تبرّع الأن

عن أبي سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرحمن بنِ عوف، قال: انطلقتُ إلى أبي سعيد الخدري رضي الله عنه فقلتُ: ألا تخرجْ بنا إلى النخل نتحدثُ. فخرج، فقلت: حدِّثْني ما سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة القدر. قال: اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم عَشْرَ الأُوَلِ من رمضانَ واعتكفْنا معه، فأتاه جبريلُ، فقال: (إن الذي تطلبُ أمامَك).

فاعتكف العشرَ الأوسَطَ، فاعتكفْنا معه، فأتاه جبريلُ، فقال: (إن الذي تطلبُ أمامَك).

فقام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبًا صبيحةَ عشرين من رمضانَ، فقال: (من كان اعتكف مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فلْيرجعْ؛ فإني أُرِيتُ ليلةَ القدر، وإني نَسِيتُها، وإنها في العشر الأواخر في وترٍ، وإني رأيت كأنِّي أسجدُ في طينٍ وماءٍ).

وكان سقفُ المسجدِ جريدَ النخْلِ، وما نرى في السماء شيئًا، فجاءت قَزَعَةٌ، فأُمْطِرنا، فصلى بنا النبيُّ صلى الله عليه وسلم حتى رأيتُ أَثَرَ الطينِ والماءِ على جبهةِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وأَرْنَبَتُه تصديقَ رؤياه([1]).

إنها الليلة العظيمة القدر عند الله سبحانه، حتى فخم أمرها في كتابه جاعلاً العبادة فيها خيرًا من عبادة ألف شهر.

ليلة القدر في القرآن:

- قال الله تعالى: ﴿حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِين (2) إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِين (3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيم﴾ [الدخان: 1-4].

- وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْر (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْر (3) تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْر (4) سَلاَمٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْر﴾ [القدر: 1-5].

قال البغوي: ﴿إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ يعني القرآنَ، كناية عن غير مذكور، أنزله جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى السماءِ الدنيا، فوضعه في بيت العِزة، ثم كان ينزل به جبريلُ u نجومًا في عشرين سنة. ثم عجَّب نبيه فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ سُمِّيتْ ليلةَ القدرِ لأنها ليلةُ تقديرِ الأمورِ والأحكامِ، يُقَدِّرُ اللهُ فيها أمرَ السنةِ في عبادِه وبلادِه إلى السنة المقبلة([2]).

لئن كان الزمان يتبارك بحلول شهر رمضان، والمكان يتبارك بدخول الحرم واجتيازِ حدودِه دخولاً إليه؛ فإن تلك الفضائل تجتمع وزيادة حين تحين ليلةٌ تَعْدِلُ العبادةُ فيها عبادةَ ما يزيد عن ثلاثةٍ وثمانين عامًا وأنت بمكة، فإذا أدركك ذلك الزمان وأنت فيها فقد تقرَّب إليك الخير، وتزاحمت عليك الفضائل، فما هو إلا الانطراح بين يدي الله تعالى.

ليلة القدر في السنة المطهرة:

- عن أنسِ بنِ مالكٍ t قال: دخل رمضان، فقال رسول الله r: (إن هذا الشهر قد حضرَكم وفيه ليلةٌ خيرٌ من ألفِ شهرٍ، مَنْ حُرِمَهَا فقد حُرِمَ الخيرَ كلَّه ولا يُحْرمُ خيرَها إلا محرومٌ)([3]).

- وعن أبي هريرة t أنّ رسول الله r قال: (من صامَ رمضانَ إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدّم من ذنبه)([4]).

- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي r إذا دخل العشر شَدَّ مِئْزَرَهُ، وأحيا ليلَه، وأيقظ أهلَه([5]).

قال ابن حجر: المراد: شد مِئْزرَه حقيقةً، فلم يَحُلَّه واعتزل النساء وشمَّر للعبادة([6]).

- وعن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي r في ليلة القدر: (ليلةٌ طَلْقةٌ، لا حارة ولا باردة، تصبح الشمس يومَها حمراءَ ضعيفةً)([7]).

