كما تنال سائر البلدان من خسف وغرق وغير ذلك من سخط الله وعقوبته التي تصيب البلاد غيرها، وقد كان هذا الأمن لمكة قبل دعاء إبراهيم -عليه السلام- متحققا لها قدرًا بكف الله -سبحانه وتعالى- عنها كل من أرادها بسوء.

قال ابن جرير: والصواب من القول في ذلك عندنا أن الله -تعالى ذكره- جعل مكة حرمًا حين خلقها وأنشأها كما أخبر النّبي -صلّى الله عليه وسلّم- : ( أنَّهُ حَرَّمهَا اللهُ يومَ خَلق السَّمَوَاتِ والأَرْض).

ومعنى هذا أن مكة قد حرمت مرتين: مرة من قبل الله -سبحانه وتعالى- من دون أن يتم إعلان التحريم من أي أحد من الأنبياء والرسل -عليهم الصلاة والسلام-، ومرة ثانية كان فيها التحريم على لسان خليل الله إبراهيم -عليه السلام-.

صورة واقعية لتوضيح حقيقة أمن مكة وأمانها

لا يخفى علينا ما فعله الخليل بزوجته هاجر وابنه إسماعيل- عليهم السلام-؛ فقد أتى بهما إلى هذه البلدة الآمنة وتركهما على ثراها، ولم يكن ذلك الحين هناك أنيس ولا جليس، ولا طعام ولا شراب؛ بل كانت مكة أرضا جرداء موحشة، لكن الخليل – عليه السلام- تركهما على تلك الحال لإيمانه الكامل ويقينه الصادق بأن هذا المكان آمن مؤمن، يحفظ الله من سكنه من كل مكروه، ويؤمنه من كل ما يُخاف منه؛ فكان الأمر كذلك؛ حيث إن الله -سبحانه وتعالى- سلمهما من كل شر، وفجر لهما ماء زمزم من باطن الأرض حينما احتاجوا إلى الطعام والشراب؛ فطعما منه وارتويا، وعاشا به أحسن عيشة، حتى علمت القبائل بأمرهما وبأمر ذلك الماء المبارك، فسكنوا معهما هناك، وصار بينهم تواصل ومصاهرة؛ فمنذ ذلك الحين تحولت مكة من أرض موحشة خالية من البشر والشجر إلى مدينة حضارية يتمنى كل أحد السكنى فيها، والاستفادة من أرزاقها وخيراتها، ومثل هذه القصة لا شك أنها نموذج حي، وصورة واقعية تعكس لنا مدى الأمن والأمان الذي تحظى به مكة المكرمة – حرسها الله وأدام أمنها واستقرارها- وأهلها الساكنون فيها والوافدون إليها.

أنواع الأمن في مكة

إن الأمن الذي جعله الله للبلد الحرام ينقسم إلى قسمين:

الأول: أمن قدري، وهو متحقق بمشيئة الله –تعالى- وإرادته، ولا يتخلف أبدًا؛ فتكون مكة آمنة، ويكون من فيها آمنا من أن يغزوها غازٍ، أو يغير عليها مُغير إلى يوم القيامة.

الثاني: أمن شرعي، أمر الله -تبارك وتعالى- أهلها ومن دخل إليها بأن يحققوه؛ وهو: أن يؤَمِّن بعضهم بعضًا، ويؤمِّنوا ما فيها من حيوان وشجرٍ ومال في أحكام شرعية أخرى، وبتطبيقها تغدو مكة آية في الأمن والأمان.

والفرق بين الأمنيين: أن الأول متحقق لا محالة؛ لأن الله – تعالى- أراده أن يكون، قال الله –تعالى-: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُون)

وأما الثاني- الأمن الشرعي- فقد يتخلف في بعض الأحيان؛ لأنّ الله –تعالى- أراد من عباده أن يحققوه، ويكون لهم محل ابتلاء وامتحان، وثواب وجزاء، وقائدا إلى الجنّة أو النار، قال الله –تعالى-: (وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمنًا) قال أهل العلم: أي أمنوه من القتل.

فيدرك بهذا أن الأمن القدري الذي جعله الله لمكة بلده الحرام متحقق ولا شك في ذلك، وبه تتميز مكة عن سائر بلاد الدنيا، وتمام هذا الأمن القدري وكماله يتم بتحقيق الأمن الشرعي من قِبل الناس؛ سكان مكة خصوصا، والوافدين إليها عموما.

دلائل على الأمن القدري لمكة

سبق أن ذكرنا أن مكة أمنها الله، وأمن أهلها من كل محذور وشر، وهذه بعض الدلائل التي توضح ذلك، وتؤكد عليه:

1- بقاء الكعبة وعدم قدرة أهل الكفر على نقضها مع الرغبة الشديدة في ذلك، وقصة أصحاب الفيل خير شاهد على ذلك؛ فقد أرادوا هدم الكعبة، لكن الله حماها، وأنزل عليهم غضبه، وأذاقهم أشد العذاب والنكال، قال –تعالى-: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ* أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ* وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيل* تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ* فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ)

2- عدم تمكن الدجال الأعور من دخول مكة في آخر الزمان، يقول -صلى الله عليه وسلم- كما في الصحيحين: (ليس من بلدٍ إلا سيطؤُه الدجال، إلا مكةَ والمدينةَ، ليس له من نِقَابِها نقب إلا عليه الملائكة صافين يحرسونها…).

3- مكة أرض ليست صالحة للزراعة؛ لكن الله –سبحانه- رزق أهلها من كل الثمرات كما في قوله –سبحانه-: (أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُون)؛ وذلك استجابة لدعوة الخليل – عليه السلام- حينما دعا بقوله: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنْ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ).

4- جعل الله في ماء زمزم خاصية الإشباع؛ فهو يغني عن الطعام عند فقده، يقول – صلى الله عليه وسلم- كما في مسند البزار: (زَمْزَم طَعَامُ طُعْمٍ، وَشِفاءُ سَقَمٍ).

5- إن مكة مثابة للناس، ومكان يقدم عليه الناس بكثرة، وكان هذا سببا لجلب كثير من الأرزاق والثمار من كل أقطار الدنيا إلى البلد الحرام.

6- مكة مؤمنة من الغزو إلى يوم القيامة، يقول – صلى الله عليه وسلم- كما في المسند: ( لا تُغْزَى هذهِ- أي مكة- بَعدَها أبدًا إِلى يومِ القِيَامَةِ).

7- مكة مؤمنة من الطاعون، يقول – صلى الله عليه وسلم- كما في المسند: ( المَدينةُ ومكةُ محفوفَتَانِ باِلمَلائكةِ عَلى كلِّ نَقبٍ مِنها مَلك لا يَدخلُهَا الدَّجالُ ولا الطَّاعُون).

8- جعل الله زمزم شفاءً من الأسقام والأمراض، يقول -صلى الله عليه وسلم- كما في التاريخ الكبير للبخاري: ( خيرُ ماءٍ عَلى وجهِ الأَرضِ ماءُ زَمْزَم، فيهِ طَعَامٌ من الطُّعْمِ، وشِفَاءٌ من السُّقمِ…) .

بلد مبارك

بلد مبارك

مفهوم بركة مكة

إن البركة لها معنيان كما قال أهل العلم، وهما: النماء والزيادة،والبقاء والدوام، وكلاهما حاصل للبلد الأمين؛ فبركة مكة المقصود بها: كثرة خيراتها ومنافعها، ودوام تلك الخيرات وبقاؤها للمنتفعين بها، ويدل عليه قوله -سبحانه وتعالى-:( إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ)، يقول ابن القيم- رحمه الله تعالى – معلقا على هذه الآية: البركة: كثرة الخير ودوامه، وليس في بيوت العالم أبرك منه-أي بيت الله- ،ولا أكثر نفعا، ولا أكثر خيرا، ولا أدوم وأنفع للخلائق.اهـ

فبركة أم القرى عظيمة، وفضلها وفير، وخيرها كثير؛ لذا اهتم كثير من المفسرين بذكر وفرة الخير في هذه البقعة، سواء كان على وجه العموم أو الخصوص؛ مبينين أن هذه الخيرات المتعددة منها ما يظهر أثره في الدنيا، ومنها ما يكون ذخرا لصاحبه في الآخرة.

أثر بركة البيت الحرام خاصة ومكة عامة

المتأمل في بيت الله الحرام ومكة المكرمة يجد أن هناك أمورا كثيرة خصها الله بها، وتلك من آثار البركة التي جعلها الله فيها، من ذلك:-

1- مضاعفة الثواب وزيادة الحسنات في فعل الطاعات على ظهرها، ومما يدل عليه قوله -صلى الله عليه وسلم- كما في صحيح مسلم: (صَلاةٌ في مَسجِدِي هَذَا أَفْضلُ من ألفِ صَلاةٍ فِيما سِواهُ إِلا المسجِدَ الحرامَ) وفي رواية لأحمد: (وصَلاةٌ في المسجِدِ الحرامِ أفضلُ من مائةِ ألفِ صلاةٍ فيما سِواهُ).

