لِمكّةَ البلد الحرام شخصيّةٌ فريدةٌ ومستقلّة. وتتميّزُ هذه البقعة من المعمورة، عن سائر بقاع الأرض التي خلقها الله واستعمرنا فيها وجعلها مكانًا للاستخلاف والابتلاء بالالتزام بالعهد والميثاق وحمْل الأمانة، بخصائص لم تُؤْتَ لغيرها جعلت منها بلدًا لامثيل له.

وقبل إحصاء أهمّ الخصائص المميِّزة والتي منها تتشكّل الشخصية الفريدة والمستقلّة لمكّة المُشرَّفة، نشير إلى أنّه تترتّب على هذا الوضع الخاص لمكّة البلد الحرام مقتضيات ذات صلة وثيقة بتصحيح المعارف والمفاهيم، وبتقويم السلوك وتعديله، وتوجيهه إلى ما يتطابق مع طبيعة هذه البقعة التي اصطفاها الله واختارها ومنحها فضلا كبيرا، وفضّلها على غيرها من بقاع الدنيا تفضيلا.

إنّ أوّل ما يميز مكّة البلد الحرام عن غيرها من بلاد الدنيا، أنّ الله الذي يخلق ما يشاء ويختار اصطفاها لتكون أوَّل بقعة خلقها على الأرض، وهو ما يؤكده قوْل ابن عبّاس رضي الله عنهما: بأنّ أوّل ما ظهر للوجود في الأرض هذه البقعة المباركة ثمّ دحيت وخرجت الأرص من تحتها.

ونال البلد الحرام شرف التحريم والتعظيم في ذات اليوم الذي خلق الله فيه السماوات والأرض. فعن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:” إنّ هذا البلد حرّمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة” (متفق عليه).

وقد شرّف الله البلد الحرام بأنْ حدّ حدوده من فوق السماوات والأرض، وأرسل جبريل عليه السلام إلى الخليل إبراهيم عليه السلام ليُعرّفه الحدود التي ظلت معلومة تُجدّد جيلا بعد جيل وحقبةً إثر حقبةٍ، إلى أن أمر بتجديدها رسولنا الأعظم محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وغدا الحفاظ على الحدود المرسومة وتجديدها سنّةً من سنن الخليلين.
لقد خلق الله عزّ وجلّ البلد الحرام قبل خلق الإنسان، وشرّفه بالتعظيم والتحريم يوم خلق السماوات والأرض.
وهذا الاصطفاء أضفى عليه مكانة خاصّة هي إحدى مميّزات ما يمكن أن نُسمَّيه ” الشخصية المستقلّة لمكّة المعظّمة”.
وتبعًا لذلك، فإنّ “البلد المُصطفى” يستمدّ مكانته ووضعه من الله عزّ وجلّ وليس من الإنسان، فهو (أي البلد الحرام) سابق في الوجود على غيره من الأمكنة وعلى غيره من المخلوقات، سواء السماوات والأرض التي خُلق معها في نفس اليوم، أو البشريّة التي لم تكن شيئًا مذكورًا يوم خلق الله البلد الحرام وعظّمه وحرّمه.

أمّا ثاني مقوّمات الشخصية المستقلّة لمكّة بلد الله الحرام، فهي تميّزها بمجموعة من الخصائص التي حباها الله بها، ولم يمنحها مجتمعة لأيّ بقعة من بقاع الأرض قاطبة. فالتميُّز مضاعفٌ، ذلك أنّ مكّة المعظّمة حظيت بخصائص متعدّدة انفردت بها مجتمعة دون غيرها، ونالت من ناحية أخرى شرف الانفراد ببعض الخصائص التي لم يَنَلْها أيّ مكان آخر على وجه البسيطة.

فالبلد الحرام هو المكان الوحيد الموصوف بالهدى، قال تعالى: “إنّ أوّل بيت وُضع للناس للذّي ببكةَّ مباركًا وهدى للعالمين”(سورة آل عمران، الآية 96). وَصِفةُ الهدى التي لم يهبها الله لأيّ مكان ماعدا موطن البيت الحرام، يشترك فيها – بنصّ القرآن الكريم- مع القرآن ذاته الذي يهدي للتي هي أقوم، ومع رسولنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم الذي يهدي إلى صراطٍ مستقيم. فهذه الثلاثية (القرآن، والرسول، والبيت) يشترك في هداية الدلالة والبيان: القرآن باعتباره منهجًا أكمل، والسنّة النبويّة التطبيق الأمثل، والبلد الحرام مكانًا مقدًسًا ومعلمًا للاهتداء وقيامًا للناس ومثابة.

لقد حظيت مكّة المعظّمة بصريح القرآن الكريم بجملة من الخصائص نجمل أهمّها في: الهدى، والبركة، والقيام، والمثابة، والطهارة، والأمن. خصائصُ ومميّزات تُشكّل مقوّمات الشخصيّة المستقلة لبلد أراده الله طاهرًا، وآمنًا أمنًا قدريًّا وشرعيًّا.
وهو مباركٌ في الأجر وفي الرزق. ويتميّز بأنه مثابة للناس باعتباره بقعةً يرنو المسلمون إلى زيارتها والعودة إليها مرارًا وتكرارًا، وهي مثابة -كذلك-بمعنى المرجع والملجأ والمقياس والمعيار، ومكّة قيامٌ للدين وللدنيا، بقاؤها بقاءٌ لهما وزوالها إيذان بزوال الدنيا وقيام الساعة.

أمّا ثالث خصائص مكّة البلد الحرام التي جعلت منها ذات شخصيّة مستقلّة، فهي استئثارها بجملة من الأحكام الخاصة. ومن بين هذه الأحكام مضاعفة أجر الصلاة مئة ألف مرة مع إقرار مبدأ المضاعفة في أجر الأعمال الصالحة وتضاعف السيئات عند جماعة من العلماء. وتحريم القتل وسفك الدماء، وتحريم الصيد إلاّ ما تم استثناؤه، إضافة إلى تحريم قطع الشجر وعضد الشوك، والتقاط اللقطة إلاّ بغاية التعريف بها، ومن الأحكام المميّزة كذلك استحباب دخول الحجّاج والمعتمرين البلد الحرام وهم محرمون تعظيمًا له.

ويمكن وصف الحزمة الرابعة لمميزات الشخصية المستقلّة لمكّة البلد الحرام، بالخصائص الجغرافية لهذه البقعة. فمكّة التي اصطفاها الله وحرّمها يوم خلق السماوات والأرض وجعل فيها أوّل بيت وُضع للناس حباها بمميّزات جغرافية من حيث الموقع الذي يتوسّط الأرض، إضافة إلى ما حظيت به من خصائص تجعل ماء الحلّ لا يدخل الحرم، والميزة الاستثنائية لماء زمزم المندفع من تحت الارض والذي لم ينضب منذ آلاف السنين على خلاف كل العيون والينابيع والآبار الأخرى.

إنّ القول بأنّ لمكة البلد الحرام شخصيّة مستقلّة تميّزها عن بسائر بقاع الدنيا حقيقة دينيّة وعلميّة. هذه الحقيقة لها مقتضيات تترتّب عليها، خلفيتها معرفية وتبعات عملية وسلوكية. فمكّة المعظّمة يوم خلق الله السماوات والأرض قيام للدنيا وللدين، وسياج للدين المنزّل ممّن يخلق ما يشاء ويختار.

img1 1

numerovert

© 2020 بوابة تعظيم البلد الحرام