إن السعادة كلها تنزل بمن وفقه الله لقيام ليلة القدر، إذ صح الخبر عن الصادق المصدوق - كما تقدم - أن من وفق لقيامها غفر له ما تقدم من ذنبه. نسأل الله من فضله.

نماذج عملية:

عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله: أرأيتَ إن علمتُ أيَّ ليلةٍ ليلةَ القدر، ما أقول فيها؟ قال: قولي: (اللهم إنك عفوٌ تحب العفو فاعف عني)([8]).

إذا دخل شهر رمضان على عباد الله أظمأوا نهارهم، وأحيوا ليلهم، لكنهم إذا دخلت عليهم العشر الأخيرة لم يكن لهم بد من زيادة العمل وإحياء الليل، فلو رأيت أحدهم حين يسجد في تهجده في لحظات السحر الأعلى في تلك الليالي الفاضلة التي يطلب فيها التوفيق لليلة القدر= وهو يناجي ربه ويذرف دمعه باكيًا عليه ملحًا في دعائه أن يكون من الموفقين لها. فما إن يرفع رأسه إلا ودموعه تبلل خدَّه وهو يحسن الظَّن بربِّه أنَّه من أولئك الموفقين المقبولين.

([1]) أخرجه البخاري (813)، ومسلم (1067).

([2]) تفسير البغوي (8 / 482).

([3]) أخرجه ابن ماجه (1634)،وحسنه الألباني في مشكاة المصابيح (1964).

([4]) أخرجه البخاري (35)، ومسلم (759).

([5]) رواه البخاري (2024) ومسلم (1174).

([6]) فتح الباري (4/269).

([7]) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه (3/331) وصححه الألباني في صحيح الجامع (5475).

([8]) صححه الترمذي (3513) والحاكم (1/530).

إن من السعادة والحبور أن يعيش المرء في هذه الأجواء الإيمانية بين شرف الزمان والمكان، فقد اختار الله عز وجل "أم القرى" لتكون مهوى الأفئدة، وقبلة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها؛ لفضلها ومكانتها، والله يخلق ما يشاء ويختار.

أداء الصلاة في بلد الله الحرام يصل لك الحاضر بالماضي عبر حقب وأزمان؛ فهذه البقاع المباركة تحتفظ بجوهر شخصيتها منذ عرفها التاريخ، فلسنا نراها اليوم إلا كما رآها آباءٌ لنا وأجداد على تنائي الزمان، فهنيئا لسكان البلد الحرام تعظيم هذه البقعة الطاهرة في هذا الشهر الكريم بأداء ما افترضه الله عليهم.

إن أفضل الطاعات في الإسلام مطلقًا الصلاة، فهي عمود الدين وأسّه، وهي قرة العين، وهي الصلة بين العبد وربه، وهي أعظم ما يجلب الأجور ويأتي بالحسنات، بل ويمحو السيئات، جعلها الله قرّةً للعيون، ومفزعًا للمحزون، هي سرُّ النجاح وأصلُ الفلاح، وأوّلُ ما يحاسب عليه العبدُ يومَ القيامة، فإن صلَحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسَدت فقد خاب وخسِر. المحافظةُ عليها عنوان الصِدق والإيمان، والتهاون بها علامةُ الخذلان والخُسران. طريقُها معلوم، وسبيلُها مرسوم، من حافظ عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاةً يوم القيامة؛ لهذه المنزلة والمكانة امتنّ الله على عباده المؤمنين في بلده الكريم بمضاعفتها، وهذا من أجلّ النعم؛ لأنها من أكثر الفرائض تكرارًا في اليوم والليلة ممّا يساعد في نيل الأجور وازديادها، فاغتنموا يا سكان بلده الحرام هذه المنة الربانية والمنحة الإلهية.

وقد ثبت في السنة الصحيحة أن الصلاة تضاعف في بلد الله الحرام بمئة ألف صلاة فيما سواه.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام»([1]).