2- جبي ثمرات الدنيا كلها إليها، وإلا لحُرم أهلها أكثر تلك الثمرات؛ لأن أرضها غير صالحة للزراعة، يقول الله – تعالى-: ( أَوَلَمْ نُمَكّن لّهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَىَ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلّ شَيْءٍ رّزْقاً مّن لّدُنّا وَلَـَكِنّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ).

3- تعظيم البيت الحرام سبب في بقاء حياة الناس، يقول -صلى الله عليه وسلم- كما في المسند: (لا تَزَالُ هذهِ الأمةُ بخيرٍ مَا عَظَّمُوا هذهِ الحُرْمَةَ حقَّ تعظيمِهَا، فإذَا تَرَكُوهَا وضَيَّعُوهَا هَلَكُوا).

4- حج البيت واستقباله في الصلاة سبب في بقاء دين الناس، يقول الحسن البصري- رحمه الله- : لا يزال الناس على دين ما حجوا البيت واستقبلوا القبلة.

5- نزول أول آيات كتاب الله – عز وجل- كان بمكة، وهي الآيات التالية:

(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَق* خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَق* اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَم* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَم* عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَم)، قال ابن كثير: أول شيء نزل من القرآن هذه الآيات الكريمات المباركات، وهُنَّ أول رحمة رَحم الله بها العباد، وأول نعمة أنعم الله بها عليهم.

6- جل القرآن كان نزوله بمكة، يقول الإمام الزركشي-بعد تعداد السور المكية التي نزلت فيها – : وعليه استقرت الرواية من الثقات، وهي خمس وثمانون سورة..الخ.

ومجموع سور القرآن مائة وأربع عشرة سورة، يعني: أن الذي نزل في غير مكة يعتبر تسعا وعشرين سورة.

7- بقاؤها دارا إسلامية إلى قيام الساعة، يقول -صلى الله عليه وسلم- كما في سنن الترمذي وغيرها:(لا تُغْزَى مَكَّةُ بَعدَ اليومِ إِلى يومِ القيامةِ)، ويقول –أيضا- كما في الصحيحين:(لا هِجْرَةَ بعدَ الفَتْحِ، وَلَكِن جهادٌ ونِيَّةٌ، وَإِذَا استُنفِرتُم فَانفِرُوا)؛ فيفهم من الحديثين بقاء مكة بلدا إسلاميا إلى قيام الساعة.

8- طهارة أرضها من أن تطأها أقدام المشركين بعد تحريم الله ذلك، يقول –تعالى-: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا).

9- تفرد البيت الحرام بخصائص دون ما سواه، منها:

أ‌- أن الله – سبحانه – جعله مثابة للناس، وقياما لهم، وقبلتهم في حياتهم وبعد مماتهم، كما جعله منسكا لحجهم وعمرتهم وهدى للعالمين.

ب- بقاء دين إبراهيم -عليه السلام- الذي انطلق منه إلى يوم القيامة.

ج- أنه أول البيوت بناء لعبادة الله ، وهو كذلك آخرها زوالاً قبل قيام الساعة.

10-اختصاصها بعبادات متعددة:

تفضَّل الله -تبارك وتعالى- على البلد الحرام فخصَّه بعباداتٍ لم يشرعْ أداءها في مكانٍ آخر سواه، فالطَّوافُ عبادة لا تكون إلا حول بيت الله الحرام، والحجُّ بشعائره العظيمة من الوقوف بعرفات والمبيت بمزدلفة ورمي الجمار ونحر الهدي لا يكون إلا إلى الكعبة المشرفة، وتقبيلُ الحجرِ الأسودِ واستلامُ الركنين، والتزام ما بين باب الكعبة والركن، والصلاة عند المقام، كلها عبادات فاضلة لا تكون إلاّ بمكة، وهو من ثبوت الخير وكثرته في هذا البلد المبارك.

11- فيها خير ماء على وجه الأرض، وهو ماء زمزم المبارك الذي يغني عن الطعام والعلاج، يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم- كما في التاريخ الكبير للبخاري:(خيرُ ماءٍ على وجْهِ الأرضِ ماءُ زمزمَ، فيه طعامٌ من الطُّعْمِ، وشِفاءٌ من السُّقْمِ)، ويقول أبو ذرّ -رضي الله عنه- في خبر إسلامه كما رواه مسلم: قال لي رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-:(مَتَى كُنْتَ هَاهُنَا؟). قال: قلت: قد كنت هاهنا مُنْذُ ثلاثين بين ليلة ويوم. قال: (فَمَنْ كَانَ يُطْعِمُكَ ؟). قال: قلت: ما كان لي طعامٌ إلا ماءُ زمزم . فسمنْتُ حتى تكسّرتْ عُكَنُ بطني، وما أجد على كبدي سَخْفَةَ جوع. قال: (إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ، إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ).

12- طعامها مبارك، يقول -صلى الله عليه وسلم- كما في الصحيحين: (اللّهُمّ اجْعَلْ بِالمدينَةِ ضِعْفَي مَا جَعَلتَ بِمَكةَ منَ البركةِ).

13- دوام أكل اللحم وشرب الماء في مكة لا يضر بالصحة: وذلك ببركة دعاء الخليل إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- عندما قال لزوجة ابنه إسماعيل -عليه السلام-:(ما طَعامُكم؟)قالت: اللحم. قال:(فَمَا شَرَابُكُم؟) قالت: الماء. قال: (اللّهُمَّ بَارِكْ لَهُم في اللحَمِ وَالمَاءِ)، والقصة في البخاري.

قال سعيد بن جبير: ولا يخلو أحدٌ على اللحم والماء بغير مكة، إلا وجع بطنُه، وإن أخلى عليهما بمكة لم يجد أذًى.

ومعنى (إن أخلى عليهما) أي: إن اقتصر عليهما.

نماذج من حرص السلف الصالح على الانتفاع ببركة مكة

قالت عائشة – رضي الله عنها – : لولا الهجرة لسكنت مكة.

قال ابن عباس – رضي الله عنهما – : أقم بمكة، وإن أكلت بها العضاه. يعني: السمر.

كان المنصور يرسل كل سنة بصدقة عظيمة من اليمن إلى مكة مع علي بن خيلخان؛ يصل بها كل من كان بمكة والمجاورين لها، وكان المظفر يوسف في أيام والده يتاجر بالطعام إلى مكة على يد محمد بن أبي القاسم، وكان هذا من فعله يقع موقعًا عظيمًا عند أهل مكة، بل اعتبروه أفضل من الصدقة أجرا، وأعظم منها نفعا، وبلغ الطعام عندهم بسبب هذا المتجر كل ستة أمداد بدينار.

قال مجاهد بن جبر: رأيت عبد الله بن عمرو بن العاص –رضي الله عنهما- بعرفة، ومنزله في الحل، ومصلاه في الحرم، فقيل له: لِمَ تفعل هذا ؟ فقال: لأن العمل فيه أفضل، والخطيئة فيه أعظم.

روي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنّه كان إذا قدم مكة يطوف سبعة أسابيع بالليل -أي يطوف سبع مرات بالليل -، وخمسة بالنهار.

كانت عائشة -رضي الله عنها- تطوف بالبيت ثلاثة أسابيع (أي تطوف ثلاث مرات، وكل مرة بسبعة أشواط)، تقرن بينهن، ثم تصلي لكل أسبوع ركعتين.

جاء أن محمد بن يحي بن أبي عمر العدني نزيل مكة حج سبعًا وسبعين حجة ولم يقعد عن الطواف ستين سنة.

بلد حرام

بلد حرام

التعريف بحرمة مكة وبيان ما يترتب عليها

الحرام هو: الممنوع كما قال ذلك أهل اللغة، ومن ذلك قوله –تعالى-: (وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ)أي: منعنا، وحرمة مكة المقصود بها: المنع المطلق من أن يفعل فيها ما يضاد صلاحها وصلاح ما بها من ساكن ودابة وشجر؛ فيحرم فيها القتل والصيد واللقطة إلا لمعرّف، وقطع الشجر وغير ذلك مما حرم الله –تعالى- وحرم رسوله -صلى الله عليه وسلم- فعله بمكة، يقول الله -عز وجل- في كتابه حاكيا عن نبيه-صلى الله عليه وسلم: ( إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ)، ويقول -صلى الله عليه وسلم- كما في الصحيحين:(فَإِنَّ هَذَا بَلَدٌ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ يَحِلَّ لِي إِلاً سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ لاَ يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلاَ يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ، إِلاَّ مَنْ عَرَّفَهَا، وَلاَ يُخْتَلَى خَلاَهَا).

وهذا التحريم قد عظمه الله -تعالى- وأكده بأمور، منها:

1- أن التحريم صادر من عنده –سبحانه- كما في التنزيل:(إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِين)، وفي الصحيحين: ( إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ).

2- – إضافة مكة إلى نفسه –سبحانه- مع أنه رب البلاد كلها(رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا).

3- – قِدم التحريم وبقاؤه إلى يوم القيامة، ففي الصحيحين:( فَإِنَّ هَذَا بَلَدٌ –أي مكة- حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ).

4- إعلان التحريم بلسان الخليل إبراهيم -عليه السلام-، ففي صحيح مسلم:( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَدَعَا لأَهْلِهَا).

