تبرّع الأن

الناس في هذه الدنيا تختلف رغباتهم فيها بحسب ما رسموا لأنفسهم من أهداف، فذاك تستهويه الدنيا فيعبّ منها حتى الثمالة، وآخر ليس يعبأ بها البتة، فلا هو للدنيا طالب، ولا هو للآخرة راغب، وثالث يأخذ من الدنيا ما يكون سببًا في نيل الدرجات في الآخرة.

النفس شحيحة الطبع، تطمع في كل شيء، ولا يقنعها شيء، وهي أيضًا تؤثر  الدعة والسكون على الحركة والعمل والإيثار،  والمؤمن يتعالى على شهوات نفسه فيسمو بها إلى معالي القيم وجليل الغايات، وربنا –جل وعلا- يعلم أن التكليف أمر تحتاج النفس البشرية فيه إلى عون ودفع واستجاشة لتنهض به وتستجيب له؛ مهما يكن فيه من حكمة ونفع، حتى تقتنع به وترضى.

ومن هنا جاءت الشريعة الغراء بكبح جماح الأنانية ونبذ حب الذات، واستبدال ذلك بحب وإيثار الغير، ومن هذه التشريعات التي جاءت؛ إفطار الصائم، فما الثواب المترتب على هذا العمل الجليل؟

جاء في الأثر عن زيد بن خالد الجهني قال: قال صلى الله عليه وسلم : ((مَن فطَّر صائماً كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء))([1]).

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في شرحه على رياض الصالحين: (واختلف العلماء في معنى ((من فطر صائما)) فقيل: إن المراد من فطّره على أدنى ما يفطر به الصائم، ولو بتمره، وقال بعض العلماء: المراد بتفطيره أن يشبعه، لأن هذا هو الذي ينفع الصائم طول ليله، وربما يستغني عن السحور، لكن ظاهر الحديث أن الإنسان لو فطر صائمًا ولو بتمرة واحدة، فإن له أجره([2]) .أ.هـ

وإذا أراد الشخص الحصول على أجر تفطير الصائم فلا بد أن يكون أول ما يتناوله الصائم من طعامه أو شرابه حتى يصدق عليه أنه فطره، وهذا الثواب يحصل لكل من فطر صائمًا، ولا يشترط أن يكون الصائم فقيرًا، لأن هذا ليس من باب الصدقة؛ وإنما هو من باب الهدية، فهي إذًا تصح للغني والفقير.

أخي ..... رمضان شهر كريم, ومن شأنه أنه يضفي على صيامه بجوه الروحاني الشفاف سماته الجميلة الجليلة, ومنها صفة إكرام الضيف، وهي عادة أصيلة من عادات مجتمعنا الطيب, تتوافق مع روح الإسلام الذي جعل الضيافة حقًا للضيف على المضيف, ففي الحديث الصحيح:  ((ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه)) ([3]). وإن إكرام الضيوف من مكارم الأخلاق التي يدعو إليها ديننا الذي جاء ليعزز شأنها وينشرها في البشرية, ويوثق علائقها, فأي غربة ستبقي للغريب حين يشعر وهو في طريقه إلى هذه البلاد أن له بيوتاً سوف يأوي إليها وكأنها ملك له وأن له أهلاً سوف يأنس بهم وكأنهم أهله, فيشعر حينئذ بالأمن والاطمئنان؟!

أخي الصائم .. إن مما ينبغي أن يستقر في نفوس المؤمنين أنّ علاقة المضيف بضيفه هي علاقة عبادة, ولاسيما حينما يكون تفطير صائم أو تسحيره، فليست ضيافته تطبيقًا لعرفٍ من الأعراف ولا جريًا لعادة اجتماعية سائدة؛ وإنما هي عبادة من العبادات العظيمة، يؤديها ليؤجر عليها، ولذلك ينبغي أن يرعى فيها حقوق الله تعالى, وأن يجتهد في إكرام ضيفه قدر طاقته؛ ويتجمّل معه حسب استطاعته, فلا داعي أن يستدين ويرهق نفسه وأولاده من أجل أن يظهر أمام الضيف بغير حقيقته, أو من أجل ألا يعاب من عشيرته، فإن مثل هذا البلاء قد استشرى, وإن جريرة الديون على المعسرين أعظم خطراً من حديث الناس الوقتي الذي يذهب مع الزمن، وعلى الضيف أن يعذر صاحبه، وألا يحمّله أكثر من طاقته, فلا يحقرن كل منهما شيئاً مهما قل؛ ولو كان مذقة لبن أو كأس عصير, فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها:

إذا الضيف جاءك فابسم له

وقرب إليه وشيك القرى

ولا تحقر المزدرى في العيون

فكم نفع الهين المزدرى

والسباق بين المؤمنين سباقٌ محمومٌ على قدم وساق لنيل رضا الله والجنة، فكان مما نُقل إلينا أن أول من فطّر جيرانه في شهر رمضان؛ عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب، وهو أول من حمل الطعام على رؤوس الناس لكثرته، وأول من أنهبه وجوه البر([4]).