فهذا الحديث يدل على أن الصلاة بمسجده صلى الله عليه وسلم أفضل من الصلاة في سائر المساجد بألف صلاة ما عدا المسجد الحرام([2])، وهذا فضل عظيم من ربنا تبارك وتعالى.

فيا سعادة من جاور البيت العتيق وحافظ على الصلوات في الجمع والجماعات، فالصلاة رأس القربات، وغرة الطاعات، وهذه المضاعفة المذكورة في الحديث تشمل الصلوات مطلقا الفرائض والنوافل؛ لأن ظاهر الحديث لم يفرق بين النافلة والفريضة.

قال العراقي رحمه الله: (ظاهر الحديث أنه لا فرق في تضعيف الصلاة بين الفرض والنفل)([3]).

وهذا خير عظيم ينبغي اغتنامه هذه الأيام في صلاة التراويح.

وممّا يزيد في إثبات هذه المسألة – مضاعفة الصلوات - ما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة اشتكت شكوى, فقالت: إن شفاني الله لأخرجن فلأصلين في بيت المقدس, فبرأت, ثم تجهزت تريد الخروج, فجاءت ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم تسلم عليها, فأخبرتها ذلك, فقالت: اجلسي، فكلي ما صنعت, وصلّي في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم, فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «صلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد, إلا مسجد الكعبة»([4]).

هذا الحديث يؤكد معنى الحديث السابق الدال على مضاعفة الصلوات في أم القرى، ومسجد الكعبة المراد به جميع الحرم كما قال ابن حجر([5]).

وهذا مثل قوله تعالى: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} (المائدة: 95) فإن المراد بالآية وصوله إلى الحرم([6]).

عن المسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم – في حديث الحديبية – قالا: (وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في الحرم وهو مضطرب في الحل).

وهذا يبيّن لك حرصه عليه الصلاة والسلام على هذا الأجر العظيم، وفي الخبر دلالة واضحة على أن مضاعفة الصلاة بمكة تتعلق بجميع الحرم, لا يخص بها المسجد الذي هو مكان الطواف([7]).

ومعنى مضطرب الحل: أي أن الحديبية بعضها من الحل وبعضها من الحرم، فكان عليه الصلاة والسلام إذا دخل وقت الصلاة انتقل من الحل إلى الحرم([8]).

وقد ثبت عن بعض السلف ما يدل على أن الصلاة تضاعف في جميع الحرم.

قال مجاهد رحمه الله: (رأيت عبد الله بن عمرو بن العاص بعرفة ومنزله في الحل, ومصلاه في الحرم, فقيل له: لم تفعل هذا؟ فقال: لأن العمل فيه أفضل)([9]).

وقال عطاء بن أبي رباح رحمه الله :(المسجد الحرام ما أحاطت به حدود الحرم)([10]).

في هذه الأحاديث دلالة واضحة على ما أكرم الله به –هذه البقعة الطاهرة – من مضاعفة الأجور، فالصلاة في أم القرى تساوي في الأجر مائة ألف صلاة، فما أعظمها من نعمة!

وما أجلها من عطية على كل من أدّى الصلاة في هذا البلد الأمين!

لذا ينبغي لمن وفَّقه الله لمجاورة بيته الكريم أن لا يفرِّط في هذه النعمة العظيمة بترك الصلاة مطلقا, أو التهاون فيها، أو التفريط في هذا الأجر؛ فإن هذا من أعظم قيم التعظيم في هذا البلد العتيق، "وما تقرب إليّ عبدي بأعظم مما افترضته عليه".

لقد ضرب سلفنا الصالح أروع الأمثلة في اغتنام هذا الأجر العظيم، فمن ذلك ما ورد عن قيس بن عاصم الثقفي قال: قلت: لسعيد بن المسيب لو خرجت مع قومك. فقال: (معاذ الله أن أترك خمسا وعشرين ومائة صلاة إلى خمس صلوات)([11]).

فابن المسيب اغتنم هذا الفضل، وقدّره حق قدره، وإن كلفه ذلك البعد عن قومه.

