منى، ومزدلفة، وعرفات= أماكن تاريخيّة في مكة المكرمة، ومشاعر مقدّسة مرتبطة بشعيرة عظيمة من شعائر الدين= الركن الخامس في الإسلام (الحج).
ولقد وطئت هذه المشاعر أقدام الأنبياء والصالحين من عباد الله؛ استجابة لنداء الخليل إبراهيم عليه السلام حين بنى هذا البيت الكريم؛ إذ قال الله تعالى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج: 27].

تعريفه:

مِنَى: اسم للموضع الذي ينزل فيه الحجاج يوم التروية ويقيمون به حتى تطلع الشمس من يوم عرفة، وفي يوم النحر وما بعده من أيام التشريق، وفيه يرمون الجمار(1).

سبب التسمية:

اختلف أهل العلم في سبب تسمية "منى" بهذا الاسم، فقيل: سميت بذلك لاجتماع الناس بها، والعرب تقول لكل مكانٍ يجتمع فيه الناس= منى، وقيل: سميت بذلك لما يُمْنَى بها من الدماءِ؛ أي يُراق، وقيل: سميت بذلك لأن آدم عليه السلام تمنَّى فيها الجنة، وقيل: سميت بذلك لأن الكبش مُنِي به؛ أي ذبح، وقيل: إن هذا الاسم مأخوذ من المنايا(2).

موقعه وحدوده:

يقع مشعر منى بين جبلين مطلّين عليه بين مكة المكرمة والمزدلفة في جهة الشرق والجنوب الشرقي من المسجد الحرام، وتلتقي حدوده من جهة الشرق مع حدود مجرى وادي محسّر، ومن جهة الغرب عند العقبة، ومن الشمال والجنوب تلتقي مع خط تقسيم الماء(3).

وصفه:

كان مشعر منى في السابق منطقة صحراوية على رأسها شُعبان بينهما أزقّة، وبينهما مصانع وآبار ودكاكين، تعمر أيام الموسم بالحجاج؛ وتخلو بقية السنة إلا ممن يحفظها، ثم أصبحت جزءًا من مكة وحيّاً من أحيائها؛ يسكنها بضع آلاف من السكان؛ ينتمي معظمهم إلى قبيلة قريش، أما في عصرنا الحاضر فقد أُنشئت بها الجسور والكباري والطرق والأنفاق حتى يتيسر للحجاج دخولها والمكوث بها أيام الحج؛ والمرور بها؛ والخروج منها بسهولة ويسر، وأقامت الدولة مساكن وأبنية خارجها للقاطنين بها؛ ولم يعدْ يسكن بها أحدٌ الآن، فقد تمَّ تفريغ المنطقة تمامًا لخيام الحجاج؛ وأُنشئت بها مزيد من الجسور والأنفاق التي سهّلت الحركة، وأصبح مشعر منى بذلك يتوسط أحياء مكة بعد اتّساعها، حتى إن شوارعه تستخدم كمنفذ للعابرين بين الأحياء لكثرة ما بها من جسور وأنفاق(4).

مساحته:

تبلغ مساحة مشعر منى (8.16 كم2) بما فيها السفوح الجبلية، ووادي منى تقدر مساحته بحوالي 4كم2، أي نصف المساحة الكلية لمنى عدا السفوح الجبلية، وقد شملت الطرق والجسور وباقي الخدمات حوالي 40% من هذه المساحة، فعلى ذلك يتضح أن المساحة المتبقية التي أقيمت بها خيام الحجاج في حدود 2.5كم2(5).

أبرز معالمه:

يحتضن مشعر منى بين جنباته معالم عدة، من أبرزها:

1- مسجد الخَيف:

الخَيف بفتح الخاء وسكون الياء ما انحدر عن غلظ الجبل وارتفع عن مسيل الماء، ومنه سمي مسجد الخيف، يقع هذا المسجد في سفح جبل منى الجنوبي قريبًا من الجمرة الصغرى، وهو يعدّ أحد المعالم التاريخية في المشاعر المقدسة، فقد صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم والأنبياء من قبله، كما ورد ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صلى في مسجد الخيف سبعون نبيا، منهم موسى صلى الله عليه، كأني أنظر إليه وعليه عباءتان قطوانيتان، وهو محرم على بعير من أزد شنوءة، مخطوم بخطام ليف، له ضفيرتان"(6).
وقد كان هذا المسجد موضع اهتمام وعناية خلفاء المسلمين على مرّ التاريخ، وتمت توسعته وعمارته في سنة 1407هـ بتكلفة (90) مليون ريالاً(7).