5- رسولنا -عليه الصلاة والسلام- يؤكد الحرمة، ففي المسند وغيره:(لاَ تَزَالُ هَذِهِ الْأُمَّةُ بِخَيْرٍ مَا عَظَّمُوا هَذِهِ الْحُرْمَةَ حَقَّ تَعْظِيمِهَا- يعني حرمة مكة-، فَإِذَا تَرَكُوهَا وَضَيَّعُوهَا هَلَكُوا).

6- الاهتمام بحدود مكة؛ فقد وضع الخليل إبراهيم -عليه السلام- أنصاب الحرم بعدما علمه الله –سبحانه- إياها بواسطة جبريل -عليه السلام-، ثم جدد النبي -صلى الله عليه وسلم- ما رثّ منها في عهده، فيقول ابن عباس -رضي الله عنهما-: إنّ إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- نصب أنصاب الحرم, يُريه جبريل -عليه السلام- ثم جدّدها إسماعيل، ثم جدّدها قصي، ثم جدّدها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

ولا شك أن هذا التحريم لمكة وتأكيده ليس إلا من تعظيم هذا البلد، وإظهار تميزه، وإرادة الله –تعالى- أن يكون بلدًا خاليًا من كل ما يسخطه ويغضبه –سبحانه-، وأن يكون أهله والوافدون إليه على أحسن حال في الاستجابة لأمره –سبحانه-، وترك ما ينهاهم عنه؛ فمكة حرم الإسلام، وأم القرى، ومهد الهداية، تفيض منها أنوار النبوة الماحية لظلمات الجاهلية.

ما نتج من الآثار الإيجابية عن حرمة البلد الأمين

وهذا التحريم الصادر من الله -سبحانه وتعالى- للبلد الأمين، وتأكيده على ألسنة أفضل أنبيائه إبراهيم ومحمد -عليهما أفضل الصلاة وأتم التسليم- نتج عنه آثار إيجابية كثيرة، منها:

1- تأمين الناس بعدم حمل السلاح بمكة ما لم تدع هناك حاجة أو ضرورة، ففي صحيح مسلم: ( لاَ يَحِلُّ لأَحَدِكُمْ أَنْ يَحْمِلَ بِمَكَّةَ السِّلاَحَ).

2- الحفظ لمشاعر المسلمين من عدم دخول المشركين إليها، قال –تعالى-: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا).

3- حماية الأموال؛ حتى اللقطة لا يجوز التقاطها بمكة إلا لمعرّف، ففي صحيح البخاري:(إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ فَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلاَ تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي؛ وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ لاَ يُخْتَلَى خَلاَهَا ، وَلاَ يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلاَ تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلاَّ لِمُعَرِّفٍ)

4- حماية الحيوان والشجر، ففي الحديث السابق(لاَ يُخْتَلَى خَلاَهَا ، وَلاَ يُعْضَدُ شَجَرُهَا ، وَلاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهَا)

5- النهي عن الإلحاد في الحرم والهم به، قال –تعالى-:(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاء الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيم)، والإلحاد هنا -كما عليه أهل التحقيق من المفسرين- يشمل كلَّ معصية لله -عز وجل- بمكة.

انتهاك حرمة مكة هلاك للناس عامة وللعرب خاصة

إن انتهاك الحرمة في مكة بلد الله الحرام يختلف عن ارتكاب المعصية في أي مكان آخر غيرها، فأثر المعصية والجريمة بمكة لا يكون قاصرًا على مرتكبها ولا على محيطه الذي سكت عنه؛ بل يكون متعديا حتى يعم الأرض كلها، والمنتهك لحرمة الحرم أدخل نفسه في دائرة ( أبغض الناس إلى الله –تعالى-)، وأنه موعود -والعياذ بالله- بلعنة الله ولعنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، فيقول الرسول -عليه الصلاة والسلام- كما في صحيح البخاري: ( أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَى اللهِ ثَلاَثَةٌ: مُلْحِدٌ فِي الْحَرَمِ، وَمُبْتَغٍ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَمُطَّلِبُ دَمِ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ لِيُهَرِيقَ دَمَهُ)، وفي رواية الفاكهي في أخبار مكة:( سِتَّةٌ لَعَنْتُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-، وَكُلُّ نَبِيٍّ مُجَابٌ): منها(وَالْمُسْتَحِلُّ لِحَرَمِ اللهِ)، هذا أثر الجريمة بمكة والمعصية على صاحبها.

أما أثر ذلك بالناس فيما لو عم الفساد بمكة -عياذا بالله- فهو هلاكهم عامة، وهلاك العرب خاصة؛ فيقول الرسول -صلى الله عليه وسلم- كما في مستدرك الحاكم:(لن يستحلَّ هذا البيتَ إلا أهلُه، فإذا استحلوه فلا تسألْ عن هلكةِ العرب، ثم تجيء الحبشةُ فيخربونه خرابًا لا يُعمرُ بعده أبدًا، وهم الذين يستخرجون كنزَه)، ويقول -أيضا- كما في المسند وغيره: (لا تزالُ هذه الأمةُ بخيرٍ ما عظموا هذه الحُرْمَةَ حقَّ تعظيمها؛ فإذا تركوهَا وضيعوها هَلكُوا)

ويفهم مما سبق أنه إذا تحقق الأمن بمكة ولم تنتهك حرمتها، وأديت الشعائر التي ارتبطت بالبيت العتيق وبالبلد الحرام؛ إذا تحقق ذلك كله لم يأذن الله-تبارك وتعالى- بعدُ بخراب هذه الأرض؛ بل حينئذ يكون أهل مكة والأمة الإسلامية في أمنٍ وأمان، بل العالم بأسره في أمان من أن يحيق به دمارٌ عام، أو خرابٌ شامل.

كيف يتحقق الأمن بمكة

قد سبق تقرير أن أمن الدنيا كلها متعلق بأمن مكة وتعظيم حرمتها؛ فما السبيل إذاً إلى تحقيق ذلك؟

الجواب: السبيل إلى تحقيق ذلك هو الالتزام بالأمور التالية:

1- الالتزام بما أمر الله به وترك ما نهى عنه، وأن يكون الأمر في ذلك على السداد.

2- تعليم الأبناء خصائص البلد الحرام، وتربيتهم على العمل بمقتضاها لبناء وازع نفسي يغني غناء الزواجر والعقوبات.

3- تعليم الناس خصائص البلد الحرام ليبنى عرف التعظيم والإجلال للبلد المقدس.

4- إدراك الناس عظم الذنب في مكة فيشيع بينهم ترك المعاصي والزهد في مواطنها.

5- إدراك الناس الأثر العظيم للإجرام في مكة على الدنيا وعلى أهل الإسلام وعلى بلادنا؛ فيبنى الانتماء الصحيح لبلاد الحرمين، والغيرة على مصالحها ومصالح المسلمين.

6- تنطيق المكان بحقوقه وأحكامه؛ فتنمو المسؤولية المجتمعية.

7- زجر المنتهك من قِبَلِ من له سلطة؛ بل والأخذ على يديه.

7- تواصل بنّاء مع جهة الاختصاص ضد من يخالف حرمة البلد الحرام.

من نماذج تعظيم السلف لحرمة مكة

السلف الصالح سباقون إلى امتثال أوامر الله -عز وجل-، حريصون على الفوز بمرضاته –سبحانه-، وقد نقل التاريخ عنهم أقوالا ومواقف تبين أن تعظيم حرمة مكة بلغ في نفوسهم مبلغا كبيرا؛ فمما ورد عنهم:

1- قول عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: يا أهل مكة: اتقوا الله في حرم الله، أتدرون من كان ساكن هذا البيت ؟ كان به بنو فلان فأحلّوا حَرمَه فأهلكوا، وكان به بنو فلان فأحلوا حَرَمَه فأهلكوا، حتى ذكر ما شاء الله من قبائل العرب أن يذكر، ثم قال: لأن أعمل عشر خطايا في غيره أحب إلي من أن أعمل هاهنا خطيئة واحدة.

2- ما رواه عطاء ويوسف بن مالك: أنّ رجلاً أغلق بابه على حمامة وفرخيها، وانطلق إلى عرفات ومنى، فرجع وقد مِتْنَ، فأتى ابن عمر-رضي الله عنهما-، فذكر ذلك له، قال: فجعل ثلاثًا من الغنم، حكَّم معه رجلاً.

3- ما رواه جعفر بن ربيعة: أن الوليد بن سعد بن الأخرم حدَّثه أنه كان مع عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- فرأى دينارًا ملقًى، قال: فذهبت لآخذه، فضرب عبد الله يدي، وأمرني بتركه.

4- تربية صغارهم على تعظيم حرمة مكة، قال إبراهيم بن سعيد السهمي: أتي بي إلى عطاء وأنا غلام فقالوا: إن هذا يأخذ الجراد من الحرم.