وكان أبو بكر بن عبد الرزاق المالكي كثير الخير والصلاح والورع، مجتهدًا في العبادة بحيث يستغرق فيها أوقاته، جاور بمكة بضعًا وعشرين سنة، ملازمًا للصلاة والطواف والصيام([12]).

وقال أبو بكر النقاش رحمه الله: (فحسبت ذلك على هذه الرواية، فبلغت صلاة واحدة في المسجد الحرام عُمْر خمس وخمسين سنة وستة أشهر وعشرين ليلة، وصلاة يوم وليلة في المسجد الحرام وهي خمس صلوات عُمْر مئتي سنة وسبعين سنة وسبعة أشهر وعشر ليالٍ)([13]).

ما أعظم هذا الأجر الذي امتنّ الله به على جيران بيت الله! فيا باغي الخير أقبل في هذا الشهر الكريم، واغتنم هذه الفرصة بأداء الفرائض والإكثار من النوافل وصلاة التراويح مع جموع المصلين، فإن في ذلك تكثير الحسنات، فالصلاة الواحدة في هذه البلدة المباركة تعدل أكثر من خمسين سنة، فبادروا.. وسارعوا قبل فوات الأوان.. وفقنا الله وإياكم لكل خير، ورزقنا حسن العمل.

([1])  أخرجه البخاري رقم: (1190)، ومسلم رقم: (1394).

([2])  شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام للفاسي (1/154- 155) بتصرف.

([3])  طرح التثريب (6/52)، و انظر: فتح الباري (3/82).

([4])  أخرجه مسلم رقم: (1396).

([5])  فتح الباري (3/64).

([6])  انظر: تفسير ابن كثير (3/194).

([7])  زاد المعاد لابن القيم (3 / 33 ).

([8])  المصدر السابق.

([9])  المصنف لعبد الرزاق (5/28).

([10])  أخبار مكة للفاكهي (2/106), وانظر: مسند الطيالسي رقم (1464).

([11])  الفتن لنعيم بن حماد المروزي (1/242).

([12])  العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين للفاسي (8/30).

([13]) مثير العزم الساكن لابن الجوزي (1/359) وانظر: شفاء الغرام للفاسي (1/171).

الناس في هذه الدنيا تختلف رغباتهم فيها بحسب ما رسموا لأنفسهم من أهداف، فذاك تستهويه الدنيا فيعبّ منها حتى الثمالة، وآخر ليس يعبأ بها البتة، فلا هو للدنيا طالب، ولا هو للآخرة راغب، وثالث يأخذ من الدنيا ما يكون سببًا في نيل الدرجات في الآخرة.

ولا شك أن المال – كما قال النبي صلى الله عليه وسلم-((حلوة خضرة))([1]) لا يكاد يكتفي منه امرؤ ويشبع إلا ما ندر، حتى لو قُدر أن له وادٍ من ذهب لتمنى - طمعًا - في آخر، ولن يملأ فاه إلاّ التراب، ويتوب الله على من تاب([2]). بيد أن الله تعالى جعل لباذله في سبيله أوفى الدرجات، ليستأثر المسلم حب الله تعالى على كل شيء ﭽ ﯣ  ﯤ  ﯥ  ﯦ  ﯧ  ﯨ  ﯩ ﭼ ورغب فيه ليكرمه  ﭽ ﯪ  ﯫ  ﯬ   ﯭ ﭼ  (البقرة: ٢٤٥).

والنفس البشرية ضعيفة شحيحة، إلا من عصم الله، ولا تطهر من هذا الشح إلا أن تعمر بالإيمان، وترتفع على ضرورات الأرض، وتنطلق من قيود الحرص على النفع القريب، لأنها تؤمل في خلْف أعظم، وتؤمل في رضوان من الله أكبر ﭽ ﯼ   ﯽ  ﯾ  ﯿ  ﰀ  ﰁﰂ  ﰃ  ﰄ& ﰅ  ﭼ (سبأ: ٣٩).