ويحكي ابن بطوطة رحمه الله حال أهل مكة في زمنه فيقول: (ولأهل مكة الأفعال الجميلة التامة والأخلاق الحسنة، والإيثار إلى الضعفاء والمنقطعين، وحسن الجوار للغرباء، ومن مكارمهم أنهم متى صنع أحدهم وليمة يبدأ فيها بإطعام الفقراء والمنقطعين المجاورين، ويستدعيهم بتلطف ورفق وحسن خلق، ثم يطعمهم، وأكثر المساكين المنقطعين يكونون بالأفران، حيث يطبخ الناس أخبازهم، فإذا طبخ أحدهم خبزه واحتمله إلى منـزله، فيتبعه المساكين فيعطي لكل واحد منهم ما قسم له، ولا يردهم خائبين، ولو كانت له خبزة واحدة فإنه يعطي ثلثها أو نصفها طيب النفس بذلك من ضجر)([5]).

(وكان كثير من السلف يؤثر بفطوره وهو صائم ويُصبح صائماً، منهم: عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وداود الطائي، وعبد العزيز بن سليمان، ومالك بن دينار، وأحمد بن حنبل وغيرهم. وكان ابن عمر لا يفطر إلا مع اليتامى والمساكين، وربما علم أن أهله قد ردوهم عنه فلم يفطر في تلك الليلة، ومنهم من كان لا يأكل إلا مع ضيف له، قال أبو السوار العدوي: كان رجال من بني عدي يصلون في هذا المسجد، ما أفطر أحد منهم على طعام قط وحده، إن وجد من يأكل معه أكل، وإلا أخرج طعامه إلى المسجد فأكله مع الناس، وأكل الناس معه.

وكان منهم من يطعم إخوانه الطعام وهو صائم، ويجلس يخدمهم ويروحهم منهم الحسن وابن المبارك، وكان ابن المبارك ربما يشتهي الشيء فلا يصنعه إلا لضيف ينزل به فيأكله مع ضيفه، وكان كثير منهم يفضل إطعام الإخوان على الصدقة على المساكين، ولا سيما إن كان الإخوان لا يجدون مثل ذلك الطعام، وكان بعضهم يعمل الأطعمة الفاخرة ثم يطعمها إخوانه الفقراء، ويقول: إنهم لا يجدونها، وبعضهم يصنع له طعاماً ولا يأكل، ويقول: إني لا أشتهيه، وإنما صنعته لأجلكم. وبعضهم اتخذ حلاوة فأطعمها المعتوه، فقال له أهله: إن هذا لا يدري!. فقال: لكن الله يدري.

واشتهى الربيع بن خيثم حلواء، فلما صنعت له دعا بالفقراء فأكلوا، فقال له أهله: أتعبتنا ولم تأكل!. فقال: ومن أكله غيري!. وقال آخر منهم وجرى له نحو من ذلك: إذا أكلته كان في الحش([6])، وإذا أطعمته كان عند الله مذخوراً، وروي عن علي قال: لأن أجمع أناساً من إخواني على صاع من طعام، أحب إليّ من أن أدخل سوقكم هذا فأبتاع نسمةً فأعتقها. وعن أبي جعفر محمد بن علي قال: لأن أدعو عشرة من أصحابي فأطعمهم طعاماً يشتهونه أحب إلي من أن أعتق عشرة من ولد إسماعيل)([7]). فرمضان ميدان السباق، الرابح فيه رابح والخاسر فيه خاسر.

قال ابن الجوزي رحمه الله: (ومازال إطعام الناس في الجاهلية وفي الإسلام، وكانت الخلفاء تقيمه ولا يكلفون أحداً من ماله شيئاً، وكان معاوية قد اشترى داراً بمكة وسمّاها دار المراجل، وجعل فيها قدوراً، ورسم لهم من ماله، فكانت الجزر والغنم تنحر وتطبخ فيها ويطعم الحاج أيام الموسم، ثم يفعل ذلك في شهر رمضان)([8]).

