من عادة الناس أن يهتموا بالأحداث العظيمة التي تحصل في بلدانهم، ويدونوها، ويضبطوا زمانها، ثم يؤرخون بها، وقد اختارت الأمة الإسلامية حدث الهجرة النبوية ليكون تاريخها الذي يميزها عن سائر الأمم.
وقد روى البخاري في صحيحه في باب " التاريخ، من أين أرّخوا التاريخ" عن سهل بن سعد رضي الله عنهما قال:

«ما عَدّوا من مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ولا من وفاته، ما عَدّوا إلا من مَقدمه المدينة» أي: أن الصحابة رضوان عليهم وضعوا التاريخ جعلوه من زمن قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وجعلوا بدايته من محرم لا من ربيع الأول؛ وقد روي في سبب ذلك: أن أبا موسى الأشعري كتب إلى عمر - رضي الله عنهما - :

"إنه يأتينا منك كتب ليس لها تاريخ" فجمع عمر الناس، فقال بعضهم: أرّخ بالمبعث، وبعضهم: أرّخ بالهجرة، فقال عمر: الهجرة فرّقت بين الحق والباطل، فأرّخوا بها، وذلك سنة سبع عشرة، فلما اتفقوا قال بعضهم: ابدأوا برمضان، فقال عمر: بل بالمحرم؛ فإنه منصرف الناس من حجّهم، فاتفقوا عليه. [فتح الباري لابن حجر (7/ 268)].

لقد وفق الله تعالى صحابة نبيه رضوان الله عليهم لاختيار التاريخ لهذه الأمة بحدث الهجرة النبوية، فقد كان حدثا عظيما فاصلا في تاريخ الإسلام، إذ صار للمسلمين بلد يأوون إليه، منه كانت بذرة الدولة المسلمة، وأعز الله نبيه وأصحابه، ومنه كانت بداية انكسار المشركين وزوال أمرهم، وهزيمتهم في مواطن عدة، حتى كانت ذروة ذلك في السنة الثامنة من الهجرة، حيث فتح الله لنبيه الكريم صلى الله عليه وسلم بلدَه الحرام، سيدة مدائن الدنيا، التي فارقها قبل سنوات مع شدة حبه لها، وتعلق قلبه بها، ثم عاد إليها فاتحا لها، ومطهرا لها من دنس الشرك والوثنية، وانقطعت الهجرة بعدها، وذلك هو الفتح المبين، الذي تلاه دخول الناس في دين الله أفواجا، وشروق شمس الإسلام على بلاد العرب كلها، ومنها إلى مشارق الأرض ومغاربها.

 

منصور رشيد
الباحث بمشروع تعظيم البلد الحرام

img1 1

numerovert

© 2020 بوابة تعظيم البلد الحرام