بلد طاهر

بلد طاهر

خصيصة الطهر لمكة والبيت الحرام

مفهوم الطهر لبيت الله الحرام

أمر الله –سبحانه- خليله إبراهيم -عليه السلام- ببناء أول بيت على وجه الأرض ليكون مكانا لعبادته -سبحانه وتعالى-، وليكون معلما للتوحيد ورمزا له خالدا على مدى العصور، فانقاد الخليل لأمر ربه وأتم بناء البيت الحرام بمعاونة ابنه إسماعيل الذي كان بارا به، ومطيعا له، وتحمل عبأ كبيرا عنه في عملية البناء، وفي هذا يقول الله تعالى: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)(البقرة:27).

وبعد تشييده أركانه، وانتهائه من وضع لبناته جاء أمر إلهي آخر، وهو الأمر بتطهير هذا البيت المعظم من الشرك والأنجاس وغيرهما مما يكون وجوده في مثل هذا المكان المقدس أمرا غير لائق شرعا وحسا، فقال –سبحانه-:( وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ)؛ وذلك لأن هذا البيت يكون قبلة لأهل الأرض قاطبة، ومكانا يأتي إليه الناس من كل أطراف الدنيا ونواحيها المختلفة لأداء شعائر عظيمة في موسم الحج وغيره، ولا شك أن مكانا مثل هذا، وبلدا هذه صفته لا بد أن يكون طاهرا مطهرا من كل الأدران والخبائث.

فامتثل الخليل -عليه السلام- لأمر ربه، وقام بالمهمة خير قيام، وطهر البيت من أدران الشرك وأنجاس الوثنية، ودعا إلى الدين الحنيف الذي لا يرضى إلا بالتوحيد الخالص لله الواحد القهار، ومن حينه أصبح بيت الله رمزا للطهر، ومعلما للهداية، ومقصدا للعباد من كل فج عميق، كما قال –تعالى- آمرا خليله إبراهيم -عليه السلام-:(وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ)(الحج:27)، فيقدم الناس عليه بفرح وشوق، ويتشرفون بالصلاة على ساحته، ويستمتعون فيه بأداء شعائرهم، فلا يصلح فيه بتاتا كل ما يكون منافيا للطهارة والقداسة من عبادة الأوثان، وطاعة الشيطان، ومعصية الرحمن؛ بل لا بد من الالتزام بفعل كل ما يكون ملائما لطهر المكان من العبادات والطاعات، والاجتناب من كل ما يكون خادشا للقداسة من الذنوب والعصيان.

المقصود بطهارة البيت التي أُمر بها الخليل

لقد اختلف أهل التفسير في الطهارة التي أمر بها الخليل -عليه السلام- للبيت الحرام فقيل إن المراد بها: الطهارة من الأوثان، وقيل من الآفات والريب، وقيل من الكفار، وقيل من النجاسات وطواف الجنب والحائض وكل خبيث؛ والراجح -كما قال أهل التحقيق من المفسرين- أنها عامة تشمل كل طهارة حسية ومعنوية؛ فتدخل فيها الأمور التالية:

1- تطهير البيت بإزالة كل ما ينافي التوحيد ويضاده من الأوثان والأصنام.

2- تطهيره من كل ما يؤثر في مكان العبادة الطاهر من الأنجاس والقاذورات.

3- تطهيره من كل عمل يضاد التوحيد والعبادة؛ فيمنع الناس عنده من الشرك والبدع والفواحش، والظلم وبث الخصال الذميمة.

4- تطهيره بالتطييب وإزالة الروائح الكريهة المؤذية للمصلين فيه والطائفين.

نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم- يطهر البيت الحرام بعد أن دنسّه الكفار

لم يبق البيت الحرام على طهره الذي كان في زمن الخليل وابنه إسماعيل -عليهما السلام-، بل دنسّه الكفار بعد عهدهما، وأدخلوا فيه أصناما وأوثانا يعبدون فيه من دون الله -عز وجل-، ويرتكبون فيه ألوانا كثيرة من المنكرات والأفعال الشنيعة التي دنسّوا بها طهر البيت الحرام وقداسته، فكانوا على تلك الحال زمنا طويلا حتى بعث الله من مكة- شرفها الله- ومن أهلها ومن ذرية الخليل إبراهيم -عليه السلام- رسولا وجعله خاتم النّبيين، وكلّفه بتجديد الحنيفية وإعادة الطهر حسًا ومعنىً للبيت الحرام والبلد المقدس؛ ألا وهو رسولنا محمد -صلى الله عليه وسلم-؛ فقد أعاد التوحيد، وأقام العبادة، وطهّر ساحة الكعبة من الأنجاس الحسية والمعنوية، وكان ذلك تحقيقَ دعوة أبيه إبراهيم التي ذكرها الله في كتابه حاكيا عن الخليل -عليه السلام-:(رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ)(البقرة:127).

وهذا الطهر الذي تحقق للبيت الحرام من الأوثان والأصنام على يد رسولنا محمد -صلى الله عليه وسلم- سوف يبقى ما بقيت الدنيا؛ فلن تُدنّس ساحة الكعبة بالأنصاب والأزلام والأصنام مرة أخرى، ولن يسلط الكفار عليها أبدًا، ولن يُضطر أهل البلد الحرام إلى الهجرة منه بسبب طغيان الكفر وأهله عليه؛ كل ذلك جاء على لسان الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فعن الحارث بن مالك الليثي -رضي الله عنه- أنه قال: سمعتُ النّبي -صلّى الله عليه وسلّم- يوم فتح مكة يقول كما في سنن الترمذي وغيرها:(لا تُغزَى هذه –أي مكة- بعدَ اليومِ إلى يومِ القيامَة)، وعن ابن عباس -رضي الله عنهما-: أنّ النّبي -صلّى الله عليه وسلّم- قال يوم الفتح كما في الصحيحين:(لاَ هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا)، وعن جابر بن عبدالله -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- قال:( إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ)؛ فغدا هذا الجانب من الطهر في مكة أمرا قدريا – وهو عدم اجتماع أهل هذا البلد على الإشراك بالله عز وجل، وتحول مكة إلى بلد للكفر والشرك بالله عز وجل-؛ وأما الأمور الأخرى للطهر في البيت الحرام بقي الأمر بها شرعيًا؛ فالناس مكلفون بتحقيقها، قيامهم بها عنوان تعظيمهم لله وللشعائر وللبلد الحرام(ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ)(الحج:23).

نماذج من اهتمام السلف بطهارة البيت الحرام والبلد الأمين

• تقول عائشة -رضي الله عنها-:طيّبوا البيت؛ فإنّ ذلك من تطهيره، وقالت –أيضًا-: لأن أطيّب الكعبةَ أحبّ إليّ من أن أُهديَ لها ذهبًا وفضة.

• كان عبد الله بن الزبير -رضي الله عنهما- يجمر الكعبةَ كلَّ يوم برطل من مجمر، ويجمر الكعبةَ كلَّ جمعة برطلين من مجمر.

• وكان عمر -رضي الله عنه- ينزع كسوة الكعبة في كل سنة، ويقسمها في الحجاج، ويكسوها جديدة.

• كان معاوية -رضي الله عنه- يرسل للكعبة بالطيب والمجمر والخلوق في كل عام، وأخدم الكعبة عبيدًا بعث بهم إليها، وتبعه الولاة في ذلك، وأجرى الزيت والقناديل من بيت المال للمسجد الحرام.

• كان أمير مكة الشريف حسن بن عجلان بن رميثة الحسني يأمر بوّابي المسجد الحرام بملازمة أبوابه وتنظيف الطرقات من الأوساخ والقمائم، ونقل الكدَى التي كانت بسوق الليل والمعلاة، وأن لا يُحمل السلاح بمكة، وإخراج بنات الخطا والمخنثين وغيرهم من أهل الفساد بمكة.

• أول من فرق بين الرجال والنساء في جلوسهم في المسجد الحرام: علي بن الحسين الهاشمي، أمر بحبال فربطت بين الأساطين التي تقعد عندها النساء، فكنّ يقعدن دون الحبال إذا جلسن في المسجد، والرجال من وراء الحبال.

• في سنة تسع وخمسين ومِائة أمر المهدي بنفي كل من بمكة من المغنين، ومنع قينتها من الغناء، وأخرج كل من فيها من المتشبهات من النساء بالرجال، والرجال المتشبهين بالنساء، ومنع لعب الشطرنج وغيره من الأمور التي تجر إلى اللهو والطرب، وطهرها من كثير من المباحات الملهية عن الصلوات، والشاغلة عن اغتنام القرب، وألزم حجبة الكعبة بإجلالها وتوقيرها وتنزيهها وتطييبها للزائرين وتجميرها.

طهارة البيت الحرام شاملة لمكة كلها

إنّ الطهر الذي ذكرت معالمه للبيت الحرام فإن مكة وأرضها المقدسة هي أحق ما يشمله هذا الطهر بعد البيت العتيق؛ فالحرم حريم البيت، ومكة حرم الإسلام.

وإن ما سنه رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- في طهر المكان والأبدان واللباس والدور والمرافق العامة وغيرها؛ فمكة أحق ما يطبق فيها هذا وعلى أكمل وجه، كيف لا؛ وهي بلد الطهر، ومنزل وفد الرحمن وزوار البيت الحرام، يقول ابن عاشور في تفسيره عند قوله تعالى: (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ): فيه إشارة إلى أنّ من إكرام الزائر تنظيفَ المنزل، وأن ذلك يكون قبل نزول الزائر بالمكان.