وحين يصبح المال في اليد لا في القلب؛ فإن مالكه يتصرف فيه كيف يشاء، ولن يضنّ به أبدًا في أيّ وجه من وجوه الخير، ولكن الرزيّة كلّ الرزية، أن يصبح حب المال مركوزًا في القلب، ويصعب عليه حينها إخراج ما أوجبه الله عليه من حق الزكاة أو الصدقة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد قد اضطرت أيديهما إلى ثديهما وتراقيهما، فجعل المتصدق كلما تصدق بصدقة انبسطت عنه حتى تغشى أنامله وتعفو أثره، وجعل البخيل كلما همّ بصدقة قلصت وأخذت كل حلقة بمكانها))([3]). فحين يقفر القلب من الإيمان الصحيح، فالشح الفطري يهيج في نفسه كلما دعي إلى نفقه أو صدقة، والخوف من الفقر يتراءى له فيقعد به عن البذل، ثم يبقى سجين شحه وخوفه بلا أمن ولا قرار.

والناس كثيرًا ما يخوضون في الملهيات وربنا يرشدنا فيقول: ﭽ  ﭒ    ﭓ  ﭔ  ﭕ  ﭖ  ﭗ  ﭘ  ﭙ  ﭚ   ﭛ    ﭜ  ﭝ  ﭞ  ﭟ  ﭠ  ﭡﭢ  ﭣ  ﭤ  ﭥ   ﭦ  ﭧ  ﭨ  ﭩ  ﭪ  ﭫ  ﭬ  ﭭ  ﭼ (النساء: ١١٤) فمتى يعلم المنفق بأن البر يستعبد الحر؟ وأن الصدقة له كنز يدّخره لعقباه؟ وأن لكل امرىء من دنياه ما يعينه على عمارة أخراه؟ ومتى نستيقن بأن الصدقة صداق الجنة؟

أنفق ولا تخش إقلالاً فقد قُسمت

على العباد من الرحمن أرزاق

لا ينفع البخل مع دنيا مولية

ولا يضر مع الإقبال إنفاق

صح عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: ((الأكثرون هم الأسفلون يوم القيامة إلا من قال بالمال هكذا وهكذا وكسبه من طيب))([4]) وفي رواية: ((ويل للمكثرين إلا بمن قال بالمال هكذا وهكذا))([5]) والمكثرون هم الأغنياء ذوي المال الكثير.

وقد ضرب نبينا عليه الصلاة والسلام أروع الأمثلة في الصدقة، فها هو يبين منهجه فيها فيقول: (( ما يسرني أن عندي مثل أحد هذا ذهبا تمضي علي ثالثة، وعندي منه دينار إلا شيئًا أرصده لدين، إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا عن يمينه وعن شماله ومن خلفه ))([6]) ويتأكد جوده في رمضان خاصة، يروي ابن عباس رضي الله عنهما ذلك فيقول: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة))([7])، ولم يكن الأمر منه عليه السلام ادعاءً، بل هو واقع عمليّ جليّ، فقد ((سأله رجل فأعطاه غنمًا بين جبلين فأتى الرجل قومه فقال: يا قوم أسلموا فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر))([8]). فما بقاء المال بين حوائج الإنسان؛ وحوائج الزمان؟ ومتى ندرك أن الدرهم أنفذ الرسائل؛ وأنفع الوسائل؛ وأنجح المسائل؟ وأن من ثمرة الإحسان؛ كثرة الإخوان؟

وكيف لا يجود المسلم وهو يعلم أنه سيكون في ظل صدقته يوم القيامة؟ يوم تدنو الشمس من رؤوس الخلائق قدر ميل([9])، فيبلغ منهم العرق مبلغه، كلٌ بقدر ما قدّم، قال عليه السلام: ((وكل امريء في ظل صدقته حتى يقضى بين الناس))([10])، ولا ريب أن لكل إنسان هنات وخطايا تستوجب العقوبة وغضب الجبار، فإذا آثر التصدق والإنفاق دخل في كنف قوله عليه الصلاة والسلام: ((والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار)) ([11]) و((صدقة السر تطفئ غضب الرب))([12]).