2- الجمرات:

الجمرات جمع جمرة، وهي الحصاة الصغيرة، وجمرات المناسك الثلاث بمنى هي: الجمرة الصغرى والوسطى والعقبة.
ورمي الجمار من مناسك الحج، حيث يرمي الحجاج العقبة يوم النحر، ويرمونها مع الصغرى والوسطى في أيام التشريق.
ورغبةً في تخفيف زحمة الناس وتوسيع دائرة الرمي وجمع الحصى في مكان واحد أُحدثتْ بعد عام 1292هـ أحواض للجمرات الثلاث، ووُضعت في وسط كل حوض من أحواض الجمرات الثلاث عمود علامة للمكان الذي ظهر به الشيطان ورماه إبراهيم عليه السلام.
ونظرًا لتزايد أعداد الحجاج فقد بُني دور علوي للجمرات بعد سنة 1383هـ ويطلق عليه جسر الجمرات، وقد تم توسعته أكثر من مرة، ونتيجةً لكثرة أعداد الحجاج في الآونة الأخيرة وضيق المسافة التي بين الجمرات كانت تحدث بعض الإصابات والوفيات لتزاحم الحجاج حول الجمرات؛ لذا قامت حكومة المملكة العربية السعودية في عهد الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود رحمه الله تعالى بتوسعة جسر الجمرات بتكلفة بلغت أكثر من 4 مليارات و200 مليون ريال(8).

3- جبل ثَبِيْر:

سمي هذا الجبل بهذا الاسم نسبةً إلى رجلٍ من هذيل مات فيه، ويقع هذا الجبل على يسار الذاهب إلى عرفة، وهو الذي كان أهل الجاهلية لا يدفعون من المزدلفة إلا بعد طلوع الشمس إذا أشرقت عليه؛ ويقولون:

"أشرق ثبير كيما نغير"(9).

تعريفه:

مزدلفة: اسم للموضع الذي ينزل فيه الحجاج بعد دفعهم من عرفة؛ فيصلون فيه المغرب والعشاء جمعًا وقصرًا؛ ويبيتون فيه ليلة النحر إلى صباح اليوم التالي(10).

سبب التسمية:

اختلف أهل العلم في سبب تسمية "مزدلفة" بهذا الاسم، فقيل: سميت بذلك لازدلاف الناس إليها أو إلى منى؛ أي اقترابهم منها، وقيل: سميت بذلك لمجىء الناس إليها فى زُلف من الليل؛ أي: في ساعات من الليل، وقيل: سميت بذلك لأن الناس يدفعون منها زلفةً؛ أي: جميعًا، وقيل: سميت بذلك لأن الحجاج يزدلفون بها إلى الله تعالى؛ أي: يتقربون إليه بالوقوف فيها.

وتسمى "جمعًا" لاجتماع آدم وحواء، أو لاجتماع الناس بها، أو لجمع الصلاة بها(11).

موقعه وحدوده:

يقع مشعر مزدلفة بين مضيق عرفة وبداية وادى مُحّسر، ومبتدأ حد مزدلفة مما يلي منى؛ هو: ضفة وادي محسر الشرقية؛ ليكون الوادي المذكور فاصلاً بينها وبين منى، ومبتدأ حد مزدلفة مما يلي عرفات؛ هو: مفيض المأزمين مما يلي مزدلفة، هذا هو حد الطول، وأما حد مزدلفة العرضي: فما بين هذين الجبلين الكبيرين(12).

وصفه:

مشعر مزدلفة أرض واسعة بين جبال، وكان في السابق منطقة صحراوية، أما في عصرنا الحاضر فقد حظي باهتمام كبير ومشروعات تطويرية من حكومة المملكة العربية السعودية، حيث جاء في مقدمة ما قامت به الدولة توسعة المشعر الحرام وتهيئة مساحات المبيت في مزدلفة للحجاج وتزويدها بكل ما هو مطلوب من الخدمات والمرافق الطبية والصحية والمياه النقية والطرق والإنارة ودورات المياه والاتصالات والمراكز الإرشادية والأمنية وتنظيم أماكن المبيت فيه لتسهيل حركة المرور؛ إلى غير ذلك من الخدمات التي تغطي جميع مساحاتها(13).