وأهل مكة هم أولى من يقوم بهذا التنظيف؛ لأن بلدهم مكان لنزول ضيوف الرحمن ووفده الكرام من كل بلاد الدنيا.

مثابة للناس

مثابة للناس

إن مكة المكرمة بلدة قد عظمها الله – سبحانه وتعالى- وجعل لها كثيرا من المزايا والخصائص، فمن ذلك: أنه –سبحانه- جعلها مثابة للناس ؛ كما قال –سبحانه- في كتابه الكريم:(وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا…) (البقرة:125).

والمثابة في معناها اللغوي كما قال ابن فارس هي: العود والرجوع، يقال ثاب يثوب إذا رجع، والمثابة: المكان يثوب إليه الناس.

وكون مكة مثابة للناس يقول أهل العلم في بيان ذلك: إن الناس يترددون إليها بحب وشوق، ومن دون ملل ولا كلل، بل يبذلون في سبيله أنفس ما يملكون؛ طلبا للأجر والمثوبة، ورغبة في المغفرة ومحو السيئات، ثم لا ينصرفون عنها إلا وهم راغبون في العود إليها.

وهناك أمران رئيسان يؤكدان هذه المثابة التي جعلها الله -سبحانه- للبلد الأمين؛ وهما:-

أولا: الاستجابة الفطرية للنداء الرباني(وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ)(الحج:27).

ثانيا: استجابة الله –تعالى- لدعوة الخليل إبراهيم -عليه السلام- حين دعا كما في قوله –تعالى-:(فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ)(إبراهيم:37)، واستجاب الله –سبحانه- دعاءه.

فيا ترى كيف يستعد الناس لتلبية نداء خالقهم ومولاهم؟ وكيف يشتاقون إلى رؤية مكة وقصدها للحج؟

إن أمرهم في هذا عجيب؛ أماني الحج تشغلهم، ونار الشوق إلى حج بيت الله تشتعل في نفوسهم وتزداد حرارتها يوما بعد يوم؛ فيعزمون على تحقيق الحلم، ويجمعون القرش إلى القرش صابرين عن الطعام والشراب؛ حتى يتوفر المبلغ الذي يمكنهم أن يحجوا به، ثم يبدؤون الرحلة المرتقبة من تلك البلاد البعيدة، فيتعرضون في الغالب لكثير من المشاق والصعاب؛ سواء في أثناء سيرهم إلى مكة، أو عند أداء مناسكهم، أو حين رجوعهم إلى ديارهم؛ لكن ما فطر الله في قلوبهم من الاستجابة لندائه وما يحسون به في نفوسهم من لذة الإيمان والعبادة ينسيهم كل ذلك؛ بل يكونون مبتهجين مسرورين، يودون أن لو وفقوا للعود إلى مكة وأداء شعائر الحج فيها مرات وكرات !

إنه مصداق قول الرب -جل شأنه-:(مَثَابَةً لِلنَّاسِ)، إنه الحب الذي جعله الله في قلوبهم لهذا البلد الأمين، وشعورهم بالاطمئنان عند السكنى في ثراه؛ إنه استجابة منهم لنداء خليل الله إبراهيم -عليه السلام- بالحج والقصد إلى البيت الحرام لأداء الشعائر الواجبة عليهم.

بواعثُ ودواعٍ لأجلها صارت مكةُ مثابة للناس

ولعل سائلا يتساءل: ما الذي جعل مكة تحظى بهذه المكانة لدى الناس؟ وهل هناك سبب في ذلك؟

الجواب: يمكن أن يقال: إنه لا يمكن أن تُعرف الأسرار جميعها في ذلك؛ لكنّ هناك أموراً كثيرة لا شك أنها تكون من أهم الأسباب التي لأجلها حازت مكة هذه المكانة، وهي ما يلي:

أولا: الاستجابة الفطرية للنداء الرباني(وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ)(الحج:27).

ثانيا: الاستجابة من الله –سبحانه- لدعوة الخليل إبراهيم -عليه السلام-(فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم )(إبراهيم:37).

ثالثا: الرب –جل وعلا- اختصها ببعض العبادات التي تؤدى على ثراها دون غيرها من البلاد، مثل: الحج، والعمرة، والطواف، وتقبيل الحجر الأسود أو استلامه.

رابعا: العبادات فيها أجورها عظيمة ومضاعفة، مثل:-

أ‌- الجنة مقابل الحج المبرور، يقول -صلى الله عليه وسلم- كما في الصحيحين:(وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلاَّ الْجَنَّةُ) .

ب‌- مغفرة الذنوب مقابل بعض العبادات الخاصة بها، مثل الحج والعمرة، يقول -صلى الله عليه وسلم- في الحاج كما في الصحيحين:( مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ)، واللفظ للبخاري.

ج- أجر عتق رقبة مقابل الطواف، يقول -صلى الله عليه وسلم- كما في سنن الترمذي:(مَنْ طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ أُسْبُوعًا فَأَحْصَاهُ كَانَ كَعِتْقِ رَقَبَةٍ).

د- أجر مائة ألف صلاة مقابل صلاة واحدة فيها، يقول -صلى الله عليه وسلم- كما في المسند:( صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ ألفٍ صَلَاةٍ فِي فِيمَا سوَاهُ)، يقول أبو بكر النقاش -رحمه الله-: فحسبت ذلك على هذه الرواية، فبلغت صلاة واحدة في المسجد الحرام عُمْر خمس وخمسين سنة وستة أشهر وعشرين ليلة، وصلاة يوم وليلة في المسجد الحرام -وهي خمس صلوات- عُمْر مئتي سنة وسبعين سنة وسبعة أشهر وعشر ليالٍ.

هـ- شهادة الحجر الأسود لمن استلمه، يقول -صلى الله عليه وسلم- كما في سنن ابن ماجه:(لَيَأْتِيَنَّ هَذَا الْحَجَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَهُ عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا، وَلِسَانٌ يَنْطِقُ بِهِ، يَشْهَدُ عَلَى مَنْ يَسْتَلِمُهُ بِحَقٍّ)

خامسا: سعة الرزق ورغد العيش فيها(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ..)(البقرة:126).

سادسا: نفي الفقر لمن تابع بين الحج والعمرة، يقول -صلى الله عليه وسلم- كما في المسند:( تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ؛ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ..) .

وغيرها من الأمور التي كانت سببا في أن تكون مثابة للناس، ومكانا يشتاقون إليه بين الفينة والأخرى.

نماذج عملية لتحقيق المثابة

وهذه بعض الوقائع التي وردت عن السلف الصالح -رضوان الله عنهم-، في حرصهم على الرجوع إلى مكة متى ما سنحت لهم الفرصة، وفي شوقهم إليها، وفي تكرارهم للحج والعمرة حبا للبيت وتعلقا به:

1- مما ورد عنهم في تكرار الحج والعمرة:

• ثبت عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: حججت مع عمر -رضي الله عنهما- إحدى عشرة حجة.

• روى نافع مولى ابن عمر -رضي الله عنهما- أنه حج مع ابن عمر أكثر من ثلاثين حجة.

• نُقل عن طاوس بن كيسان أنه حج أربعين حجة.

• ذُكر عن محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني -نزيل مكة- أنه حج سبعا وسبعين حجة، وأنه لم يقعد عن الطواف ستين سنة.

• يُنقل عن علي بن الموفق أنه حج ثمانين حجة.

2- مما ورد عنهم في تشوقهم لمكة:

الصحابي الجليل بلال -رضي الله عنه- ممن عاش بمكة، ولما هاجر النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة هاجر معه، واستوطن المدينة؛ ولكنه تمنى العودة والرجوع إلى مكة، فأنشأ يقول في أبيات له:

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة***بواد وحولي إذخر وجليل

وهل أردن يوما مياه مجنة***وهل يبدون لي شامة وطفيل

3- مما ورد عنهم في لقاء الإخوة والاجتماع بهم في موسم الحج:

• يقول عبيد الله بن عمر بن حفص العدوي: والله ما أفرح في سنتي إلا أيام الموسم، ألقى أقواما قد نور الله قلوبهم بالإيمان؛ فإذا رأيتهم ارتاح قلبي، منهم أيوب -يعني السختياني-.

• قال محمد بن الفضل البزاز: سمعتُ أبي يقول: حججت مع أحمد بن حنبل ونزلنا في مكان واحد، فلما صليت الصبح درت المسجد فجئت إلى مجلس سفيان بن عيينة وكنت أدور مجلسًا مجلسًا طلبًا لأحمد بن حنبل؛ حتى وجدت أحمد عند شاب أعرابي، وعلى رأسه جُمّة، فزاحمته حتى قعدت عند أحمد بن حنبل، فقلت: يا أبا عبد الله، تركتَ ابنَ عيينة وعنده الزهري، وعمرو بن دينار، وزياد بن علاقة، والتابعون ما الله به عليم؟ فقال لي: اسكت؛ فإن فاتك حديث بِعُلُوّ تجده بنزول، ولا يضرك في دينك ولا في عقلك، وإن فاتك عقل هذا الفتى أخاف أن لا تجده إلى يوم القيامة؛ ما رأيت أحدًا أفقه في كتاب الله -عز وجل- من هذا الفتى القرشي، قلت: من هذا؟ قال: محمد بن إدريس الشافعي.

