تضمّنت خطب رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم خلال حجّة الوداع سواء بعرفة أو يوم النحر أو ثاني أيّام التشريق بمنى مجموعة من الأوامر و التوجيهات والوصايا. والالتزام بما جاء به رسولنا محّمد صَلّى الله عليه وسلّم وطاعته والأخذ بما أتى به والانتهاء عمَّا نهانا عنه من مقوّمات الإسلام الأساسية، كما جاء في مُحكم التنزيل. وعليه فإنّ ماجاء في تلك الخطب سُنّةٌ للرسول صَلّى الله عليه وسلّم، الالتزام بها والسيْر على خطاها واجبٌ وبابٌ لطاعته الله وبلوغ محبّته، والعَملُ على تحقيقها في الأنفس وعلى الأرض أمانة.

وعند الوقوف على مجمل ماجاء في تلك الخطب من مفاهيم ومصطلحات ومعاني ودلالات، تنفتح البصيرة على أنّه بالالتزام بها والسعي إلى تنفيذها يتحقّق الأمن في الأموال والأنفس، وبذلك يتحقّق الأمن على الأرض، ويتحقّق في ذات الوقت معنى أشمل وأعمق للأمن.

فمن حرَّم الدماء وانتهاك حقوق الناس في أموالهم وأعراضهم هو الله عزَّ وجلَّ الذي حرّم زمن الحجّ وحرّم مكان الحجّ البلد الذي تهوي إليه الأفئدة من كلّ فجٍّ عميق. فالأمـن على وجه الحقيقة هو في طاعة من له الخلق والأمْر حتى نأمن غضبه وعقوبته، وطاعة الله التي بها يتحقّق الأمن مُقترنة بضرورة السيْر على خطى سُنّة نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم.

إنّ الالتزام بتحقيق ما اسْتَأْمَننا عليه سيّدنا محمّد صَلّى الله عليه وسلّم في خطبة عرفة وخطبتَيْ منى لا يحقّق الأمن فقط، وإنَّما يتجاوزه إلى تطهير المسلم لنفسه من كلّ ما يؤدي إلى غضب الله ومخالفة أوامره ونواهيه، ومن أدواء النفس وعللها وأمراضها ومن كلّ خلل قد يُصيب المجتمع أو الأمّة.

فزيارة البلد الذي حرّمة الله منذ خلق السماوات والأرض إلى يوم القيامة، والإلتزام باتبّاع ماجاء به مَنْ بُعِث في تلك الأرض ذات المكانة المقدّسة نبيًّا ورسولاً وأشــْهَد فيها الحجّاج المسلمين بأنّه بلَّغ الأمانة، إنَّما هي فرصة للتطهُّرِ والتطهير.

عملّية تطهُّر وتطهير من كلّ ماحذّرنا منه صَلّى الله عليه وسلّم في خطبه الثلاث (سنُجملها ونذكرها لاحقًا). وإنَّ التوجُّهَ للتطهير يبتدئ مع النيّة والإحرام وعند سعيْ الحاجّ أو المعتمر في الأرض التي سعى فيها الخليلان إبراهيم ومحّمد صَلّى الله عليهما وسلّم. ولا نهاية للكدح في التطهير إلا عندما ترجع النفس إلى خالقها مطمئنة راضية مرضية بإذن الله.

فكما جعل الله حرمة البلد الحرام أبديّة، فإنّ العمل على تنفيذ مقتضيات الأمانة والالتزام بها وتحقيق الأمن وتطهير النفس أبدية، وذلك أحد أسرار تشبيه تحريم الأموال والأعراض بحرمة البلد الحرام.

ويُمكننا إجمال القضايا الواردة في خطب حجّة الوداع الثلاث التي يُعدُّ الالتزام بها شرطًا لأداء الأمانة وتحقيق الأمن وتطهير النفس والمجتمع والأمّة في:

– التذكير بأنّ أعظم مكان على وجه الأرض هو بلد الله المحرّم، وبحرمة زمن الحجّ إلى هذا البلد المعظّم.
– تحريم الدماء والأموال والأعراض وجعل حرمتها كحرمة الشهر الحرام والبلد الحرام.
– إبطال عادات الجاهلية في الثأر، فكلّ إنسان يؤخذ بذنبه ويتحمّل مسؤولية عمله.
– إبطال الربا مبتدئا بذي القُرْبى عمّه العبّاس رضي الله عنه.
– الوصيّة بالنساء وبيان مالهُنّ من حقوق وماعليهنّ من واجبات.
– الوصيّة بكتاب الله عزّ وجلّ ولزوم التمسّك به. ومعلوم أنّ ذلك يستلزم التمسّك بسنّة الرسول صَلّى الله عليه وسلّم والسير على خطاها، لأنّ طاعة الرسول من طاعة الله وباتبّاع الرسول يُحْببنا الله.
– النهيُ عن الاختلاف والافتراق.
– التحذير من طاعة الشيطان في كلّ ما يُحـْتَقر من الأعمال.
– التأكيد على الأُخُوّة في الدين.
– الأمْرُ بحمل العلم وتبليغه لمن لم يحضره فقد يكون أوعى ممن حضره وبلّغه.

img1 1

numerovert

© 2020 بوابة تعظيم البلد الحرام