في الوقت الذي تتداعى فيه الأمم على فيروس كورونا متخذةً كافة السبل الوقائية، لتحُول دون انهيار نظامها الصحي والاقتصادي والأمني، يجد أهل مكة المعظّمة أنفسَهم أمام واجبٍ شرعي يفرضُه عليهم الجوار، وتندبُهم إليه سُكنى الحرم.

فمن منّا سَرّه منظر الكعبة المشرّفة وهي تخلو من الطائفين والمصافحين؟ ومن منّا وجد في التخلّف عن حضور الجُمع والجماعات راحةً أو استجماما؟ ومن منّا يحبّ البقاء في المنزل دون أن يمشي في مناكب الأرض للعلم أو الرزق؟… إلا أنّها الضرورة التي تبيح المحظور، وطاعة ولي الأمر التي تتأكّد حين يدعو إلى حفظ ضروارتٍ جاء الدين بحفظها.

على مرّ التاريخ، كانت مكة المعظّمة -ولاتزال- ملاذًا آمنًا للخائفين، قال عبد الرحمن بن زيد: “كان الرجل يلقى -في الحرم- قاتلَ أبيه أو أخيه فلا يعرض له”. فقد جعلها الله أمنًا للناس، وأمنًا للشّجر الذي لا يُعضد، وللحيوان الذي لا يُنفّر، وللجمادات التي تضيع من صاحبها فلا تُلتَقط. هذا هو الأمن الشرعيّ الواجب على كل من وطئ هذه الأرض المقدسة.

فما هو واجبنا في ظل هذه المحنة لتي لم تترك بلادًا إلا ونالت منها؟

لا يليق بأهل سيدة المدن إلا أن أن يصنعوا منها أنموذجًا حضاريًا يشيد به العالم أجمع، في الالتزام بكل ما يحقق أمنها الذي أراده الخالق لها، بعد الالتجاء إليه سبحانه والتوكّل عليه، عملاً بالأسباب المؤدية إلى انحسار نسبة الإصابات، تعاونًا على البرّ والتقوى، وتكاتفًا ضد شرٍ يتربّص بمرضانا وضعفائنا، فلا نصافح اليوم حتى نصافح غدًا، ولا نخرج من بيوتنا حتى يخرج الوباء من بلادنا. نطهّر أيدينا بنيّة تطهير الحرم، ونبتعد عن التجمّعات لنقطع دابر الوباء، تجسيدًا لمبدأ إسلامي عظيم: “ومن أحياها فكأنّما أحيا الناس جميعا”.

ولكل ما سبق، فإنّ سكان بلد الله الحرام هم أولى الناس بتطبيق كل الاحترازات المنصوص عليها من قبل المختصين، فكل إجراءٍ وقائي أُريد به حفظ أرواح المسلمين حسنةٌ مضاعفة في أرض الحرم، وتحقيقٌ لمراد الله في بقاء بلدته المحرّمة آمنةً، وإسهامٌ في الأمن الشرعي لبقعةٍ هي أحبّ البلاد إلى الله ورسوله، وأحقّ البلاد بالأمن من بين بلدان العالم.

img1 1

numerovert

© 2020 بوابة تعظيم البلد الحرام