قبلة للعالمين

قبلة للعالمين

مفهوم القبلة ومكانتها في الإسلام

القبلة اسم للحالة التي عليها المقابل للشيء، ويقصد بها شرعا: ما يتجه إليه المسلم في صلاته، وهو بالإجماع الكعبة المشرفة، يقول الله –عز وجل-:(قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)(البقرة:144).

وقد عظم الله أمر هذه القبلة، وجعل لها شأنا عظيما في الإسلام؛ ومما يدلنا على ذلك الأمور التالية:

1- أن استقبالها من شروط صحة الصلاة، يقول الله –تعالى-:( فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ)(البقرة:144).

2- سيد المجالس ما كان بمحاذاة القبلة، يقول –صلى الله عليه وسلم- كما في المعجم الكبير للطبراني:(إنّ لكلّ شيءٍ سيدًا، وإنّ سيد المجالس قبالة القبلة).

3- شرع الله عبادة الطواف حولها، يقول –سبحانه-:(وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ)(الحج:29).

4- أنها قبلة المسلمين في قبورهم –أيضا-، يقول عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- في سرد كبائر الذنوب: والإلحاد في البيت الحرام قبلتكم أحياءً وأمواتًا.

5- خصها الله –تعالى- بإضافتها إلى نفسه الشريفة، قال –تعالى-:(وَطَهِّرْ بَيتِيَ لِلطَّائِفِينَ)(الحج:26).

6- عصمة دم مستقبل القبلة، يقول –صلى الله عليه وسلم- كما في صحيح البخاري:( مَنْ صَلَّى صَلاَتَنَا، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا؛ فَذَلِكَ الْمُسْلِمُ الَّذِي لَهُ ذِمَّةُ اللهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ، فَلاَ تُخْفِرُوا اللَّهَ فِي ذِمَّتِهِ).

7- إضافتها إلى المسلمين أمة محمد –صلى الله عليه وسلم-، وهي خير أمة أخرجت للناس، ففي الحديث السابق(وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا).

8- النهي عن استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة، يقول –صلى الله عليه وسلم- كما في صحيح البخاري:( إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلاَ تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ ، وَلاَ تَسْتَدْبِرُوهَا وَلَكِنْ شَرِّقُوا ، أَوْ غَرِّبُوا).

9- النهي عن التفل تجاه القبلة، يقول –صلى الله عليه وسلم- كما في سنن أبي داود:( مَنْ تَفَلَ تُجَاهَ الْقِبْلَةِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَفْلُهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ).

10- جعلها الله هداية للمؤمنين، يقول الله –تعالى-:(إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ)(آل عمران:96).

11- جعلها الله بقاء للدين، نقل عن الحسن أنه تلا هذه الآية(جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ)(المائدة:97)، ثم قال: لا يزال الناس على دين ما حجوا البيت واستقبلوا القبلة.

12- جعلها الله مظهرا لوحدة المسلمين واجتماعهم، ويتبين ذلك جليا حينما يتجه المسلمون إليها من كل أنحاء العالم وقت أداء صلواتهم المفروضة.

فتنة تحويل القبلة وثبات المؤمنين وانكشاف حقيقة المنافقين

إن رسولنا –عليه أتم الصلاة والتسليم- صلى إلى جهة بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا بعد هجرته إلى المدينة، ولكن كان يهوى ويتمنى أن تكون قبلته الكعبة؛ وذلك لسببين:

1-مخالفة اليهود، وكراهة موافقتهم؛ لأنهم كانوا يقولون له مستهزئين:تتبع قبلتنا، وتخالفنا في ديننا.

2-أنها كانت قبلة أبيه إبراهيم -عليه السلام-.

وبعد الفترة المذكورة حقق الله أمنيته، وأنزل آية تحويل القبلة؛ فقال -جل وعلا-(قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ)(البقرة:144)، فكان أول صلاة صلاها رسولنا -صلى الله عليه وسلم- نحو البيت صلاة العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن صلى معه، فمر على أهل مسجد وهو راكعون فقال: أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قِبَل مكة؛ فداروا -وهم في صلاتهم- إلى جهة البيت، وقد انتشر الخبر في آفاق المدينة، فلما سمعت اليهود بذلك ثارت غيرتهم، واشتعل حقدهم الدفين؛ فباتوا يشككون في النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويلقنون المؤمنين شبهات في صحة نبوته ودينه الذي جاء به؛ ومما قالوه:( لو كان نبيًا ما ترك قبلة الأنبياء قبله)، ومن ذلك –أيضا-:(لو كان نبيًا ما كان يفعل اليوم شيئًا وغدا خلافه)؛ لكن الله -سبحانه وتعالى- تصدى لهذه الفتنة، وأجاب عن شبهات اليهود والمنافقين بجواب شاف أغلق به الباب الذي كان لهم مشرعا للتشكيك في الرسول -صلى الله عليه وسلم- ودين الله، فقال –تعالى-(سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ* وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ…) إلى آخر الآيات(البقرة:142-143).

يقول السعدي -رحمه الله- عن هذه الفتنة: وكان صرف المسلمين إلى الكعبة، مما حصلت فيه فتنة كبيرة، أشاعها أهل الكتاب، والمنافقون، والمشركون، وأكثروا فيها من الكلام والشبه، فلهذا بسطها الله –تعالى-، وبينها أكمل بيان، وأكدها بأنواع من التأكيدات، التي تضمنتها هذه الآيات.

منها: الأمر بها ثلاث مرات، مع كفاية المرة الواحدة.

ومنها: أن المعهود أن الأمر إما أن يكون للرسول؛ فتدخل فيه الأمة تبعا، أو للأمة عموما، وفي هذه الآية أمر فيها الرسول بالخصوص في قوله:(فَوَلِّ وَجْهَكَ)، والأمة عموما في قوله:(فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ) .

ومنها: أنه رد فيه جميع الاحتجاجات الباطلة، التي أوردها أهل العناد وأبطلها شبهةً شبهةً، كما تقدم توضيحها- يعني في تفسيره.

ومنها: أنه قطع الأطماع من اتباع الرسول-صلى الله عليه وسلم- قبلة أهل الكتاب.

ومنها قوله:(وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ)(البقرة:149) فمجرد إخبار الصادق العظيم كاف شاف، ولكن مع هذا قال:(وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ) .

ومنها: أنه أخبر – وهو العالم بالخفيات – أن أهل الكتاب متقرر عندهم صحة هذا الأمر؛ ولكنهم يكتمون هذه الشهادة مع العلم.اهـ

من نماذج تعظيم السلف للقبلة

1- قال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون أن يستقبلوا القبلة بغائط أو بول أو يستدبروها؛ ولكن عن يمينها، أو عن يسارها.

2- عن أشعث، عن الحسن البصري: أنه كره أن يبزق تجاه القبلة، قال: وكان ابن سيرين يكره القبلتين جميعًا.(أي يكره أن يبزق تجاه القبلتين)

3- عن إبراهيم أنه قال: كان يكره أن يبزق الرجل بين يديه في الصلاة، أو عن يمينه، وقال: ابزق عن شمالك، أو تحت قدمك.

4- عن سليمان بن موسى أنه قال: إنّ لكل شيء شرفًا، وأشرف المجالس ما استقبل به القبلة، وقال: ما رأيت سفيان يجلس إلا مستقبل القبلة.

a14 516x387
 

هدى للعالمين

هدى للعالمين

مفهوم هداية مكة للعالمين

إن مما دل على علو مكانة مكة المكرمة، وعظم شأنها وصف الرب -جل وعلا- لها بأنها هدى للعالمين؛ حيث قال –سبحانه-:( إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ)(آل عمران:99)، فما معنى هذه الآية؟ وما المقصود بالهداية هنا؟

ذكر أهل العلم أن الهداية في اللسان العربي: هي الدلالة على ما يوصل إلى المطلوب، وفي المعنى الشرعي فهي تنقسم إلى قسمين:

الأول:هداية التأييد والتوفيق، وهذه خاصة بالله -عز وجل-، ولا يملكها أحد من خلقه، ويوضح ذلك خطاب البارئ –سبحانه- لنبيه -صلى الله عليه وسلم- كما في التنزيل:(إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)(القصص:56)، فهذا القسم من الهداية لا يملكه إلا الله -عز وجل-؛ حتى الأنبياء -عليهم السلام- ليس بإمكانهم أن يوفقوا أحدا من الخلق.

الثاني: هداية الدلالة والإرشاد، هذا القسم جعله الله في عباده من الأنبياء والرسل وغيرهم؛ فبإمكانهم أن يهدوا الناس ويرشدوهم إلى ربهم وخالقهم، وإلى الطريق السوي الذي إذا سلكوه يوصلهم إلى الجنة دار النعيم، وفي هذا يقول الله –تعالى- مخاطبا نبيه -صلى الله عليه وسلم-:( وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)(الشورى:52)، أي: ترشد الناس إليه وتدلهم عليه.