فعبادة إطعام الطعام، ينشأ عنها عبادات كثيرة منها: التودد والتحبب إلى المُطعَمين فيكون ذلك سبباً في دخول الجنة: كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا))([9]) .

والمسلم لا تلهية الموائد ولا الأطعمة عن دعوةٍ مخلصة يلهج بها لسانه عند فطره ليحظى بإجابةٍ من الله تعالى له كريمة، قال صلى الله عليه وسلم: ((ثلاثُ دَعَواتٍ مُستجاباتٍ: دعوةُ الصائِمِ، ودعوةُ المظلُومِ، ودعوةُ المسافِر))([10]). حتى إذا ما حانت ساعة الإفطار وأذّن المؤذن قال ما ورد: ((ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله))([11]).

قبل سنوات قريبة يحكي الكردي في تاريخه عادة أهل مكة في شهر رمضان في عهده فيقول: (أنهم يفطرون في المسجد الحرام، عند أذان المغرب، إنه خير إفطار وأجمل إفطار على وجه الأرض، وهذه البقعة المباركة، فإن الناس قبيل المغرب يجلسون آلافاً مؤلّفة في المسجد الحرام حول الكعبة المشرّفة، يحيطون بها إحاطة السوار بالمعصم، من جهاتها الأربع، في انتظار مدفع الإفطار، وهم مشغولون بالذكر والتسبيح، ناظرين إلى بيت الله الحرام والطائفين حوله، في إيمان واطمئنان وخشوع وخضوع، أمام كل واحد منهم دورق مليء بماء زمزم المعطّر، المبخّر مع قليل من  التمر، فإذا ضرب مدفع الإفطار تناولوا التمر وشربوا من ماء زمزم، ثم تقام الصلاة فيصلّون جماعة متوجّهين إلى الكعبة المشرفة قبلة المسلمين، وبعد الصلاة ينتشرون في الأرض، فيذهب كل واحد منهم إلى منـزله ليفطر مع أهله وأولاده، هذا المنظر البديع للإفطار في المسجد الحرام، عند الكعبة المشرفة، هو منظر وحيد فريد لا مثيل له في الدنيا)([12])، هذا في زمنه فكيف لو رأى الناس والحرم بتوسعته في زماننا؟! فإذا أفطروا أنشد بعضهم الأشعار وتضاحكوا فيما بينهم، ومن لطيف ما ينقل أن البعض يصف الحلوى في رمضان فيقول:

وقطائف مقرونة بكنافة

من فوقهن السكر المدرور

هاتيك تطربني بنظم رائق

ويروقني من هذه المنشور

ويقول آخر:

غدت الكنافة بالقطائف تسخر

وتقول إني بالفضيلة أجد

طويت محاسنها لنشر محاسني

كم بين ما يطوي وآخر ينشر

فحلاوتي تبدو وتلك خفية

وكذا الحلاوة في البوادي أشهر([13])

ثم... لعلنا نجد ذلك الإسراف الوبيل يتضاعف في ولائم شهر رمضان الكريم, حيث تعرض عشرات الأصناف بكميات كبيرة، وربما انتقل إلى طبعٍ دائم في البيوت, فيستأصل كالمرض الذي لا يجدون فكاكًا منه، وربنا يقول: ( ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ)   (الأعراف:31).

لقد أصبح رمضان في أذهان كثيرٍ من الناس – بل في تطبيقاتهم العملية كذلك – مقترناً بالشَّرَه والإسراف، والصائم بعيدٌ عنهما، أما بُعده عن الشّره؛ فلأن الشّره والشهوة أخوان، وإنما افترض الله رمضان على المسلمين ليضيقوا على الشهوة مساربها، ويضيعوا على النفس الأمارة مآربها، فمن هنا كان الصائم بعيداً عن الشّره، وأما بُعده عن الإسراف، فلأن الله لا يحبّ المسرفين، ولكنه يحبّ الصائمين. قال أبو حامد الغزالي رحمه الله: (لا يستكثر الصائم من الطعام الحلال وقت الإفطار، بحيث يمتلئ جوفه، فما من وعاء أبغض إلى الله عز وجل من بطن ملئ  من حلال، وكيف يستفاد من الصوم قهر عدو الله وكسر الشهوة، إذا تدارك الصائم عند فطره ما فاته صحوة نهاره)([14]).

(ومن أجل هذا يتحتم على الصائمين أن يوازنوا في هذا الشهر الكريم المبارك؛ وأن يقارنوا بين الملذات الروحية والملذات الجسدية، ولتكن الأولى في حياتهم أكثر نصيباً، ذلك لأن تغليب لذة الجسم إنما يكون على حساب لذة الروح)([15]).