إن الصدقات في رمضان لها عدة خصوصيات: منها شرف الزمان والمكان؛ وخاصة إذا كانت في مكة، وكذا مضاعفة أجر العامل فيه. ومنها: إعانة الصائمين والقائمين والذاكرين على طاعتهم لله تعالى، فيستوجب المعين لهم مثل أجرهم: قَالَ صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا))([13]).

والجمع بين الصيام والصدقة من موجبات الجنة، كما جاء بالحديث، ((إن في الجنة غرفة يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها أعدها الله لمن أطعم الطعام وألان الكلام وتابع الصيام وصلى والناس نيام))([14]). وأيضًا: فإن الصدقة تجبر ما في الصيام من الخلل، ولهذا وجب في آخر رمضان زكاة الفطر، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: (فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ، مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنْ الصَّدَقَاتِ)([15]) قال عبد العزيز بن عمير: "الصلاة تبلغك نصف الطريق، والصوم يبلغك باب الملك، والصدقة تدخلك عليه"([16]).

الصدقات سببٌ في دفَع الأمراضَ عن المتصدّق وأهلِ بيته، وتمنَع ميتةَ السّوء والآفات، قال عليه السلام: ((داوُوا مرضَاكم بالصّدقة))([17])، وقال: ((صنائعُ المعروف تقِي مصارعَ السوء والآفاتِ والهَلَكات))([18]). قال ابن أبي الجعد: "إن الصدقة تدفع سبعين باباً من السوء"([19]).

والمنفق المكثر يوقن بجزيل عطاء الله له فتتوق نفسه طمعًا فيما أعده له في الآخرة، قال رجل للحسن: "إني أكره الموت فقال الحسن: ذاك أنك أخرت مالك، ولو قدمته لسرك أن تلحق به"([20]). وعوتب سهل بن عبد الله المروزي في كثرة الصدقة فقال: "لو أن رجلا أراد أن ينتقل من دار إلى دار أكان يبقي في الأولى شيئًا؟"([21]).

في الناس صائم لا يجد كسرة خبز ولا مَذقةَ لبن ولا حِفنة تمر، في الناس صائم لا يجد بيتاً يؤويه ولا مركباً يحمله ولا صاحبًا يواسيه، في الناس صائم لا يجد ما يفطر به أو يتسحّر عليه. فالذي يرى الجياع أو يسمع عنهم وهو قادر على إطعامهم ولا يفعل فهو قاس القلب محروم، والذي يرى الملهوف ولا يعينه وهو قادر على ذلك محروم، والذي يرى اليتيم الذي فقد حنان الوالد وعطفه ولا يرحمه بإدخال السرور على نفسه محروم.

فماذا خسر أبو بكر الصديق رضي الله عنه الذي أنفق ماله كله في سبيل الله، ونصرة دين الله؟! وماذا خسر عمر رضي الله عنه وقد أنفق نصف ماله في سبيل الله ورفع كلمة الله؟! وماذا خسر عثمان وقد جهّز جيش العسرة بسبعمائة بعير بأحلاسها وأقتابها، واشترى بئر رومة للمسلمين، ولا زال ينفق وينفق حتى قال النبي عليه السلام : ((ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم))([22]). والله ما خسر واحد منهم أبدًا، بل اشتروا بأموالهم جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين.

وكم يجمل بنا أن نعرّج على ما كان عليه أهل مكة من عادات في السابق، فقد كانوا يكثرون من الولائم؛ وخاصة في رمضان([23])، بينما كان الولاة والسلاطين يتنافسون في الصدقة على فقراء الحرم؛ فقد أمر معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه في خلافته ببناء بعض الدور بمكة منها: دار المراجل، وكانت مخزنًا لقدور عظيمة من صُفر، يطبخ فيها الطعام للحجاج في موسم الحج، وفي شهر رمضان لفقراء مكة([24])، وكان السلطان سليم خان العثمان كثير المحبة لأهل الحرمين قبل أخذه لمصر، وهو أول من بعث لهم صدقة الحب([25]). وكان سلطان الهند غياب الدين أعظم شاه، يبعث بصدقته إلى أهل الحرمين([26])، وكان المنصور يرسل كل سنة بصدقة عظيمة من اليمن إلى مكة مع علي بن خيلخان؛ يصل بها كل من كان في مكة من المجاورين ومن أهل مكة([27]). وفي سنة تسع وعشرين وثمانمائة بعث الأشرف برسِباي مركباً فيه قمح صدقة على أهل الحرمين([28]).