وبناء على هذا نعلم أن الهداية في الآية هي الدلالة والإرشاد؛ فيكون معنى الآية العام: أن البيت بيان وإرشاد للناس – مسلمهم وكافرهم- إلى ربهم وخالقهم لما تضمنه من الآيات البينات، كما هو قبلة ومنسك وصلاح للمسلمين، وطريق لهم إلى رحمته وجنته.

أثر الهدى في البيت الحرام

إن المتأمل في الهدى الذي جعله الله -سبحانه وتعالى- للبيت الحرام فإنه يجد أن الأمور التي ترتبت عليه تنقسم إلى قسمين:

1- منح ربانية إذا عمل الناس على الهدى بالبيت.

2- عقوبات إلهية إذا تركوا الهدى بالبيت.

فالمنح الإلهية في الهدى بالبيت هي:

1- هداية في العقائد والتصورات: هذا البيت العظيم يبني في النفس المنصفة المتأملة فيه طلبًا للهداية تصوراتٍ صحيحةً عن الله -تبارك وتعالى- بما جعل فيه من الآيات الدَّالةِ على قدرته؛ فليس هناك بيتٌ في الدُّنيا امتنع عن سطوة الملوك والجبابرة على مرِّ هذه الأزمان المتطاولة غير هذا البيت، ولا يزال التاريخُ يحفظ كلمة عبد المطلب لأبرهة: أنا ربُّ الإبلِ، وللبيتِ ربٌّ يحميه، ولا زالت حادثة أصحاب الفيل شاهدة إلى قيام السَّاعة  بأنَّ الكعبةَ بيت الله -سبحانه وتعالى-.

2- هداية في الأحكام والتشريعات: لقد ربط الله بهذا البيتِ عباداتٍ عدَّة، جعلها الله أعظم العبادات في الإسلام، وعُدَّت من أركان الإسلامِ ومقاصده العظام:

• ارتباط الصلاة بالبيت الحرام: وذلك باعتباره قبلة كل مصلٍ، فلا تصح الصلاة إلا بالتوجه للكعبة المشرفة، قال –تعالى-:(وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ)(البقرة:144).

• جعل الله فيه لعباده مناسك الحج والعمرة: فلا يتم إسلام المسلم المقتدر حتى يفد إلى البيت العتيق ويؤدِّي نسك الحجِّ، قال الله –تعالى-:(وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِين)(آل عمران:97).

• عبادة الطواف: ربط الله به عبادة الطواف التي يحقق فيها المسلمُ تعبده لربِّه، ويحصل على الخير العظيم من تقبيل الحجر الأسود، والمسح على الركن اليماني، ومن الطواف نفسه، قال –تعالى-:(وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُود)(الحج:26).

• أثر القبلة في تحقيق أمره الشرعي بالاجتماع، فالأمة الإسلامية بأكملها ومن كل نواحي الدنيا يتجهون إليها وقت أدء صلواتهم المفروضة وغير المفروضة، وفي دعواتهم لخالقهم، وقراءتهم للقرآن وغير ذلك من العبادات التي يشرع فيها استقبال القبلة وجوبا أو استحبابا، ولا شك أن هذه الصور من أهم مظاهر الاجتماع والوحدة.

3- هداية في المآل والنعيم في الجنات: ومن أمثلة ذلك: الحجُّ إلى بيت الله الذي هو من خواصِّ البلد الحرام، قد جعل الله-سبحانه- جزاءه الجنة؛ يقول رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- كما في الصحيحين:(وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلاَّ الْجَنَّةُ).

وأما العقوبات الإلهية في ترك الهدى بالبيت فهي ما يلي:

• قيام الساعة وخراب العالم، يقول -صلى الله عليه وسلم- كما في صحيح مسلم:( لاََ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لاَ يُحَجَّ الْبَيْتُ).

• خراب البيت، يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم- كما في المستدرك:(لن يستحلَّ هذا البيتَ إلا أهلُه؛ فإذا استحلوه فلا تَسلْ عن هلكَةِ العرب، ثم تظهر الحبشةُ؛ فيخربونه خرابا لا يُعمرُ بعده أبدًا، وهم الذين يستخرجون كنزَه).

• هلاك العرب خاصة، والناس عامة، يقول -صلى الله عليه سلم- كما في الحديث السابق:(لن يستحلَّ هذا البيتَ إلا أهلُه؛ فإذا استحلوه فلا تَسلْ عن هلكَةِ العرب)، ويقول سعيد بن جبير: لا يزال الناس بخير ما حجوا واعتمروا.

نماذج ومواقف عن السلف في حرصهم على اغتنام الفرص في الهدى بالبيت

• اغتنام الرسول -صلى الله عليه وسلم- فرصة وجوده وقربه من البيت في زيادة الهدى به، وفي الإكثار من الطواف حول الكعبة المشرفة: ويدل على ذلك ما فعله -صلّى الله عليه وسلّم- ليلة منصرفه من غزوة حنين كما في سنن الترمذي؛ فإنه على الرغم من أنه شهد يوم حنين أحداثًا عصيبة في أرض المعركة، وبعد ذلك في قَسْم غنائمها بين أصحابه، وما صاحبَه من عتب الأنصار عليه؛ حيث فرّقها في قريش دونهم في حادثة جليلة مشهورة معروفة؛ إلا أنه -صلّى الله عليه وسلّم- فضّل اغتنام بقية ليلته في زيارة البيت والطواف حوله على النوم والراحة؛ فخرج متدثرًا في ظلمة الليل ودخل الحرم، فاستلم الحجر الأسود، وطاف بالبيت، وقضى عمرته، ثم أدرك صلاة الصبح بأصحابه في الجعرانة كأنه قد قضى الليل بينهم.

• برنامج الإمام الثوري مدة مكوثه بمكة: قدم الإمام سفيان الثوري -رحمه الله تعالى- مكة، في أحد الأعوام من حياته، وكان له فيها برنامج عجيب؛ حيث كان برنامجه اليومي مدة مكوثه في مكة على النحو التالي: يبدأ بصلاة الفجر، ثم يجلس بعد ذلك يذكر الله حتى ترتفع الشمس، ثم يطوف سبعة أسابيع- يعني يطوف سبع مرات-، يصلي بعد كل أسبوع -يعني بعد كل طواف-ركعتين يطولهما- والسنة تخفيفهما-، ثم يصلّي إلى نصف النهار، ثم ينصرف إلى منزله، فيأخذ المصحف فيقرأ، فربما نام كذلك، ثم يخرج لنداء الظهر، ثم يتطّوع إلى العصر، فإذا صلى العصر أتاه أصحاب الحديث فاشتغل معهم إلى المغرب، فيصلّي ثم يتنفل إلى العشاء، فإذا صلى ربما يقرأ أو ينام، قال مؤمل بن إسماعيل -رحمه الله تعالى-:(أقام بمكة –أي الثوري- نحوًا من سنة على هذا).

• قصة عبد المسيح الذي كان نصرانيا ثم أسلم: يقول حامد الأسود وكان صاحب إبراهيم الخواص: كان إبراهيم إذا أراد سفرًا لم يحدِّث به أحدًا ولم يذكره، وإنما يأخذ ركوته ويمشي، فبينا نحن معه في مسجده إذ تناول ركوته ومشى فاتبعته، فلم يكلمني حتى وافينا الكوفة، فأقام بها يومه وليلته، ثم خرج نحو القادسية، فلما وافاها، قال لي: يا حامد إلى أين؟

– فقلت: يا سيدي خرجت بخروجك.

– فقال: أنا أريد مكة -إن شاء الله-.

قلت: وأنا -إن شاء الله- أريد مكة، فمشينا يومنا وليلتنا، فلما كان بعد أيام، إذا شاب قد انضم إلينا في بعض الطريق، فمشى معي يومًا وليلة لا يسجد لله -عز وجل- سجدة فعرَّفت إبراهيم وقلت: إن هذا الغلام لا يصلي.

– فجلس وقال له: يا غلام ما لك لا تصلي والصلاة أوجب عليك من الحج؟.

– فقال: يا شيخ ما عليّ من صلاة.

– قال: ألست مسلمًا؟.

– قال: لا.

– قال: فأي شيء أنت؟.

– قال: نصراني.

– قال إبراهيم: دعه يكون معك، فلم يزل يسايرنا إلى أن وافينا بطن مرّ، ثم سأله إبراهيم عن اسمه؟ فقال: عبد المسيح.

– فقال: يا عبد المسيح: هذا دهليز مكة؛ وقد حرم الله على أمثالك الدخول إليه وقرأ (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا)، والذي أردت أن تستكشف من نفسك فقد بان لك، فاحذر أن تدخل مكة؛ فإن رأيناك بمكة أنكرنا عليك.

– قال حامد: فتركناه ودخلنا مكة، وخرجنا إلى الموقف، فبينا نحن جلوس بعرفات إذ هو قد أقبل وعليه ثوبان، وهو محرم يتصفح الوجوه حتى وقف علينا، فأكب على إبراهيم يقبّل رأسه، فقال له: ما وراءك يا عبد المسيح؟.