                وأخيرًا.... ما أجمل ليالي رمضان؛ وما أندى أحاديثها إذا تجالس الأحباب؛ ونثروا بينهم ورود الود؛ وتهادوا رياحين الكلام، ينتقون أطايبه كما ينتقى أطايب التمر؛ كما يقول الفاروق رضي الله عنه([16]), صفت أرواحهم بالصيام؛ وطهرت ألسنتهم بالذكر والسلام؛ واغتسلت جوارحهم بطول القيام؛ وتلاقوا كما تتلاقى الغصون في موسم الربيع، ليس بينهم صخاب ولا سباب، ولا تشوى بينهم أعراض الخلائق, بل تتجاذبهم مشاعر الأشقاء، فينصح بعضهم بعضًا، ويدل أحدهم أخاه على ما يصلح آخرته ودنياه, فإذا بالمنافع تجنى كما تجنى الثمرات, وإذا المحبة تطفح على الوجوه بالضحكات والبسمات .

وما أحسن أن يتوِّج الضيفُ المضيفَ عند فراغه بالدعاء له فيقول كما جاء في الأثر: ((أفطر عندكم الصائمون وصلت عليكم الملائكة وأكل طعامكم الأبرار))([17]). وقد قاله صلى الله عليه وسلم لسعد رضي الله عنه حينما أفطر عنده، وهذا أيسر عربون يؤديه الضيف إزاء كرم مُضيفه.

([1]) رواه الترمذي (807) وابن ماجه (1746) وصححه ابن حبان (8 / 216) والألباني في "صحيح الجامع" (6415).

([2]) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: والمراد بتفطيره أن يشبعه. ا.هـ. وقال المناوي: (من فطر صائماً) بعشائه وكذا بتمر فإن لم يتيسر فبماء، وقال ابن علان: أي ولو بالماء، وجاء: من فطر صائماً أي قدم له شيئاً يفطر عليه ولو تمرة أو شربة ماء، قال المباركفوري: قوله (من فطر صائماً): قال ابن الملك: التفطير جعل أحد مفطرا أي من أطعم صائماً. قال القاري: أي عند إفطاره، انظر: الاختيارات الفقهية لابن تيمية ص 194، وتحفة الأحوذي (3/533)، ودليل الفالحين (4/69)، نزهة المتقين (2/890).

([3]) رواه البخاري في الأدب باب: من كان يؤمن بالله واليوم (6018)، ومسلم في الإيمان، باب: الحث على إكرام الجار (47).

([4]) صبح الأعشى (1/491).

([5]) التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم (6/264).

([6]) والحَشُّ والحُشُّ أيضاً: المخرج، لأنَّهم كانوا يَقضون حوائجَهم في البساتين. والجمع حُشوشٌ. والمَحَشَّةُ بالفتح: الدُبُرُ. انظر: الصحاح في اللغة للجوهري مادة (حشش).

([7]) شرح حديث اختصام الملأ الأعلى لابن رجب (ص23-24).

([8]) مثير العزم الساكن (2/55).

([9]) رواه مسلم (54).

([10]) رواه الطبراني (1313)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (3030).

([11]) رواه أبو داود في الصوم، باب: القول عند الإفطار (2357)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (2066) وانظر الجامع لأحكام القرآن (2/331).

([12]) التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم (6/276).

([13]) رمضان عبر التاريخ لعبد الله حمد الحقيل (ص111).

([14]) إحياء علوم الدين (1/352) بتصرف، وانظر الآداب الشرعية لابن مفلح (3/335).

([15]) التبيان والإتحاف في أحكام الصيام والاعتكاف للدكتور فضل حسن عباس (ص45).

([16]) مدارج السالكين (2/281).

([17]) رواه الإمام أحمد في المسند (3/118)، وابن أبي شيبة (3/100)، وعبد الرزاق (4/311)، وصححه ابن حبان في صحيحه (الإحسان 12/107).

Total6445372
زوار الموقع
المملكة العربية السعودية – مكة المكرمة ـ مخطط الحمراء الإضافي ـ النزهة الغربية الطريق الدائري ـ بجوار جامع السلام وملعب الكابتن ماجد
ص ب : 57571 الرمز البريدي : 21955

 

واتس آب : 00966506602821
5460608 - مفتاح المنطقة 012
5390101 مفتاح المنطقة 012
© 2025 بوابة تعظيم البلد الحرام