مساحته:

تبلغ مساحة مشعر مزدلفة حوالي ( 9,63 كم2 )(14).

أبرز معالمه:

مسجد المشعر الحرام:

يقع هذا المسجد عند جبل (قُزح) على الطريق رقم (5)، وهذا المسجد لم يكن موجودًا على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم؛ بل كان جبلًا اعتادت العرب في حجها أن تُشَعِّر جمالها عنده" أي يضربها في سنامها حتى يسيل الدم منها".
وكان هذا المسجد في بداية القرن الثالث الهجري متواضع المساحة والبناء، ولم يكن مسقوفاً وله ستة أبواب، وفي العهد السعودي تمت توسعته لراحة ضيوف الرحمن بتكلفة 5 ملايين ريالاً.
وموضع هذا المسجد هو المذكور في قول الله تعالى: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} [البقرة: 198]، والنبي صلى الله عليه وسلم عندما حج -حجة الوداع- نزل عند قبلته؛ وقال: «وقفت هاهنا، وجمع كلها موقف»(15)، ويستحب للحاج الوقوف عنده للدعاء والذِّكر فجر يوم النحر(16).

تعريفه:

عَرَفات: اسم للموضع الذي يقف فيه الحجاج في اليوم التاسع من ذي الحجة؛ من زوال الشمس إلى غروبها(17).

سبب التسمية:

اختلف أهل العلم في سبب تسمية "عرفات" بهذا الاسم، فقيل: سمّيت بهذا الاسم لأن آدم وحواء عليهما السلام التقيا هناك بعد هبوطهما من السماء فتعارفا فيها، وقيل: لأن جبريل عليه السلام عرّف فيها إبراهيم عليه السلام المناسك، وقيل: لأن الناس يعترفون فيها بذنوبهم.

موقعه وحدوده:

يقع مشعر عرفات إلى الجنوب الشرقي من المسجد الحرام، ويحدّه مِن جهة الشمال الشرقي: جبل سعد، ويحدّه من الجهة الغربية: وادي عرنة، ويحدّه من الجهة الجنوبية: الجبال المقابلة للجبل الشمالي، ويحدّه من الجهة الشرقية: جبل سعد(18).

وصفه:

مشعر عرفات عبارة عن ميدان وفضاء واسع تحفّ به الجبال من الشرق والجنوب والشمال الشرقي، وكان في السابق في بعض أطرافه صخور وهضاب، وبه سقايات وحياض للإرواء، وفيه مزارع وخضر ودور حسنة لأهل مكة ينزلونها يوم عرفة، وليس في مشعر عرفات اليوم سكان ولا عمران إلا أيام الحج، وبعض منشآت للدولة.
وكغيره من المشاعر المقدسة فقد حظي مشعر عرفة باهتمام بالغ من حكومة المملكة العربية السعودية؛ فأقيمت فيه المشروعات التطويرية لراحة ضيوف الرحمن وتسهيل وقوفهم في هذا المشعر المقدس بأمن وأمان، فقامت بتوسعة ساحاته المختلفة وتزويدها بكل ما هو مطلوب لراحة الحجاج في هذا اليوم العظيم من الخدمات والمرافق الطبية والصحية والطرق المضاءة والفسيحة لسير المركبات العملاقة مع تهيئة بعض الطرق للمشاة.
كما قامت بزراعة الأشجار في ربوعه لتخفيف حرارة الشمس في يوم عرفة، كما قامت أيضًا بربطه بطرق سكة حديد حديثة لربطه بمشعري مزدلفة ومنى؛ حتى تسهل عملية تنقلات الحجاج بينها أثناء أداء مناسكهم بيسر وسهولة وطمأنينة، إضافة إلى توفير مواقف للسيارات بمساحة واسعة(19).

مساحته:

تبلغ مساحة مشعر عرفات حوالي ( 10,4 كم2 )(20).