– فقال: هيهات؛ أنا اليوم عبده، والمسيح عبده.

– فقال له إبراهيم: حدثني حديثك.

– قال: جلست مكاني حتى أقبلت قافلة الحاج؛ فقمت وتنكّرت في زيّ المسلمين كأني محرم، فساعة وقعت عيني على الكعبة اضمحلّ عندي كل دين سوى الإسلام، فأسلمت واغتسلت وأحرمت، وها أنا أطلبك يومي، فالتفت إلينا إبراهيم وقال: يا حامد انظر إلى بركة الصدق في النصرانية كيف هداه إلى الإسلام؟ وصحبنا حتى مات.

قياما للناس

قياما للناس

من خصائص البلد الحرام أن الله –سبحانه وتعالى- جعله قياما للناس كما قال –تعالى- في كتابه الكريم:(جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ)(المائدة:97)، واختلفت أقوال المفسرين في تحديد معناه؛ فمنهم من قال: إن المراد به: أن البيت الحرام صلاح لهم، ومنهم من قال: إن معناه: تقوم به أبدانهم لأمنهم به في التصرف لمعايشهم، ومنهم من قال: إنه قيام لهم في مناسكهم ومتعبداتهم.

والراجح: أن كل المعاني المذكورة داخلة في الآية ولا تضارب بينها؛ فيكون المعنى العام الشامل للآية: أن البيت الحرام جعله الله قياما للناس في أمر دينهم ودنياهم، وقيامِهم إلى مقاصدهم في معاشهم ومعادهم؛ لما يتم لهم من أمر حجهم وعمرتهم وتجارتهم، وأنواع منافعهم، فهذا المعنى شبه جامع للمراد بالآية، ولو زيد أي معنى آخر في الآية لأمكن نظمه في هذا، يقول العلامة السعدي: يخبر –تعالى- أنه جعل (الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ) يقوم بالقيام بتعظيمه دينُهم ودنياهم، فبذلك يتم إسلامهم، وبه تحط أوزارهم، وتحصل لهم – بقصده – العطايا الجزيلة، والإحسان الكثير، وبسببه تنفق الأموال، وتتقحم – من أجله – الأهوال.

ويجتمع فيه من كل فج عميق جميع أجناس المسلمين، فيتعارفون، ويستعين بعضهم ببعض، ويتشاورون على المصالح العامة، وتنعقد بينهم الروابط في مصالحهم الدينية والدنيوية.اهـ

ما يترتب على قيام البلد الحرام للناس

إن جملة من أهل العلم تتبعوا أثر قيام مكة واستقرؤوه بتمعن ودقة فوجدوا أنه حاصل فيما يأتي:

1- الأديان:

أ‌- قيام التوحيد: يقول ابن عاشور: إنَّ الكعبة كانت قيامًا للناس وهم العربُ؛ إذ كانت سبب اهتدائهم إلى التوحيد واتّباع الحنيفية، واستبقت لهم بقية من تلك الحنيفية في مدة جاهليتها كلها لم يعدموا نفعها.

ب‌- قيام العبادات: الناس يستطيعون في هذا البيت أداء بعض الشعائر الدينية كالحج والعمرة والطواف، وهي خاصة بهذا البيت، ولا يمكن أدؤها في غيره،يقول –سبحانه-:(وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِين)(آل عمران:97)، ويقول –سبحانه-:(إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللّهَ شَاكِرٌ عَلِيم)(البقرة:158).

2- الأموال:

وهذا ظاهرٌ في الأمن الذي جعله الله في مكة ولأهلها؛ وكان البيت سببًا في ازدهار حياتهم الاقتصادية، وتنمية ممتلكاتهم الشخصية، قال الطاهر ابن عاشور: وكان وجود هذا البيت عائدًا على سكان بلدها بفوائد التأنس بالوافدين، والانتفاع بما يجلبونه من الأرزاق، وبما يجلب التجار في أوقات وفود الناس إليه، فأصبح ساكنوه لا يلحقهم جوعٌ ولا عراءٌ.

وكان من عوائد هذا الأمنِ على قريشٍ في جاهليتها: رحلة الشتاء والصيف؛ فلا يتعرض لهم أحدٌ في طريقهم بقوافلهم التجارية إلى الشَّام أو اليمن؛ لأنهم أهل مكة البلد الحرام، قال الله –تعالى-:(لإِيلافِ قُرَيْشٍ* إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ)(قريش:1-2).

3- الأبدان:

إنّ الأمن الذي جعله الله في البلد الحرام كان سببًا في صونِ دمائهم وأرواحهم، ولذلك فُسِّر القيام في الآية بالأمن على الأنفس والدماء، قال عطاء الخراساني: كانوا إذا دخل الشهر الحرام وضعوا السلاح، ومشى بعضهم إلى بعض. وقال ابن شهاب: جعل الله البيت الحرام والشهر الحرام قيامًا للناس يأمنون به في الجاهلية الأولى؛ لا يخاف بعضهم بعضًا حين يلقونهم عند البيت أو في الحرم أو في الشهر الحرام.

4- المدنية:

إنّ في اجتماع المسلمين من كل أنحاء العالم في هذه البقعة المباركة اجتماعاً لعقولهم، وتلاقحًا لأفكارهم، وفي هذا قيامٌ لإيجاد الحلِّ لجميع ما يحتاجون إليه في معاشهم ومعادهم.

وهذا من القيام الذي جعله الله -تبارك وتعالى- في البيت الحرام للناسِ، قال المهايمي: جعله الله مقام التوجّه إليه في عبادته للناس المتفرقين في العالم؛ ليحصل لهم الاجتماع الموجب للتآلف الذي يحتاجون إليه في تمدنهم، الذي به كمال معاشهم ومعادهم؛ لاحتياجهم إلى المعاونة فيهما.

نماذج من صور قيام البلد الحرام للناس

1- كان أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنهما- قد اشترى دارًا بمكة وسماها دار المراجل، وجعل فيها قدورًا، وكانت الجزر والغنم تذبح، ويطبخ فيها للحاج أيام الموسم، ثم يُفعل ذلك في شهر رمضان.

2- وفي سنة ست عشرة وثمانمائة عمّر السيد حسن البيمارستان بالجانب الشامي من المسجد الحرام عمارة حسنة، وأحدث فيه ما يحصل به النفع، وذلك إيوانان وصهريج وغير ذلك، وأوقف ما عمره وما يستحقه من منافعه في الموضع المذكور مدة تسع وتسعين سنة وسبعة وعشرين يومًا متوالية على الفقراء والمساكين المنقطعين المرضى والمجاورين؛ يأوون فيه ويؤوون إليه علوًا وسفلا، وينتفعون بالإقامة فيه والارتفاق به انتفاع مثلهم بمثله؛ لا يزعج أحد منهم ولا يخرج منه بغير اختياره إلاّ بعد حصول العافية له والشفاء، فإذا خلا البيمارستان المذكور منهم، وصار خاليًا كان الانتفاع به للفقراء والمساكين من المسلمين، فإن عاد الضعفاء والطرحاء عاد الانتفاع لهم كما كان يجري الحال في ذلك كذلك وجودًا وعدمًا المدة المذكورة، وجعل النظر فيه لولديه بركات وأحمد.

3- مما حدث في زمن الشريف حسن أن محمد باشا وزير السلطان الأعظم حضرة سليمان خان أمر أن يبنى له موضع بقرب الحرم، يكون محلاً للفقراء صونًا للحرم الشريف، وأن يبنى لهم مساطب تصلح للمرضى؛ فتكون دار الشفاء لهم، وأن يبنى خارج ذلك دكاكين وبيوت تكرى وتصرف غلالها في مصلحة هذا المحل، وأمر ببناء حمام في وسط البلد يكون عظيم الشأن؛ فبنى جميع ذلك، وعمرت له أوقاف كثيرة بمكة، ووردت صدقاته سنة تسعمائة وأربع وسبعين.

4- وجود حلقات القرآن، وحلقات العلم، ومعهد الحرم في مبنى المسجد الحرام؛ فقد انتفع بها آلاف الناس في شتى العلوم الشرعية، وفي حفظ القرآن الكريم، وتعلم تجويده، والقراءات العشر.

5- قال ابن بطوطة: ولأهل مكة الأفعال الجميلة، والمكارم التامة، والأخلاق الحسنة، والإيثار إلى الضعفاء والمنقطعين، وحسن الجوار للغرباء، ومن مكارمهم أنهم متى صنع أحدهم وليمة يبدأ فيها بإطعام الفقراء المنقطعين المجاورين، ويستدعيهم بتلطف ورفق وحسن خلق، ثم يطعمهم، وأكثر المساكين المنقطعين يكونون بالأفران؛ حيث يطبخ الناس أخبازهم، فإذا طبخ أحدهم خبزه واحتمله إلى منزله فيتبعه المساكين؛ فيعطي لكل واحد منهم ما قسم له، ولا يردهم خائبين، ولو كانت له خبزة واحدة فإنه يعطي ثلثها أو نصفها طيب النفس بذلك من غير ضجر.

pub3 1

© 2020 بوابة تعظيم البلد الحرام