لمكة -شرّفها الله- منزلة عظيمة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعند أصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم، ومحبة كبيرة في نفوسهم، لذلك تحمّلوا في سبيل البقاء فيها لأجل ممارسة عبادة الله تعالى كل أذى وتقتيل واضطهاد، ولا أدلّ على ذلك من قول النبي صلى الله عليه وسلم -يخاطب مكة؛ حين أخرجه كفار قريش منها-: (والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت)، وقوله: (ما أطيبَكِ من بلد وأحبَّكِ إليَّ، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك) [صححهما الألباني في صحيح الجامع]، وقول عائشة رضي الله عنها : (لولا الهجرة لسكنت مكة، إني لم أر السماء بمكان أقرب إلى الأرض منها بمكة، ولم أر القمر بمكان قط أحسن منه بمكة) [أخبار مكة للفاكهي]، وقول بلال رضي الله عنه -متمنيًا الرجوع إلى مكة-:

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلةً *** بفخٍّ وحولي إذخر وجليل

وهل أردنْ يومًا مياه مجنةٍ *** وهل يبدوَن لي شامةٌ وطفيل

ومما ورد في كتب السير من الأخبار التي تبين ما كان يتعرض له المسلمون بمكة من تعذيب واضطهاد؛ قبل أن يأذن الله تعالى لهم بالهجرة إلى المدينة؛ ما رواه الإمام أحمد بسند حسن عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: كان أول من أظهر إسلامه سبعة: رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأبو بكر، وعمار، وأمُّه سُميّة، وصهيب، وبلال، والمقداد، فأما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فمنعه الله عز وجل بعمه أبي طالب، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون وألبسوهم أدراع الحديد، وصهروهم في الشمس، فما منهم من أحد إلا وقد واتاهم -أي: وافقهم- على ما أرادوا إلا بلال، فإنه هانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه، فأخذوه فأعطوه الوِلدان، فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة، وهو يقول: أحد أحد.[مسند الإمام أحمد]، وما رواه ابن إسحاق بقوله: ثم إنهم عدوا على من أسلم واتّبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه، فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين، فجعلوا يحبسونهم ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش، وبرمضاء مكة إذا اشتد الحرّ، من استضعفوا منهم يفتنونهم عن دينهم، فمنهم من يفتن من شدة البلاء الذي يصيبه، ومنهم من يصلب لهم ويعصمه الله منهم. وكانت بنو مخزوم يخرجون بعمار بن ياسر، وبأبيه وأمه، وكانوا أهل بيت إسلام، إذا حميت الظهيرة، يعذبونهم برمضاء مكة، فيمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول، فيما بلغني: (صبرا آل ياسر، موعدكم الجنة)، فأما أمه فقتلوها، وهي تأبى إلا الإسلام.[سيرة ابن هشام]

سعيد البرناوي
الباحث بمشروع تعظيم البلد الحرام

img1 1

numerovert

© 2020 بوابة تعظيم البلد الحرام