أكَّد رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم في خُطب حجَّةِ الوداع بعرفة ويوم النحر وأوسط أيّام التشريق بمنى على حُرمة الزمان الذي اصطفاه من كُلِّ سَنَةٍ، وعلى حُرمة المكان الذي اصطفاه وعظَّمه يوم خلق السماوات والأرْض إلى يوم القيامة.
ففي خطبته بعرفة أكّد : “إنّ دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا”.
وفي خطبة يوم النحر بمنى في مارواه أحمد في حديث جابر- رضي الله عنه – قال: خطبنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يوم النحر فقال: ” أيُّ يوم أعظم حرمة؟ فقالوا: يومنا هذا، قال: فأيّ شهر أعظم حرمة؟ قالوا: شهرنا هذا، قال:أيُّ بَلَدٍ أعظم حُرمة ؟ قالوا : بلدنا، قال: فإنّ دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، هل بلّغت قالوا: نعم، قال: اللهم أشهد”.
وقال صَلّى الله عليه وسلّم في خطبة ثاني أيام التشريق في مارواه البيهقي والنسائي: ” إني لا أدري لعلّي
لا ألْقاكم بعد هذا، أَلاَ وإنّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحُرْمَةِ يومكم هذا في بلدكم هذا حتى تلقوا ربّكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا فليبلغ أدناكم أقصاكم، ألا هل بلّغت، فلمّا قدمنا المدينة لم يلبث إلا قليلاً حتى مات”.

لقد شهد المسلمون بأنّ رسولنا محّمد صَلّى الله عليه وسلَّم قد بلَّغ الرسالة وأدّى الأمانة. و تتضمّن الرسالة والأمانة الإقرار بأنَّ أيّاما بعينها هي الأعظم حرمةً، وأنّ أعظم بلدٍ خلقه الله وأفضل مكان في الدنيا هو بلده المحرّم، وأنَّ حُرْمَة هذا الزمان وهذا المكان الأبديين مقياس ومعيار وميزان لحرمة دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم.

فحُرمة هذا الزمان الذي خلقه الله واصطفاه ثابتة شرعًا، فالله سبحانه وتعالى أقسم بالفجر والليالي العشر ( العشر الأوائل من ذي الحجة)، ودعانا إلى أن نذكره في الأيام المعلومات(“ويذكرُوا الله في أيَّام معلومات” الحج 28) أي الأيّام العشرة الأولى من ذي الحجة، وكذلك في الأيّام المعدودات ( ” واذكروا الله في أيّامٍ معدودات” البقرة 203) وهي أيّام التشريق يُضاف لها في بعض الأقوال يوم عرفة ويوم النحر.وهذه الأيّام المعلومات والمعدودات تأتي ضمن أشهر معلومة( قال تعالى :” الحجُّ أشهر معلومات” البقرة، 197).
الحرْمة والتعظيم لهذه الأشهر المعلومات والأيام المعلومات والمعدودات لا شكّ فيهما ولا ارتياب،فهي أيّام عظيمة نحن مأمورون باغتنام فضائلها لنجني ثمراتها مصداقًا لما جاء في صحيح البخاري عن ابن عبّاس رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صَلّى الله عليه وسلَّم قال:” ما من أيّام العمل الصالح فيها أحبُّ إلى الله من هذه الأيّام”. لكن هذا الزمن دوري نسعى لإعتراض نفحاته وإجتباء خيراته كلّ سنةٍ في موعد معلوم.

أمّا عن تعظيم البلد الحرام وتحريمه، فقد أقسم الله في كتابه العزيز بالبلد الحرام( قال تعالى:” وهذا البلد الأمين” التين، 3) ، وأعطى الله للبيت المحرّم والبيت المعظّم خصائص الهدى والمباركة والأمن والمثابة وغيرها، وأكّد في خطب حجّة الوداع أنّه أعظم بلد خلقه الله ( قال عزّ وجلّ :” وربُّك يخلق مايشاءُ ويختار ماكان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عمّا يشركون” القصص 68).

إنّ الله اصطفى البلد الحرام موضع بيته المحرّم مع خلق السماوات والأرض، فقد روى ابن عبّاس رضي الله عنهما عن رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم أنّه قال يوم فتح مكّة :” إنّ هذا البلد حرّمهُ الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة”( رواه البخاري ومسلم).

إنّه مكانٌ اصطفاه الله وحرّمه وعظّمه منذ بدء الخلق، و قضى بحرمته إلى يوم القيامة، و ثبّت صَلّى الله عليه وسلّم مكانته في خطب حجّة الوداع التي جاءت زمن نزول آية إكمال الدين وإتمام النعمة والرضى بالإسلام دينًا.

هذه المكانة الإستثنائية لهذا المكان المقدّس تترتّب عنه معارف وسلوكيات على المسلم أن يلتزمها ويؤديها على مدار الأيّام والأزمان . فإن كانت الأزمان المحرّمة تدور لنستقبلها في أعظم موسم للعبادة، فإنّ تعظيم البلد الحرام ثابتُ منذ خلق السماوات إلى قيام الساعة وإتيان مقتضياته على مدار السنة دون انقطاع.

img1 1

numerovert

© 2020 بوابة تعظيم البلد الحرام