وكما أن الصدقة قد تسدّ كفاية المحتاج؛ لكننا لا نغفل جانب تهذيب روح الباذل، ورفعها إلى ذلك المستوى الكريم؛ لينظر إلى الدنيا على حقيقتها، فيتسامى عن الركون إليها رغبةً في الآخرة، وليدرك المنفق أن قيمة الإحسان ليست بكثرة المال، فرب تحيةٍ صادقة يلقيها على سائل أحبّ إليه من درهم، وغني القلب بالإنسانية هو الذي يتصدق مع المال بالعاطفة، ليحفظ ماء وجه السائل، ويضنّ له كرامته دون ابتذال، والشقي من يجمع لغيره، فيضن على نفسه بخيره، وهل البخيل إلا حارس نعمته، وخازن ورثته؟ أو يتصدّق مقابل مَنٍّ واستعلاء، فذلك كله خزي عليه ووبال، ولن يقبل الله إلا من المتقين المخلصين.

([1]) رواه مسلم (2742).

([2]) اقتباس من حديث رواه مسلم (1048).

([3]) رواه البخاري (5797)، ومسلم (2407).

([4]) رواه ابن ماجه (4120) وأصله في البخاري (6268) ومسلم (990).

([5]) رواه ابن ماجه (4119).

([6]) رواه البخاري (6444)، ومسلم (990).

([7]) رواه البخاري (6)، ومسلم (2308).

([8]) رواه مسلم (2312).

([9]) انظر: مسند الإمام أحمد (21162).

([10]) رواه أحمد (16695) والبيهقي في الشعب (3/212) وصححه الألباني في صحيح الترغيب (872).

([11]) رواه الترمذي (558)، وابن ماجه (4200)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب (866)

([12]) رواه الترمذي (600)، وصححه بمجموع طرقه الألبانيُّ في الصحيحة (1908).

([13]) رواه الترمذي (735)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (6414).

([14]) رواه أحمد (21831) وحسنه الألباني في صحيح الجامع (2123).

([15]) رواه أبو داود (1371) وصححه الألباني في صحيح الجامع (3570).

([16]) إحياء علوم الدين (1/226).

([17]) رواه البيهقي في السنن الكبرى (3/382) وقال الألباني في صحيح الترغيب (744): حسن لغيره.

([18]) رواه الحاكم في المستدرك (1/124) وصححه الألباني في صحيح الجامع (3795).

([19]) إحياء علوم الدين (1/226).

([20]) المجالسة وجواهر العلم لأبي بكر الدينوري (1/333).

([21]) أدب الدنيا والدين للماوردي (ص187).

([22]) رواه الترمذي (3634)، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي (2920).

([23]) انظر: التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم (6/269).

([24]) التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم (5/185).

([25]) منائح الكرم في أخبار مكة ووُلاة الحرم (3/224).

([26]) منائح الكرم في أخبار مكة ووُلاة الحرم (2/410).

([27]) إتحاف الورى بأخبار أم القرى (3/54).

([28]) إتحاف الورى بأخبار أم القرى (3/634).

Total6443129
زوار الموقع
المملكة العربية السعودية – مكة المكرمة ـ مخطط الحمراء الإضافي ـ النزهة الغربية الطريق الدائري ـ بجوار جامع السلام وملعب الكابتن ماجد
ص ب : 57571 الرمز البريدي : 21955

 

واتس آب : 00966506602821
5460608 - مفتاح المنطقة 012
5390101 مفتاح المنطقة 012
© 2025 بوابة تعظيم البلد الحرام