أبرز معالمه:

في مشعر عرفات معالم عدّة، من أبرزها:
1- مسجد نَمِرة:
نمرة (بفتح النون وكسر الميم وسكونها) جبيل غرب المسجد؛ وبه يسمّى مسجد نمرة، وهذا المسجد مسجد كبير يقع على الحدود الغربية لعرفات في أول وادي عرفة، بُني في موضع خطبة وصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة ببطن وادي عرنة؛ في أول عهد الخلافة العباسية في منتصف القرن الثاني الهجري، وبطن الوادي ليس من عرفة، وبعد توسعات المسجد التي تمّت على مرّ التاريخ صار مقدمة المسجد خارج عرفات ومؤخرة المسجد في عرفات، وهناك لوحات إرشادية تشير إلى ذلك.
وقد تمت توسعة هذا المسجد وعمارته في العهد السعودي بتكلفة (237) مليون ريالاً، ويستوعب المسجد نحو (350) ألف مصلٍّ().
2- جبل الرحمة:
ويسمى إلال (على وزن هلال وبلال)، والنابت (لأنه كالنبتة في الأرض السهل)، والقُرين (بضم القاف)، وجبل عرفات أو عرفة، وهو جبل صغير يقع في شرق عرفات، يبلغ ارتفاعه (30) مترًا فقط، يتكوّن من حجارة صلدة كبيرة، وسطح هذا الجبل مستوٍ واسع يدور عليه حائط ساند، وفي منتصف الساحة دكة مرتفعة، وعلى طرفها علم إرشادي مربع من كل جهة، وبأسفل هذا الجبل مسجد الصخرات ومجرى عين زبيدة، ويحيطه في السهل رشاشات الماء في أعلاها أنابيب متحركة لرشّ الماء وقت الوقوف لتلطيف الجو ولتخفيف حرارة الشمس عن الواقفين عنده من الحجيج(21).

(1) معجم البلدان (5/ 198)، في رحاب البيت العتيق (330)، معجم معالم الحجاز (8/ 268)، معالم مكة لعلي الحازمي (245)، حدود المشاعر المقدسة (21).

(2) ينظر: أخبار مكة للفاكهي (4/246)، معجم البلدان (4/161).
(3) حدود المشاعر المقدسة (21).
(4) معجم البلدان (5/ 198)، حدود المشاعر المقدسة (19-20).
(5) حدود المشاعر المقدسة (21-22).
(6) سلسلة الأحاديث الصحيحة (5/ 37).
(7) تاريخ مكة قديمًا وحديثًا (104-109).
(8) تاريخ مكة قديمًا وحديثًا (109-112)، معالم مكة لعلي الحازمي (259)، موقع صحيفة عكاظ https://2u.pw/PMVXP.
(9) معجم البلدان (2/ 73)، معالم مكة (326).
(10) معجم معالم الحجاز (135)، معالم مكة (261).
(11)(2) شفاء الغرام (2/568)، تاريخ مكة قديمًا وحديثًا (113)، حدود مزدلفة (49-51)، في رحاب البيت العتيق (339).
(12) حدود المشاعر (52-65).
(13) مراصد الاطلاع على اسماء الامكنة والبقاع (3/ 1265)، معالم مكة (263-264).
(14) معالم مكة (264).
(15) رواه مسلم (1218).
(16) تاريخ مكة قديما وحديثا (114)، معالم مكة (265-267)، في رحاب البيت العتيق (340).
(17) يُنظر: العقد الثمين (1/ 272)، معالم مكة التأريخية والأثرية (ص: 182).
(18) تاريخ مكة قديما وحديثا (115)، حدود المشاعر المقدسة (104-122).
(19) معجم معالم الحجاز (75)، معالم مكة (273-274)، مكة والمدينة في الجاهلية وعهد الرسول صلى الله عليه وسلم (154)، حدود المشاعر المقدسة (80).
(20) تاريخ مكة قديما وحديثا (115).
(21) في رحاب البيت العتيق ص232-233، تاريخ مكة قديما وحديثا (117).
(22) تاريخ مكة قديما وحديثا (119)، فى رحاب البيت العتيق (ص: 229)، معجم معالم الحجاز (76-77).

© 2021 بوابة تعظيم البلد الحرام