حجّ نبيّنا محمّد صلى الله عليه وسلّم حجة واحدة، كانت أعظم حجة في التاريخ وأفضلها. أقام فيها شعائر الله تعالى، وعظّم حرماته، وبيّن للناس مناسكهم، وخطب يُعلِّمُ ويُبشُّر ويُنذِر ويُوصي.

في هذه الحجّة المباركة إلى بلد الله المحرّم منذ أنْ خلق السماوات والأرض، أنزل الله عزّ وجلّ آية إكمال الدين وإتمام النعمة والرضى بالإسلام دينًا ( قال تعالى:” اليوم أكملتُ لكم دينكم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضيتُ لكم الإسلام دينًا” المائدة،3).

فأُطـْلِقت على الحجّة صفة الوداع، وسُمّيت ” حجّة الوداع” لأسباب عديدة أحصاها المفسّرون والمُحدِّثون والفقهاء والمؤرخون، من بينها وفاته صَلّى الله عليه وسلّم بعدها، وتوديعه الأمّة بوصاياه التي ضمّنها خطبه، وإشهادُه بأنّه قد بلّغَ ما أُرْسِل إليهم به، وإعلانه عزَّ وجلَّ بأنّه أكمل الدين الإسلامي ورضي به وأتمّ النعمة .

والراجحُ أنّ رسولَ الله صَلّى الله عليه وسلَّم خطب في حجّته ثلاث خطب: الأولى: يوم عرفة بعرفة، والثانية يوم النحر بمنى، والثالثة أوسط أيّام التشريق بمنى.
وقد تضمّنت هذه الخطب معاني متقاربة الدلالات تدُورُ حول توصية الأمّة والإشهاد بأنّه قد بلّغ الرسالة. ومن المعاني المتكرّرة في الخطب الثلاث تأكيده صَلّى الله عليه وسلّم على خصيصة تحريم البلد الحرام.

– ففي خطبته بعرفة أكّد : “إنّ دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا”.

-وفي خطبة يوم النحر بمنى في مارواه أحمد في حديث جابر- رضي الله عنه – قال: خطبنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يوم النحر فقال: ” أيُّ يوم أعظم حرمة؟ فقالوا: يومنا هذا، قال: فأي شهر أعظم حرمة؟ قالوا: شهرنا هذا، قال:أيُّ بَلَدٍ أعظم حُرمة ؟ قالوا : بلدنا، قال: فإنّ دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، هل بلّغت قالوا: نعم، قال: اللهم أشهد”.

– وقال صَلّى الله عليه وسلّم في خطبة ثاني أيام التشريق في مارواه البيهقي والنسائي: ” إني لا أدري لعلّي لا ألْقاكم بعد هذا، أَلاَ وإنّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحُرْمَةِ يومكم هذا في بلدكم هذا حتى تلقوا ربّكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا فليبلغ أدناكم أقصاكم، ألا هل بلّغت، فلمّا قدمنا المدينة لم يلبث إلا قليلاً حتى مات”.

إنّ تعظيم البلد الحرام وتحريمه أمْرُ ربّاني، حيث اصطفاه عزَّ وجلَّ عن كلّ بقاع الدنيا يوم خلق السماوات والأرض، و رسم حدوده الخليل إبراهيم عليه السلام بإرشاد ودلالة من جبريل عليه السلام، وسار على خطى هذه السنّة سيدنا محمد صَلّى الله عليه وسلّم فضمّن خطب حجة الوداع -التي هي أشبه مايكون بالوصايا – تعظيم البلد الحرام الذي فيه بدأ نزول القرآن وفيه نزلت آية إكمال الدين وإتمام النعمة.

فتعظيم البلد الحرام إذعانٌ لما أراده الله واختاره واصطفاه، وسيْرٌ على خطى الخليلين، وإلتزام بما وصّى به سيدنا محمّد صَلّى الله عليه وسلّم.

img1 1

numerovert

© 2020 بوابة تعظيم البلد الحرام